التبادل الحر بين المغرب وتركيا... مطالبات بإعادة النظر بالاتفاقات المعقودة

فتح الحدود الجمركية للبضاعة والتجهيزات يجري على حساب الصناعة المحلية

واجهات محلات تركية للألبسة في مدينة الدار البيضاء (اندبندنت عربية)

طالب نواب في البرلمان المغربي الأسبوع الماضي حكومة بلادهم بمراجعة اتفاقات التبادل الحر مع الدول الأجنبية، خصوصاً تلك التي يتكبد فيها المغرب عجزاً تجارياً مهماً، في الوقت الذي انتقد نواب من حزب الاستقلال المعارض اتفاق التبادل بين تركيا والمغرب، واعتبروا أن السلع التركية أدت إلى إفلاس العديد من مقاولات النسيج والألبسة المغربية.

وقال لحسن حداد النائب البرلماني عن حزب الاستقلال، إن اتفاق التبادل الحر مع تركيا في شموليته غير منصف للمغرب، وليس في صالحه، إذ يصل العجز التجاري إلى 12 مليار درهم (2.1 مليار دولار)، مع الإشارة إلى إغراق السوق المغربية باللوازم المنزلية والأغذية والملابس، ما أثر في التجار المغاربة.

اتفاقية التبادل الحرّ

ووقع المغرب وتركيا اتفاق التبادل الحر في أبريل (نيسان) 2004، ودخل الاتفاق حيز التنفيذ في يونيو (حزيران) 2006، وتضاعف حجم التبادل التجاري بين البلدين عام 2016 إلى حوالى أربعة أضعاف عما كان عليه عام 2006، ووصل إلى 25.6 مليار درهم (6.2 مليار دولار) بعد أن كان لا يتجاوز 6.6 مليار درهم (700 مليون دولار) عام 2006 وفق إحصاءات رسمية.

بينما بلغت الاستثمارات التركية في المغرب عام 2016، 621.7 مليون درهم (66 مليون دولار)، وتعادل 1.9 في المئة من إجمالي الاستثمارات الأجنبية بالمغرب خلال عام 2016، كما تنشط الشركات التركية التي بلغ عددها 80 في المغرب، في صناعات النسيج والمواد الغذائية، والبناء والبنى التحتية، والسكك الحديدية.

أزمة بطالة

وأدى التصاعد المستمر لحجم صادرات المنتوجات التركية إلى المغرب خلال السنوات الأخيرة إلى فقدان حوالى 46 ألف منصب شغل في الفترة الممتدة بين 2013 و2016 بحسب إحصاءات حكومية مغربية.

وقال علي لطفي الكاتب العام للمنظمة المغربية للشغل لـ "اندبندنت عربية"، "كنا سباقين في إثارة انتباه السلطات المغربية، خصوصاً لرئاسة الحكومة، وكنا النقابة الوحيدة التي تقول إن فتح الحدود الجمركية للبضاعة والتجهيزات التركية بهذا الشكل الكبير سيكون على حساب الصناعة المحلية، وجعل ما يفوق 8000 مقاولة مغربية تغلق أبوابها وتسرّح عمالها".

إغراق السوق المغربية

وتعرف السلع التركية رواجاً كبيراً بالمغرب نظراً لثمنها الرخيص، خصوصاً تجارة الألبسة، إذ أصبح العديد من السيدات يعتمدن على الشكل التركي في اللباس.

وتقول أم آية، الموظفة في القطاع الخاص لـ "اندبندنت عربية" عند خروجها من أحد المحلات التركية للألبسة بمدينة الدار البيضاء، إن الإقبال الكبير للمغاربة على السلع التركية يرجع إلى مبدأ علاقة الثمن الرخيص والجودة الممتازة لتلك السلع، وهو الأمر الغائب لدى السلع المحلية التي تكون إما رخيصة ورديئة وإما غالية الثمن وذات جودة عالية، بالتالي إذا أراد المغرب منافسة السلع الأجنبية عليه مراعاة الجودة ومراقبة الأسعار على حد تعبيرها.

 بينما يلاحظ علي لطفي أن "السوق المغربية أصبحت تعج بكل ما هو تركي سواء من تجهيزات منزلية أو ملابس أو تجهيزات إلكترونية، هناك جودة مقابل الثمن، ولكن هذا لا يعني أن نهلك الصناعة المحلية بدل القيام باستراتيجية من أجل تأهيل المقاولة المغربية".

 تهديد الاقتصاد المحلي

ويعتقد لطفي أن ناقوس الخطر يقرع الآن، لكون السلع التركية تضرب كل ما يتعلق بالصناعة والمقاولة، وكذلك اليد العاملة المغربية، فمثلاً تقوم شركة تركية للمواد الاستهلاكية بالانتشار بشكل كبير في حارات جلّ المدن المغربية، وهي بذلك تضر بشكل مصيري بعيش أصحاب دكاكين المواد الاستهلاكية التي تعيل آلاف العائلات. ويعاني المغرب حالياً من مشكلة العطالة والفقر واتساع الفوارق الاجتماعية، التي سببتها سياسة الانفتاح بشكل كبير على التجهيزات والمواد الأجنبية في إطار المنافسة غير الشريفة للصناعة المحلية.

أضاف "القرار يجب أن يكون سياسياً وحكومياً، ويجب سن ضرائب من أجل حماية الصناعة المحلية، ففي فرنسا يغلب الحديث عن الاستهلاك المحلي ونحن لا نتوانى في المغرب عن استيراد تجهيزات ومواد ومنتجات لا تفتح المجال لتكوين صناعة مغربية محلية، التي من شأنها أن تعطي فرص شغل للشباب وتطور الاقتصاد المحلي، يجب بناء ثقافة تشجيع الصناعة الوطنية على أساس تأهيل المقاولة لإنتاج مواد ذات جودة وبثمن مناسب".

أسباب فتح الأسواق

ويعتبر بعض المختصين أن السبب الأساسي في انتشار السلع التركية بالمغرب يعود إلى اعتبارات سياسية. ويعزو إدريس بووانو، المتخصص في الشأن التركي، الرواج الذي تعرفه السلع التركية بالمغرب إلى عامل تسلم حزب العدالة والتنمية التركي لمقاليد الحكم في تركيا، إذ استفاد العديد من الشركات التركية من علاقة قيادته مع قيادة حزب العدالة والتنمية المغربي. وسعى هذا الأخير بكل جهد لدعوة الشركات التركية إلى الاستثمار في المغرب، كما قام بتسهيل دخول هذه الشركات والمؤسسات إلى البلاد.

فرض ضريبة

وقامت الحكومة المغربية بداية العام الماضي بفرض ضريبة بنسبة 90 في المئة على الواردات التركية من النسيج والألبسة، وذلك بعد تنامي الصادرات التركية إلى المغرب والخوف من تضرر الصناعة المحلية. وبررت وزارة الصناعة والتجارة المغربية تلك الإجراءات بكون "قطاع صناعة النسيج والألبسة الموجهة إلى السوق المحلية أصبح يشهد منذ بضع سنوات اختلالات ناجمة عن تنامي الواردات التركية بأسعار تنافسية. إن المنتوجات التركية تحظى بدخول تفضيلي إلى السوق المغربية بموجب اتفاق التبادل الحر بين المغرب وتركيا، ما حفّز بشكل قوي نمو الصادرات التركية صوب المغرب من المنتوجات التامة الصنع من النسيج والألبسة، مسجلة ارتفاعاً بنسبة 175 في المئة بين عامي 2013 و2017".

التعرفة الجمركية

وقال لحسن حداد أنه على الرغم من الإجراء الحكومي المتعلق بتطبيق الزيادة في التعرفة الجمركية على استيراد الملابس التركية إلا أنه يجري التحايل عليه، وتعبر السلع التركية عن طريق مصر والأردن لتفادي تلك التعرفة، وإغراق السوق المحلية، في مقابل الحواجز غير الجمركية التي تقام أمام الصادرات المغربية. وطالب حداد بإعادة النظر في اتفاق التبادل الحر لحماية الصناعات الوطنية.

ولاحظ علي لطفي الكاتب العام للمنظمة المغربية للشغل أنه "حتى الآن لا يوجد أي تأثير واضح لتك الضريبة على الواردات التركية من الألبسة، لأن حكومة بنكيران (رئيس الوزراء المغربي السابق) فتحت الباب على مصراعيه على كل ما هو تركي بحكم العلاقة بين الحزبين الحاكمين، وجرى إغراق السوق بالمواد والبضائع والتجهيزات التركية، ونحن الآن نؤدي الثمن".

أزمة الصلب

وأدى تضرر بعض الشركات المغربية العاملة في مجال الصلب إلى مطالبة إحدى تلك الشركات بفتح تحقيق حول موضوع إغراق السوق الوطنية بواردات الصلب التركي عام 2013، واستجابت الوزارة المكلفة بالتجارة الخارجية إلى المطلب، وقررت فرض رسوم جمركية بنسبة 11 في المئة على الواردات التركية، ما حدا بتركيا إلى وقف مشاوراتها مع المغرب واللجوء إلى هيئة التحكيم بمنظمة التجارة العالمية، لتنظر في قضية فرض المملكة رسوماً جمركية على الصلب التركي.

وعلقت كاتبة الدولة في التجارة الخارجية رقية الدرهم على أزمة الصلب بين البلدين قائلة، إن المغرب لم يقم بمنع استيراد الحديد من تركيا، وتتعلق الدعوى المرفوعة أمام المحكمة الدولية للتجارة بتنظيم الرسم النهائي المضاد للإغراق على واردات الحديد ذات المنشأ التركي والاتحاد الأوروبي لمدة خمس سنوات، بعدما توصلت الحكومة بشكوى من المنتجين المحليين للحديد والصلب بسبب تضررهم من إغراق السوق المغربية بالمنتوج التركي.