Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"بحيرات النفط"... كيف لم يدرأ ذهب العراق الأسود فقره المدقع؟

150 مليار برميل حجم الثروة والفقراء 10 ملايين وباحثون: "الدولة تخلّت عن مسؤولياتها وتسببت في كوارث"

يعيش العراقيون حالة من السخط والإحباط الشديد جرّاء استمرار تردّي الخدمات (أ ف ب)

شهد العراق انحدراً كبيراً في الخدمات المقدمة لمواطنيه، حتى بات العراقي في بلاده أشبه بمواطن من الدرجة الثانية، لا يتمتع بأبسط حقوقه المشروعة في التعليم الجيد، فبعض المناطق في المحافظات مدارسها من طين، ولا ضمان صحياً من أي نوع، وبعض البيوت لا تتجاوز 50 متراً مربعاً، ولم ينجح نفط العراق الغني في درء الفقر الذي يتفاقم سنة بعد أخرى.

سخط وإحباط ومعاناة

يقول أستاذ الاقتصاد الدولي، نوار السعدي، إن العراقيين يعيشون الآن حالة من السخط والإحباط الشديد جرّاء استمرار تردّي الخدمات، ما يشكل تهديداً للاستقرار الاجتماعي والأمني، ويؤثر على الحركة الاقتصادية والحياة بشكل عام، إذ نشاهد كل سنة انطلاق احتجاجات واسعة في معظم محافظات العراق، وهذه نتيجة حتمية لكون الحكومات المتعاقبة منذ 2003، وحتى الآن لا تتجاوز المنطقة الخضراء في بغداد وبعض الدوائر الرسمية خارج العاصمة".

يرى السعدي أن "هذه السلطات كان ينبغي أن توفر الأمن والأمان، وتضطلع بمسؤولية رعاية شعبها، خصوصاً الفقراء وعائلات الشهداء، وبناء وصيانة البنى التحتية من مجارٍ وماء وكهرباء ومدارس ومستشفيات وشق طرق وشوارع، إضافة إلى توفير العمل للمواطنين، وإحياء وتطوير القطاع الزراعي، جنباً إلى جنب الصناعة وباقي القطاعات، لذا فإن الدولة رفعت يدها وتخلت عن مسؤولياتها وتسببت في كوارث بيئية وطبيعية، في حين صرفت المليارات على شركات وهمية، لتذهب الأموال في نهاية المطاف إلى جيوب الفاسدين.

بحسب السعدي، "يدفع الشعب العراقي اليوم نتيجة تلك السرقات مزيداً من تردي الخدمات والفيضانات المتكررة، فما إن تهطل الأمطار حتى تتحول ساحات وشوارع المدن والقرى إلى بحيرات آسنة. فالأطيان تغطي أراضي تلك الأماكن، وتمنع تماماً حركة وسائل النقل والمواطنين على السواء، ولم تتمكن الحكومة من تبليط الشوارع أو صيانتها في العاصمة والمدن المهمة الأخرى".

حدود الواقع المرير

أما بخصوص أسباب ذلك الواقع المرير، فأوضح السعدي أن "هناك أسباباً عدة لفقدان الخدمات العامة، وعدم تنفيذ مشاريع البنى التحتية أو المشاريع الحيوية، وهي الفساد المستشري بشكل كبير في معظم مؤسسات الدولة الخدمية، ما ساعد في عدم مهنية أغلب المسؤولين، كونهم جاءوا عن طريق المحاصصة المقيتة، وأيضاً غياب روح المواطنة والحرص والإخلاص في العمل، إضافة إلى الصراع السياسي المصلحي، فكل كيان سياسي لا يرغب في نجاح الكيان الآخر، ويطمع أن تكون الإنجازات باسمه من أجل كسب الأصوات وتوسيع قاعدته الشعبية، وكل هذا على حساب المصلحة العامة وخدمة المواطنين، فإذا زالت هذه الأسباب وتشعباتها، يمكن وقتها تقديم خدمات عامة للمواطنين، وتنفيذ مشاريع حيوية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يشير السعدي إلى "فقدان التخطيط في إعداد برامج التنمية، وعدم حسم الأولويات في المشاريع بحسب حاجة المواطن لها وجدواها الاقتصادية، وانعدام الشفافية في إحالة المشاريع إلى شركات متخصصة، وقد أشيعت كثيراً بعد 2003 طريقة الإحالات المباشرة لمقاولي الأحزاب واللجان الاقتصادية، علماً بأن الشروط العامة لوزارة التخطيط تنص على أن الدعوات المباشرة تكون لمشاريع خاصة في مواصفاتها، أو تتطلب سرعة في إنجازها، أو ضرورة أمنية أو احتكارية، وليس شوارع أو مدارس أو أرصفة أو حفر قنوات يمكن لمتعهدين إنجازها، وحتى من دون شركات كبيرة".

وزاد السعدي، "هناك العشرات من علامات الاستفهام أمام المواطنين المنهكين المعذبين المشردين الجائعين في العراق، فلا توجد مرجعية للدولة، والدستور ضرب به عرض الحائط، والرئاسات مجمدة كلياً، ومجلس النواب يسير الأمور بولاءات للأحزاب تفرض القرارات على حكومة تصريف الأعمال، كل هذه الأسباب تجتمع لتخريب العراق".

يرى السعدي أن "المواطن في الساحة من دون أدوات للدفاع عن مصالحه، تحت صمت المجتمع الدولي، ولا تزال رؤوس الفساد موجودة، وهم منهمكون الآن في تشكيل حكومة الغنائم الجديدة القادمة لمدة أربع سنوات، واللصوص ينتظرون عند بوابة الخضراء ليدخلوا إلى سور العراق المحصن".

فجوة اجتماعية وخيبة أمل

في المقابل، رأى الباحث السياسي والاقتصادي نبيل جبار العلي، "على ما يبدو أن الفجوة الاجتماعية بين الساسة والشعب العراقي تزداد حجماً يوماً بعد يوم، فالسياسيون قد نصَّبوا أنفسهم وُلاةً على بقية العراقيين، ووضعوا لأنفسهم القوانين والتشريعات خدمة لمصالحهم الضيقة، وهم سائرون باتجاه ضرب مبادئ الدستور في ما يتعلق بالحقوق العامة والواجبات الحكومية، وانقسم مجتمع العراقيين بين طبقة الأوليغارش المتنفذة والمسيطرة على مفاصل الحكم، وطبقة الزبانية المتمثلة بالموظفين الحكوميين المدنيين والعسكريين كمواطنين من الدرجة الثانية، وطبقة الفقراء والمعوزين في قاع الهرم الاجتماعي، مسلوبة الحقوق والامتيازات، تحت مظلة نظام تتخادم فيه السلطات في ما بينها". 

الباحث الاقتصادي، بسام رعد يوضح أن "العراق يطفو على بحيرات نفطية عملاقة تقدر بـ150 مليار برميل، وبلغت قيمة الإيرادات للعام الماضي أكثر من 109 تريليونات دينار عراقي (0.074 تريليون دولار). وعلى الرغم من هذه الإمكانات والموارد المالية الضخمة، فإنه جاء بالمرتبة 141 من أصل 167 دولة في مؤشر الرخاء والازدهار العالمي لعام 2021، ويقيس هذا المؤشر ثلاثة مجالات أساسية للازدهار، تشمل المعايير الشاملة للمجتمعات، وبيئة الاستثمار والاقتصادات المفتوحة، والظروف المعيشية والصحية والتعليمية للأفراد".

وأكد رعد أن "بعض المصادر والتقديرات غير الرسمية تشير إلى بلوغ نسبة الفقراء في العراق إلى 25 في المئة، أي نحو 10 ملايين من مجموع سكان العراق، ما جعل البلد يقف في مفترق طرق، وأصبحت الحلول السريعة صعبة ومكلفة اقتصادياً".

وأضاف، "على الرغم من أن بيانات العوائد النفطية توضح أنها تكفي العيش الكريم لجميع أفراد المجتمع العراقي، فإن ثمة خللاً كبيراً في استخدام هذه العوائد المالية لتوفير متطلبات الحياة والخدمات الأساسية، المتمثلة بالصحة والسكن والتعليم والطاقة، ما جعل المواطن العراقي يشعر بخيبة أمل كبيرة".

المزيد من تقارير