Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الصيد البحري في غزة مصيدة للبشر

تحاكم إسرائيل القوارب التي تصادرها عسكرياً

اعتقلت إسرائيل 152 صياداً من بحر غزة (اندبندنت عربية - مريم أبو دقة)

عند السادسة مساء، شرع الصياد الفلسطيني جهاد في رحلته عرض البحر، ما إن رمى شباك الصيد على بعد أربعة أميال، حتى بدأ جنود البحرية الإسرائيلية ينادونه بواسطة مكبرات للصوت "ممنوع أن تصل إلى هنا، الصيد ممنوع اليوم، عد إلى غزة"، مباشرة استجاب جهاد لهم، وأدار محرك مركبه الذي يصنف في القطاع أنه كبير الحجم، حيث يصل طوله إلى 19 متراً، ويعد واحداً من بين 11 مركباً فقط موجودين في غزة.

تصرف جهاد واستجابته للقرار الإسرائيلي بالعودة إلى شاطئ غزة لم يكن كافياً بالنسبة إلى الجنود الذين مباشرة فتحوا نيران الرشاشات المثبتة على زوارقهم صوب مركبه، ووفقاً لعمليات التوثيق التي أجراها اتحاد لجان الصيادين (مؤسسة فلسطينية)، وجمعية "جيشا مسلك" (مؤسسة حقوقية إسرائيلية)، فإن الجنود أطلقوا عليه مباشرة سبعة أعيرة نارية، توسطت 3 منها منطقة كتف الصياد. وطلبوا منه النزول عارياً إلى مياه البحر، ثم اعتقلوه مقيداً بواسطة زورق من نوع "سوبر طراد"، واقتادوا مركبه إلى ميناء أسدود الذي يقع شمال قطاع غزة.

احتجاز ومحاكمة

استمر احتجاز جهاد نحو 48 ساعة ثم أفرجت البحرية الإسرائيلية عنه، لكنها أبلغته أن قاربه سيعرض على محكمة عسكرية لمقاضاته بسبب تجاوزه المساحة المحددة، يقول جهاد إنه رأى الموت لمدة نصف ساعة في رحلته تلك، على الرغم من أنه يبحر في المنطقة المسموحة، فإن الجنود ضخوا المياه العادمة عليه قبل اعتقاله، وأطلقوا عليه 4 كلاب بوليسية أحدهم نهش قدمه من دون أن يتلقى أي رعاية طبية، مضيفاً "بعد الاعتقال وما حدث، سوف يحاكمون قاربي عسكرياً".

في 25 من يناير (كانون الثاني) الماضي، اتخذت الحكومة الإسرائيلية قراراً يمنح سلاح البحرية الحق في مصادرة أي قارب من قطاع غزة إذا تجاوز حدود مساحة الصيد المسموح بها، أو إذا لم يخضع لأوامر الجنود العاملين في مناوبة حراسة البحر، أو حال الاشتباه بظروف أمنية أو حالة غامضة يقوم بها المركب أو من يقوده.

كما وافقت الحكومة الإسرائيلية على إخضاع مراكب الصيادين لمحاكمة عسكرية، بعد مصادرتها وجرها إلى ميناء أسود، وفق لائحة اتهام تعدها النيابة العامة بحق المركب ذاته مع فرض تصور للعقوبة للقارب والشخص المالك.

فعلياً بدأ تطبيق هذا القرار، مع بداية يونيو (حزيران) الجاري، وعلى مدار الأيام السبعة الماضية تحول بحر غزة من منطقة صيد للسمك إلى بؤرة خصبة للصيد البشري، وفق وصف مؤسسات حقوق الإنسان العاملة في الأراضي الفلسطينية والإسرائيلية.

بيانات

وبحسب عمليات الرصد والتوثيق، التي أجراها كل من مركز الميزان لحقوق الإنسان (مؤسسة تعمل في غزة ويحق لها المرافعة القضائية في إسرائيل)، وجميعة "جيشا مسلك" (تدافع عن حقوق الفرد في إسرائيل)، واتحاد لجان الصيادين (مؤسسة غير حكومية)، فإنه خلال الأيام الماضية أطلقت البحرية الإسرائيلية الأعيرة النارية 190 مرة تجاه الصيادين في المناطق المسموح لهم العمل بها، أصيب فيها 11 بينهم ثلاثة أطفال، واعتقلت 152 صياداً، بينهم ستة أطفال، وصادرت 11 مركباً جميعهم سيجري محاكمتهم عسكرياً.

 

يقول منسق اتحاد لجان الصيادين زكريا بكر، إن قرارات إسرائيل تعني تحويل البحر من ملاحقة للسمك إلى ملاحقة للصيادين، وهذا يظهر بشكل واضح في عدد الانتهاكات التي جرى رصدها خلال فترة قصيرة، وبحسب التوثيق فإن الملاحقة والاعتقالات تجري في مسافة قريبة من الشاطئ، أي في مناطق مسموح الصيد فيها، وبعيداً عن المناطق التي تثير شكوك البحرية في وجود اشتباه أمني.

فترة مهمة

في الواقع، تجري إسرائيل حملاتها ضد الصيادين، في فترة مهمة للعاملين في البحر، إذ يعد شهر يونيو، "موسم السردين" (أحد أنواع السمك)، ويشكل نحو 40 في المئة من حجم الصيد السنوي، وتعد هذه المرة الأولى التي تسمح تل أبيب للصيادين ممارسة أعمالهم في تلك الفترة منذ خمس سنوات.

يوضح بكر أن الصيادين يعتمدون على هذا الموسم في سداد ديونهم وإصلاح معداتهم المتهالكة، لكن ما يحدث أن هناك محاولة واضحة من إسرائيل للسيطرة على مصادر الغذاء والرزق وعدم استدامتها.

يضيف، "بشكل ممنهج تعمل تل أبيب، وعادة تتنوع أشكال الاعتداءات ما بين الاعتقال ومحاكمة المراكب، والاستهداف بالرشاشات، أو الرصاص المطاطي، أو ضخ المياه العادمة داخل القوارب من أجل إغراقها، وهذا يترتب عليه ترك الصيادين أماكن عملهم دون اصطحاب الشباك والمعدات، ما يعني أن هناك خسارة أخرى تنتظرهم".

انخفضت أعداد الصيادين في غزة، وبات يقدر العاملون منهم بحوالى 2000، في حين كان يتجاوز عددهم 5 آلاف قبل عام 2006، ويعود ذلك إلى المضايقات الإسرائيلية، وعدم السماح بتوريد معدات المراكب لقطاع غزة.

اعتقالات بالجملة

على أي حال، اعتقلت إسرائيل منذ بداية الشهر 152 صياداً، وبحسب الواقع، فإنها تفرج عن أغلبهم بعد 48 ساعة من الاحتجاز والتحقيق، فيما لا تزال تتحفظ على 5 منهم لدواع أمنية، وفي الوقت نفسه لم تفرج تل أبيب عن 11 مركباً اقتادتهم إلى أراضيها، وتصر على محاكمتهم عسكرياً.

يعتقد الصياد جهاد، أنه أكثر دراية من المؤسسات الحقوقية لما يجري في عرض البحر، كونه الذي يتعرض كما بقية الصيادين للأحداث، يقول إن ما يجري يومياً أن البحرية الإسرائيلية تقوم بمطاردة الصياد على بعد 5 أميال من الشاطئ، وتمنعه من ممارسة عمله.

فعلياً، منحت اتفاقية أوسلو الصيادين في غزة حق الصيد حتى عمق 20 ميلاً بحرياً، لكن منذ عام 2006 لم تسمح السلطات الإسرائيلية إلا بالدخول لمسافة 9 أميال، وبعد التفاهمات التي جرت بين حركة "حماس" وإسرائيل عام 2019 قررت الأخيرة توسيع المساحة إلى 15 ميلاً، وتقول إنها ما زالت هكذا.

لكن جهاد يؤكد أن العوامات الإسرائيلية (الحدود التي تضعها في البحر لمعرفة المناطق الممنوع تجاوزها)، لا تبعد عن الشاطئ مسافة 9 أميال، ولا يوجد في تلك المنطقة أسماك.

وفقاً لحديث جهاد، فإن جنود البحرية يعتقلون يومياً نحو 5 صيادين، وتشير بيانات التوثيق إلى أن مجمل عمليات الاحتجاز وصلت إلى 152، وهذا ما حول البحر إلى منطقة اعتقال وليس مساحة صيد، ويوضح الرجل أنه يتعرض برفقة زملاء المهنة إلى تعذيب مباشر، يضيف "ألا يعد إطلاق النار تعذيباً، المطاردة لمدة ساعتين أليست كذلك، إصافة إلى ضخ المياه العادمة والاعتقال والمنع من العودة إلى البحر".

وبحسب المعلومات الواردة، فإن إسرائيل تشن حملة داخل المياه المحلية لغزة لاعتقادها أن الفصائل تخطط لتنفيذ مهمة ما، ولذلك تحاول جمع أكبر كمية معلومات من الصيادين، فضلاً عن الاشتباه بأنهم يتبعون للقوى العسكرية في القطاع.

ويصف جهاد أن البحر بات مصيدة للصيادين، ويتابع، "دائماً نسألهم عن سبب الاعتقال ويكون العذر وجود اشتباه أمني، وسنجري التحقيق ثم نفرج عنك، وفي كثير من الحالات نتعرض لتعذيب نفسي وجسدي، حيث يطلقون الكلاب ويقومون بضربنا بالهروات، ويستخدمون الصواعق الكهربائية".

محاكمة عسكرية للقوارب

ليس هذا فقط ما يحدث إذ باتت مراكب الصيادين تتعرض لمحاكمة عسكرية، ومن بين تلك القوارب المركب الذي يمتلكه جهاد، إذ من المقرر أن يحاكم الأربعاء 8 يونيو، بعد تأخير امتد إلى 21 يوماً.

تقول المحامية لدى جمعية "جيشا مسلك" منى حداد، التي تترافع بالنيابة عن جهاد، إن النيابة وضعت لائحة اتهام جاء فيها أن المركب تجاوز الحدود المسموحة، ويعد هذا خرقاً للقانون، فيما وضعت المحكمة شروطاً تعجيزية، إذ طلبت غرامة 10 آلاف دولار أميركي، مع وجود كفيل إسرائيلي للمركب يضمن عدم تجاوزه مسافة ثلاثة أميال، وفي حال لم يجرِ ذلك أثناء المحاكمة فإنها ستصدر حكماً بمصادرة القارب وإتلاف محركه من دون إرجاعه لصاحبه في غزة.

قانوني وغير قانوني

يرد على ذلك، منسق أنشطة الحكومة الإسرائيلية في المناطق الفلسطينية غسان عليان بالقول، "نحن ننفذ القانون وما تقوم به السلطات البحرية محاولة لعدم السماح بوجود أي شبهة أمنية، وبعد التأكد من ذلك يجري الإفراج المباشر عن الأفراد، إن ذلك قانوني بموجب قرار قضائي، ولولا وجود مخالفات لما أعدت النيابة العامة لائحة اتهام بحق أي مركب أو صاحبه".

لكن صلاح عبد العاطي، رئيس هيئة دعم حقوق الفلسطينيين (مؤسسة دولية) يرى ذلك انتهاكاً جسيماً وخطيراً لحقوق الإنسان وانتهاكاً لقواعد القانون الدولي، لا سيما أحكام اتفاقية جنيف الرابعة، لذلك على السلطات الإسرائيلية التراجع عن قرارها القضائي، وعلى الوسطاء الضغط من أجل ذلك.

المزيد من تقارير