تحول تحقيق استقصائي بشأن مقتل المصرفي اللبناني أنطوان داغر إلى قضية رأي عام، حيث أعاد إلى الواجهة التذكير بـثلاث جرائم ارتكبت بطريقة احترافية، ولم تتمكن الجهات الأمنية والقضائية من كشف خيوطها وفاعليها على خلاف جرائم أخرى تفاخرت الضابطة العدلية اللبنانية بالكشف عنها خلال فترة قياسية.
ما إن بث التحقيق، الذي أعده الصحافي أدمون ساسين، المؤلف من جزأين، في نشرة أخبار المؤسسة اللبنانية للإرسال LBCI، حتى بدأ السجال حول مضمونه، وتوقيت عرضه، ومدى نهائية خلاصاته.
لكن في مطلق الأحوال، يأتي التحقيق في إطار خط جديد، بدأ يشق طريقه في الإعلام المحلي اللبناني لناحية العمل الاستقصائي، وإعادة تعريف دور الصحافي تجاه قضايا المجتمع والضحايا وانتقاله من موقع توصيف المشهد الظاهر إلى الغوص في تفاصيل الملفات، وكشف عن جانب مستور من الحقيقة.
مَن قتل أنطوان داغر؟
التحقيق أعاد بناء السياق التاريخي العام للجريمة، مذكراً بسلسلة أحداث مهمة من انفجار السيارة المفخخة أمام بنك لبنان والمهجر في يونيو (حزيران) 2016، مع بدء تطبيق المصارف اللبنانية قانوناً أميركياً لمكافحة تمويل حزب الله، الذي تلته أزمة تصفية بنك الجمال في سبتمبر (أيلول) 2019 بسبب تقديمه أموالاً لمؤسسات وأشخاص أدرجت أسماؤهم في لائحة العقوبات الأميركية كمؤسسات القرض الحسن والشهيد.
في الوقت نفسه، كانت مجموعة من عائلات القتلى الأميركيين في العراق، ترفع دعوى على مصارف لبنانية لتسهيلها معاملات الحزب المصرفية، ناهيك بطلبات لتضييق الحرية المالية لشخصيات حزبية من بينهم النواب.
هذه الأحداث، سبقت مقتل مدير الأخلاقيات وإدارة مخاطر الاحتيال في بنك بيبلوس، أنطوان داغر، الذي عثرت القوى الأمنية على جثته في مرآب للسيارات بمنطقة الحازمية – قضاء بعبدا.
يشير التحقيق إلى أنه لم تثبت للجهات الأمنية اللبنانية خيوط شخصية أو نيات سرقة وراء الجريمة، ما دفع معد التحقيق إلى البحث في فرضية أخرى، من خلال البحث في الأرشيف المهني للسيد داغر، فقد سبق له أن تولى ولمدة عشر سنوات مسؤولية "وحدة مراقبة تطبيق قواعد العمليات المصرفية"، التي تعنى بمكافحة تبييض الأموال ومكافحة الإرهاب بين 2002 و2013، قبل استبعاده من المهمة بصورة مفاجئة.
حسب معد التحقيق، فإن الوظيفة التي شغلها داغر جعلته يعلم كثيراً من الأسرار والخفايا، ومن خلال العودة إلى أوراق داغر الشخصية، التي حصلت عليها LBCI، حفظ القتيل في أرشيفه الشخصي مجموعة من المستندات تفيد بحركة حسابات خمس شخصيات أدرجتها الخزانة الأميركية على لائحة العقوبات في 2021، بتهمة التحايل على العقوبات وتهريب نصف مليار دولار ضمن النظام المصرفي، التي ترتبط بصلة مباشرة مع مؤسسة القرض الحسن الخاضعة للعقوبات الأميركية منذ عام 2007.
كما عثر معد التحقيق في أوراق داغر على حركة حسابات تعود لشخصيات في مؤسسة وعد التابعة للحزب والخاضعة للعقوبات الأميركية، وكذلك حسابات رجال أعمال يدورون في حلقة النظام السوري.
يخلص ساسين إلى أن خروج داغر من وحدة مكافحة تبييض الأموال والإرهاب، لم يقصه نهائياً عن هذه المهمة التي تحولت إلى جزء من يومياته، حيث حافظ على علاقات جيدة مع موظفي الخزانة الأميركية.
وفي حين لم يوجه معد التحقيق اتهاماً إلى جهة بالضلوع في هذه الجريمة، فإنه يتحدث عن حرفية شبيهة بما حصل مع مقتل جو بجاني ولقمان سليم، مشيراً إلى أن "التحقيقات القادرة على كشف جريمة خلال ساعات لم تصل إلى أي نتيجة، وينسب الفعل إلى مجهول".
توقيت بث التحقيق الاستقصائي؟
لم يمر التحقيق الاستقصائي، الذي بثته المؤسسة اللبنانية للإرسال، مرور الكرام، بل خلق جواً سجالياً في البلاد المنهكة أصلاً من الانقسامات. ووجه البعض اتهاماً مباشراً إلى الحزب بالعمل لتصفية خصومه، في المقابل طرح آخرون علامات استفهام حول توقيت بث هذا التحقيق وأجندته.
هذه التساؤلات حملتها "اندبندنت عربية" إلى معد التحقيق، الصحافي أدمون ساسين، الذي رفض لغة الاتهام بالتسييس. وشدد على أنه لا وجود لأي توقيت سياسي أو أجندة من وراء التحقيق، وإنما تم برمجة بثه مع الذكرى السنوية الثانية لجريمة قتل أنطوان داغر.
وقال ساسين "لو كان هناك توقيت سياسي ونية للاستثمار ما كانت المحطة حددت بثه في هذا التوقيت، فقد كان جاهزاً في الفترة السابقة للانتخابات، ولو كان هناك نية لاستثماره لتحدد بثه آنذاك"، لافتاً إلى أن التحقيق كان على جزأين، سلط الأول الضوء على شبهة اختلاس أموال في أحد البنوك اللبنانية، أما الثاني فارتبط بمراقبة داغر حركة الحسابات التي تتحايل على العقوبات الأميركية المفروضة على الأفعال التي تصنفها في خانة تبييض الأموال أو تمويل الإرهاب.
وأوضح ساسين أن إعداد التحقيق استغرق ما يزيد على العام، وقد أخذ مختلف الفرضيات في عين الاعتبار، متمسكاً بسرية المصادر، المبدأ الذي يجب على كل صحافي مهني التحلي به. لافتاً إلى استعانته بكمية كبيرة من الوثائق والخبرات من أجل التحقق من صحة الأدلة ومطابقة المصادر مع بعضها البعض وصولاً إلى الخلاصة النهائية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الاتهام غير مباشر
لم يتضمن التحقيق اتهاماً مباشراً لجهة أو تنظيم، على خلاف ما بات شائعاً في أوساط العالم الافتراضي. ويتمسك ساسين بهذا الأمر من أجل التأكيد بأنه لم ينطلق في تحقيقه من "أحكام مسبقة" أو اتهامات، وإنما وضع أمامه مختلف الفرضيات، وخلال عام من الزمن كان يعمل عليها من أجل استبعاد بعضها وتأكيد الآخر. مشدداً على أنه لم يسم أحداً في التحقيق، "لكنهم استنتجوا ذلك وبنوا عليه". كما أشار إلى أنه "لم يقل في التحقيق بأن أنطوان داغر زود الأميركيين بالبيانات حول الحسابات المصرفية وحركتها والتابعة لشخصيات على علاقة بمؤسسة القرض الحسن".
وتطرق ساسين إلى الربط بين الجرائم الثلاث، التي استهدفت لقمان سليم في الجنوب، وجو بجاني في جبل لبنان، وأنطوان داغر في بعبدا. مشيراً إلى الطابع الاحترافي للجرائم الثلاث، وفي المقابل يتساءل عن العجز في جمع تسجيلات الكاميرات أو استخدام داتا الاتصالات.
وأضاف "في الحازمية هناك سفارات ومؤسسات مهمة وبلديتها تتفاخر منذ عام 2018 بأنها نشرت كاميرات المراقبة ضمن نطاقها، لكن عند ارتكاب الجريمة لا وجود لتلك التسجيلات"، مذكراً باعتماد الفرق الأمنية اللبنانية على تسجيلات الكاميرات وداتا الاتصالات لكشف كثير من الجرائم، وهذا الأمر تعذر حصوله في هذه الجريمة.
ماذا عن الأمن الشخصي للصحافي؟
تعرض التحقيقات الجنائية الفاعلين فيها إلى الخطر، ويؤكد أدمون ساسين أنه يقوم بعمله وفق المعتاد، وأنه أعد التحقيق بمهنية.
ورداً على سؤال يتصل بكشفه جانباً من الحقيقة في قضية شائكة عجز القضاء والأمن اللبناني عنها، ومن ثم "هل استدعي من قبل أي جهة أمنية أو قضائية لسماع أقواله في الملف ولتقديم ما لديه من وثائق ومستندات مفيدة للتحقيقات؟"، أكد أدمون ساسين أنه "لم يتلقَّ أي اتصال من أي جهة أمنية أو قضائية للإدلاء بأقواله بشأن هذا الملف أو مضمون التحقيق الاستقصائي".