الليمون يرفع سقف السخرية في مصر

ارتفاع أسعار الكيلو إلى 6 دولارات أطلق النكات على السوشيال ميديا... وأثار حفيظة الانتماءات السياسية

ارتفاع أسعار الليمون في مصر (رويترز)

أمس كانت الفاصوليا. وأول من أمس كان دور البامية. واليوم ليمون ولا صوت يعلو فوق صوت المتأوهين والمتضررين والمفتقدين إلى عصير ونكهة ومطهر وعائم على سطح المياه الغازية ومختفيا مع الزبادي حيناً والنعناع حيناً والفول المدمس دائماً وأبداً.

أزمات الأسعار وشطحات الخضراوات من الأمور القديمة قدم التاريخ في مصر. تختفي الطماطم بضعة أيام بسبب موجة حر شديدة، فينادي عليها بائعوها لدى عودتها "مجنونة يا قوطة" (الاسم المصري الدارج للطماطم). تضن الفاصوليا على محبيها بوفرتها وإتاحتها في أول الموسم، فيسيسها المصريون في عام 2013  ويربطون بينها وبين غلاء سعرها وشح محصولها في عام من حكم الإخوان. يقرر محصول البامية أن يتأخر طرحه فتنشط صفحات "فيسبوك" تنظيراً وتحليلاً بأن الدولة قررت إلهاء الشعب بإخفاء البامية، وهلم جرا.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ربط وتشبيك

جرى العرف المصري على ربط ما لا يمكن ربطه من أحداث، وتشبيك ما هو غير خاضع للتشبيك من تفاصيل، تحت وطأة إيمان شديد بنظرية المؤامرة عليهم مرة من باب البامية وأخرى من نافذة البطاطا، وثالثة وهي الأحدث عبر شجر الليمون.

وحين صدح صوت الـ"كينج" في جنبات الـ"كافيه" الراقي في حي مصر الجديدة باكياً على "شجر الليمون الدبلان على أرضه"، لم تكن الضحكات التي جلجلت أو الصيحات التي انطلقت سوى مرثيات تبكي على أطلال الزبادي بالليمون المغدور والنعناع بالليمون المحجوب والدجاج بصوص الليمون الموتور.

أزمة ليمون طاحنة تدغدغ مشاعر المصريين وتضعضع أطباق الفول وسندوتشاته، لكن من رحم الأزمة تولد الهمم ويتفجر الإبداع ويخرج المخزون الاستراتيجي معصوراً ومثلجاً في أزمنة سابقة من براد (ثلاجة) مدام رجاء. تقول السيدة الستينية ذات الخبرة المطبخية الطويلة والحنكة التخزينية العميقة: "نساء هذه الأيام خائبات، لا تخطيط ولا تخزين ولا يحزنون". تنطلق بإباء وشمم إلى ثلاجتها وتفتحها بثقة لتطل مكعبات الليمون المجمدة، ومن خلفها دوائر الطماطم المجهزة، وفي الصف الأخير أكياس البامية المقمعة (المنظفة). تقول بحكمة الخبير: "يمكن الاستعاضة عن الليمون بالخل أو الملح، لكن لا يجب أن تخلو ثلاجة بيت مصري من هذا المخزون تحسباً لظروف للاختفاء أو ارتفاع الأسعار".

كسر حاجز الـ6 دولارات

سعر كيلو غرام الليمون كسر حاجز الـ100 جنيه مصري (نحو 6 دولارات) في سابقة هي الأولى من نوعها. وفي حدث أيضاً فريد من نوعه يجد الليمون نفسه ترينداً على تويتر، ومثار شد وجذب بين أنصار الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ومعارضيه في صراع يستحضر حرب الفاصوليا إبان حكم الإخوان.

يشار إلى أن سعر كيلوغرام الفاصوليا الخضراء وصل إلى 12 جنيها مصريا (أقل من دولار أميركي) في عام 2012 أثناء حكم محمد مرسي رئيس مصر الأسبق، وهو ما فتح الأبواب على مصاريعها أمام تسييس الفاصوليا بين كارهين للجماعة ومرسي معتبرين سعرها المرتفع حينئذ دليلاً على الإخفاق ومحاولة للإلهاء. وقتها شاءت الأقدار أن تلعب الفاصوليا دوراً قيادياً محورياً في الاستقطاب الشعبي الحاد في الشارع المصري بين مندد بغلائها الفاحش وهو ما اعتُبِر مؤشر فشل ذريع لأداء الرئيس مرسي وجماعته، وبين مؤكد على أن الفاصوليا لا تفسد لأداء أول رئيس مدني منتخب قضية أو تزحزح مصداقية برنامجه لأول 100 يوم.

تغريدات وتدوينات الليمون

مئات التغريدات وآلاف التدوينات ومثلها أضعاف من أحاديث المصريين على الهواتف ومواقف الباصات وجلسات المقاهي والنوادي من مخلتف الفئات والطبقات والأنواع، فرقت بينهم الظروف الاقتصادية والمكانات الاجتماعية، لكن جمعهم الليمون. وعلى الرغم من أن اختفاء أو شح أو غلاء خضراوات وفواكه بعينها لبضعة أيام أو أسابيع ظاهرة يقول البعض إنها مصرية أصيلة، حيث جشع تاجر يخفي الثمار أو إلهاء سياسي بهدف التمويه، ويشير البعض الآخر إلى كونها سمة من سمات الطبيعة ونتيجة طبيعية لتقلب طقس وتغير مناخ، إلا أن الملايين وجدت في الليمون "فش غل" وفرصة ذهبية للتنكيت والإسقاط والتنظير.

نظرياً، أصدر نقيب الفلاحين المصريين السيد حسين عبد الرحمن أبو صدام بياناً قبل أيام أكد فيه أن سعر طن الليمون انخفض من 100 ألف جنيه (6 آلاف دولار)،  إلى 40 ألف جنيه (2.4 ألف دولار) خلال أسبوعين فقط، ما يعني أن السعر المطروح قبل أسبوعين كان مبالغاً فيه جداً.

وقال أبو صدام، في بيانه، أن سعر الكيلوغرام وصل حالياً إلى بين 35 و40 جنيهاً مصرياً (دولارين إلى دولارين ونصف) لدى تجار التجزئة، فيما لا يزيد سعره في المزارع عن 20 جنيهاً مصرياً (ما يزيد على الدولار). وأرجع أبو صدام هذا الانخفاض إلى امتناع المصريين عن الشراء واتجاههم إلى استخدام البدائل من خل وملح.

"خليه يخلل"

يشار إلى أن المجتمع المصري يشهد صحوة شعبية فيما يختص بحملات المقاطعة للسلع التي يستشعر المواطنون في أسعارها شبهة مبالغة أو في اختفائها ملمح مؤامرة. فمن حملة "خليها تصدي" التي ولدت على أثير العنكبوت وتشعبت حتى وصلت صالات بيع السيارات، رداً على مبالغة التجار في أرباحهم، إلى حملة "خليها تعنس" من قبل الشباب الراغبين في الزواج وغير القادرين على النفقات والمهور التي يفرضها أهل العرائس والعرائس أنفسهن، ومنها إلى "خليه في حضن أمه" رداً من العرائس على العرسان الممتنعين عن الزواج، وصل المصريون إلى مرحلة "خليه يخلل" انتقاماً من الليمون الذي جن جنونه؟

جنون الليمون لا يضاهيه سوى جنون التنكيت والإسقاطات السياسية التي تخصص فيها قطاع عريض من الشعب في السنوات الأخيرة كلما اختفت سلعة، أو اندثرت خدمة، أو جن جنون ثمرة. ومع جنون الليمون تنهال الـ"كوميكس" دون هوادة على رؤوس الجميع. فها هو الراحل العظيم زكي رستم يسأل شجيع السيما العظيم أيضاً فريد شوقي:  "ماتعرفش مين ابن الحرام اللي حطلك (وضع لك) الليمونة في جيبك وأنت داخل على الكمين؟"، إلى صورة ليمون ضربها العفن في أثناء رقودها في درج الثلاجة وصاحبتها تنعيها بدعاء "اللهم أجرنا في مصيبتنا واخلفنا خيراً منها"، إلى شاب يسأل إن كان الليمون على العريس أم العروس، وخبر يشير إلى أن الشرطة داهمت وكراً لتجارة الليمون، وآخر يتعجب "الدولار ينخفض 50 قرشاً فيرتفع الليمون 80 جنيها"، تتوالي النكات على مدار الساعة.

تسييس الليمون

وعلى مدار الساعة أيضاً لا تفتر عقول المصريين أو تخفت قدرتهم على تسييس الأمور، حتى تلك التي لا تحتمل التسييس. الحوار الساخن الدائرة رحاه في محل الخضراوات في مدينة الشروق يشير إلى أن أصحاب القدرات التنظيرية الشعبية وحاملي الأيديولوجيات المتفجرة من رحم رياح الربيع العربي أضفوا انتماءاتهم وفرضوا توجهاتهم على الليمون. بينما المشتري الأول يدقق في الليمون المطروح في المحل ليختار أفضل عشر ليمونات أخذ يدعو بصوت عال على "من خربها وقعد على تلها" و"من ساعد في خرابها بإزاحة الرجل الطيب الذي كان سيراعي ربنا في المصريين، وينفذ شرع الله بدلاً من شرع الليمون".

هذه التمتمات التي خرجت بصوتٍ راعى صاحبه أن يكون مسموعاً، استثارت غضب المشتري الآخر الذي لجأ إلى الليمون الأرخص سعراً، وبادر بإسقاط سياسي مضاد موجهاً حديثه لصاحب المحل: "أكيد الليمون خلص منذ قرر السذج من الناخبين عصر الليمون على أنفسهم (كناية عن اضطرار فعل شيء على مضض وقرف) وانتخاب محمد مرسي".

وكان تصنيف "عاصري الليمون" قد انتشر في مصر في أعقاب الانتخابات الرئاسية التي أجريت في عام 2012 وأتت بمرشح جماعة الإخوان المسلمين الدكتور محمد مرسي رئيساً، إذ أعطاه البعض من غير المنتمين لجماعة الإخوان أصواتهم بعد عصر الليمون على أنفسهم، ظناً منهم إنهم بذلك يحولون دون إعادة تدوير الحزب الوطني الديموقراطي إن وصل الفريق أحمد شفيق إلى الحكم.

لا سياسة في الليمون

صاحب المحل لم يجد بداً من غلق باب الجدل معلناً بلهجة اختلط فيها الجد بالهزل: "ياحضرات لا سياسة في الليمون، ولا ليمون في السياسة". لكن واقع الحال في اليوم نفسه أشار إلى أن البرلمان كله ليمون. فقد تقدم عضو اللجنة الدستورية والتشريعية في مجلس النواب المصري المستشار محمد سليم ببيان عاجل لكل من رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي ووزراء الزراعة والتموين والتجارة حول "فشل وزارة الزراعة في تحقيق التوازن في سعر الليمون". وفي مشهد يستحضر مشهد الفنان عادل إمام في فيلم "مرجان أحمد مرجان" وهو يقدم طلب إحاطة في مجلس الشعب (النواب حالياً) عن إنفلونزا الطيور مخرجاً دجاجة ميتة من حقيبته، تساءل عضو البرلمان مستنكراً: "هل يعقل وصول سعر كيلو الليمون إلى مائة جنيه أي ما يعادل سعر ثلاث دجاجات؟!"، ووصف النائب سياسة وزارة الزراعة بـ"الفاشلة".

ومع هبوط أسعار الليمون، وعودة مشروب الصيف المفضل الزبادي بالليمون إلى المقاهي الراقية، والليمون دون زبادي في المقاهي الشعبية، ومعاودة هيمنته على طبق الفول وتزيينه لكوب المياه الغازية وإضافته إلى كوب الشاي لتطهير المعدة ومع قليل من العسل لمواجهة إنفلونزا الصيف، يمضي المصريون قدماً في طريق نسيان أزمة الليمون لحين إشعار آخر.