السوريون في مصر... من يتلاعب بورقة الانتماء السياسي ضدهم؟

أثبتوا ولاءهم للقمة العيش... والمصريون يدشنون حملة لدعمهم على مواقع التواصل الاجتماعي

السوريون في مصر ليسوا نازحين في مخيمات، أو لاجئين يطرقون باب منظمات أممية ومنظمات أهلية، وجودهم لا يبدو غريباً في المكان، عاداتهم قريبة الشبه إلى حد التطابق مع المصريين، تقاليدهم تبدو للوهلة الأولى مصرية ولكن بتصرف، سلوكياتهم اليومية، حلوها بمرها، تمضي دون أن يلتفت أحد لأنها تبدو سمة من سمات أهل المكان.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الأحداث السياسية التي ألمت بدول عربية عدة على مدار السنوات الثماني الماضية كشفت عن تحزبات عربية الكثير منها يخلط الدين بالسياسة، وهو ما نتج عنه تغيرات اجتماعية وثقافية وسياسية عدة. وعلى الرغم من اعتبار البعض ما قاله المرشد السابق لجماعة الإخوان المسلمين مهدي عاكف من صب اللعنات على مصر وتركيزه على ألا جنسية سوى الإسلام، فإن ما قاله يعكس صميم فكر الجماعة، الذي ورد في رسائل حسن البنا، مؤسس جماعة الإخوان المسلمين.

يقول الباحث في شؤون الإسلام السياسي الدكتور أشرف قورة، "إن مفهوم الإخوان عن الوطنية والحدود والوطن قفز إلى سطح الاهتمام الشعبي في أعقاب مؤتمر "نصرة سوريا" في عام 2013، والذي جمع كل فصائل الإسلام السياسي، ومنهم من كان مصنفاً في مصر باعتباره إرهابياً مقترفاً لجرائم قتل وتفجير باسم الدين".

يضيف قورة، "تصاعد أصوات الأناشيد الدينية السورية الداعمة للرئيس الأسبق محمد مرسي من قلب اعتصام رابعة في عام 2013، مع وجود البعض من السوريين داخل مقر الاعتصام دفع بعض المصريين إلى الاعتقاد بأن السوريين في مصر داعمون لجماعة الإخوان، وهذا ليس دقيقا".

لا أحد يعلم على وجه الدقة أعداد أو توجهات أو انتماءات السوريين المقيمين في مصر. فإذا كانت المفوضية العليا لشؤون اللاجئين تشير إلى أن عدد السوريين المسجلين لديها حتى 30 أبريل (نيسان) الماضي هو 132.473 شخصاً، فإن عدد السوريين الذين جاءوا إلى مصر منذ اندلاع الأحداث في سوريا يقدر بأضعاف ذلك الرقم بكثير.

مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون العربية المندوب الدائم بجامعة الدول العربية السفير محمد البدري يقول، "إن عدد الضيوف السوريين الموجودين في مصر يقدر بنحو 550 ألف شخص، وإن مصر مستمرة في دعم ضيوفها منذ عام 2012".

وعلى مدار هذه السنوات، وباستثناء بعض التحفظات من قبل المصريين المعارضين لجماعة الإخوان والمنتقدين لضلوع بعض السوريين بمصر في دعم الجماعة، فإن إقامة السوريين في مصر تسير بسلاسة وترحيب كبيرين.

 

 

يقول رئيس الجمعية المصرية لدراسات الهجرة وخبير الدراسات السكانية الدكتور أيمن زهري أن "بعض الأصوات بدأت تعلو في الفترة الأخيرة مطالبة السوريين بالعودة إلى سوريا، لا سيما في تركيا والأردن ولبنان، مع العلم أن القوانين الدولية تنص على ضرورة أن تكون العودة طوعية بالإضافة إلى توافر ظروف الأمان". ويضيف: "لكن الوضع في مصر مختلف. فنحن لسنا من دول الجوار، بمعنى أن غالبية السوريين الذين جاءوا إلى مصر عقب الأحداث وصلوا إليها بطائرات، ومعهم جوازات سفر، ولديهم أموال بشكل أو بآخر، ولذلك لا أفهم أن يطالب أحدهم بعودة السوريين إلى بلادهم دون أن يكونوا مستعدين وراغبين في ذلك، حيث إنهم لا يشكلون عبئاً اقتصادياً كبيراً، بل يسهم الكثيرون منهم في دفع الاقتصاد المصري".

ويشير زهري إلى "دعم الدولة المصرية للسوريين في مصر، وهو ما يبدو واضحاً من سياسية غض البصر عن الأنشطة التجارية التي يقومون بها دون مطالبتهم بسداد ضرائب أو ما شابه. وعلى الرغم من أن القوانين لا تسمح لهم بالعمل، إلا أن هناك توجيهات لمكاتب العمل بعدم التضييق عليهم أو اتخاذ إجراءات قانونية ضدهم".

مفاجأة غير سارة

قبل أيام فاجأ القيادي السابق في جماعة الجهاد وأحد مؤسسيها نبيل نعيم الجميع بما كتبه على صفحته على فيسبوك من أن "النشاط الاقتصادي للسوريين في مصر من أموال التنظيم الدولي للإخوان وغسل الأموال". وما هي إلا سويعات حتى التقط الخيط المحامي المثير للجدل سمير صبري وتقدم بمذكرة للقضاء المصري يطالبه بحصر أموال السوريين المستثمرين والعاملين في مصر.

وجاء في المذكرة "انتشرت المطاعم والمقاهي العائدة ملكيتها للسوريين، ويصدمك النمط السائد للعلاقات الاستهلاكية المبالغ بها والترف المفرط لكثير منهم"، وأشار إلى أن "الأموال التي في أيدي السوريين باتت حائرة في مصر ما بين الاستثمار في العقارات أو البورصة أو القطاع الصناعي، في حين فضّل آخرون المشروعات الصغيرة والمتوسطة وتجارة التجزئة كمجال لاستثمار الأموال..."

وطرح صبري قائمة طويلة من الأسئلة في مذكرته حول قيمة هذه الأموال ومصدرها ومصيرها ومدى خضوعها للضرائب، مشيراً إلى أن الغاية من طرح هذه الأسئلة "حماية هؤلاء جميعا وحماية الوطن من أي أموال مشبوهة مغرضة"، في إشارة إلى وجود علاقة بين أموال السوريين وجماعة الإخوان المسلمين.

 

 

يقول الدكتور أيمن زهري "إن ما يجري حالياً من قبل عدد قليل من المصريين وتعبيرهم عن رغبة في عودة السوريين إلى بلادهم والدق على أوتار مصادر ثرواتهم هو تيار شعبوي". ولا يستبعد زهري "أن يكون تأجيج وإزكاء مثل هذا التيار استكمالاً للمؤامرات التي تحاك ضد مصر لإسقاطها في بؤر الفتنة، والإبقاء عليها حبيسة القلق والتوتر طيلة الوقت".

ياسين السوري (اسم الشهرة) يستأجر وأسرته شقة في "مدينتي" على مشارف القاهرة. يعمل في مجال النوافذ والأبواب المعدنية منذ جاء إلى مصر مع زوجته وأبنائه الأربعة هرباً من الأحداث في سوريا. ويحرص على توصيف ما جرى في سوريا بـ"الأحداث"، حتى لا يؤخذ توصيف "ثورة" بأنه ضد النظام في سوريا، أو "الفوضى" فيجد نفسه مدرجاً على قائمة مؤيدي الرئيس السوري بشار الأسد.

 يبتسم على مضض ويقول: "في الحالتين سأجد نفسي محسوباً على جهة وضد الأخرى، وكلتاهما تشكل خطورة عليّ وعلى أسرتي. حتى هنا في مصر، وبسبب الأحداث وما جرى منذ يناير (كانون الثاني) عام 2011 لا سيما في عام 2013، وما حدث بعدها، وجدت أن دوائر معارفي وزبائني من المصريين تصنفني سواء كنت مع النظام في سوريا وفي مصر، أو لو كنت من المعارضين لهما. لماذا؟ لأن الغالبية في مصر أيضاً أصبحوا مسيسين مع النظام وضد الإخوان، أو مع الإخوان وضد النظام".

طفرة اقتصادية

النظام الاقتصادي في مصر وما قام به السوريون من ضخ وتدوير أموال فيه ربما يكون سبباً من أسباب بوادر الحراك السلبي ضدهم. تقول رئيس الوحدة الأمنية في مركز الأهرام للدراسات للسياسية والستراتيجية الدكتورة إيمان رجب "إن انطباعها الشخصي يشير إلى ضلوع العامل الاقتصادي وراء هذه المحاولات، فالسوريون عكس العراقيين، استثمروا بشكل واضح وصريح ومباشر في الاقتصاد المصري منذ وصولهم، ومنهم من نافس رجال أعمال مصريين في مجالتهم، ومنهم من دخلوا مجالات ظلت حكراً على أشخاص بعينها، ومنهم من اشترى مصانع كانت مغلقة في مدينة العاشر من رمضان. ربما ضايق وأزعج هذا الحراك البعض فقرر الدق على أوتار انتماءات سياسية أو مصادر خطر قد يتسبب فيها بعض الانتماءات السياسية للسوريين في مصر".

السوريون في مصر، رغم نشاطهم التجاري والمهني الواضح للجميع، فإن أغلبهم بالغ الحرص على عدم المجاهرة بانتماءات أو الحديث عن توجهات. يتوسعون في مطاعم المأكولات السورية التي يقبل عليها المصريون بشدة، ينخرطون في مجالات الأعمال الحرفية من تصنيع وصيانة أبواب ونوافذ وتكييفات وسباكة وكهرباء، يتبادلون التهاني والأماني مع المصريين من جيرانهم وعملائهم، لكن دون الخروج عن قواعد العمل أو الانخراط في أحاديث قد تسبب لهم المشكلات أو تعرضهم للتصنيف، لا سيما مع تصاعد مشاعر البعض من المصريين ضد جماعة الإخوان وداعميها.

يقول زهري "إن مواجهة بوادر أي احتقانات ضرورية، لأن السوريين المقيمين في مصر أثبتوا بالحجة والعمل والخبرة والبرهان إنهم يسعون وراء لقمة العيش". يتابع: "وحتى لو كان البعض تعاطف من قبل مع فصيل سياسي هنا أو هناك، فإن هذا ليس مبرراً لمعاقبته طالما لم يتورط في أعمال تضر بمصر أو أنشطة تتسبب في ضرر المصريين. وبعيداً عن قوانين الهجرة واللجوء والعودة، هناك المقاربة الإنسانية إذ يجب أن يسهم الإعلام في التوعية بها".

وإذا كانت محاولات البعض التشكيك في انتماءات سوريين مقيمين في مصر أو التعجيل بعودتهم ظناً أن هذا سيفسح المجال الاقتصادي لهم، فإن آخرين كثيرين يكثفون جهدهم وفكرهم أيضاً ولكن للتأكيد على أن مصر تتسع للسوريين، وأن المصريين يرحبون دائما بالسوريين وأن هاشتاغ المرحلة هو "السوريين منورين مصر".

المزيد من سياسة