Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل انهزم بوتين حقا في حرب المعلومات؟

يعيش ثلثا سكان العالم في بلدان تتخذ موقفاً محايداً بشأن الحرب في أوكرانيا أو تدعم روسيا

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين استطاع السيطرة على الفضاء الإلكتروني لمناطق واسعة من العالم (أ ف ب)

منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا قبل أربعة أشهر، تصدرت القصص البطولية والمقاومة العسكرية الشرسة لجنود الجيش الأوكراني في مواجهة الهجوم الروسي بوسائل الإعلام الغربية، جنباً إلى جنب مع القصص الإنسانية للمدنيين الفارين من منازلهم ومدنهم، وهو ما كان له "تأثير الرصاصة" على الرأي العام الغربي، الذي أبدى تعاطفاً غير مسبوق مع الشعب الأوكراني.

المشهد الغربي دفع عديداً من المراقبين الدوليين للحديث عن انتصار أوكرانيا في حرب المعلومات في مواجهة الكرملين الذي وجد نفسه مجرداً من سلاحه الأكثر فاعلية، في ظل حظر الحكومات الغربية لاثنين من أهم الأذرع الإعلامية الروسية، وهما قناتي "روسيا اليوم" و"سبوتنيك".

ثلثا العالم

لكن هل حقاً خسر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حرب المعلومات أمام أوكرانيا والدول الغربية؟ الإجابة عن هذا السؤال تعتمد على المنطقة أو أين تحديداً خسرها أو فاز بها. فوفقاً لوحدة المعلومات الاقتصادية، في لندن، يعيش ثلثا سكان العالم في بلدان تتخذ موقفاً محايداً بشأن الحرب أو تدعم روسيا. فبينما صوتت 141 دولة في الأمم المتحدة لإدانة العدوان الروسي في أوكرانيا، فإن ليس ثمة دولة واحدة من آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط فرضت عقوبات ضد روسيا. ويعتقد المراقبون الغربيون أن روسيا سيطرت منذ سنوات على الفضاء الإلكتروني في تلك المناطق، ما مكنها من نشر سرديتها الخاصة، فيقول الكاتب الأميركي ريتشارد ستيل، مؤلف كتاب "حروب المعلومات: كيف نخسر المعركة العالمية ضد التضليل"، إن جزءاً من السبب في ذلك هو أن ثلثا العالم لا يرى الحرب التي يراها الغرب.

وتقول إليني جانازيد، من "معهد الشرق الأوسط"، في واشنطن، إن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، طالما كانت هدفاً لعمليات المعلومات الروسية، فمنذ عام 2007 بدأ الكرملين التواصل مع الجماهير الناطقة بالعربية من خلال إطلاق قناة روسيا اليوم، وقد كان الربيع العربي والتدخل الروسي في سوريا عام 2015 حدثين رئيسين في تعزيز وسائل الإعلام الروسية وسرديات الكرملين في المنطقة.

وتضيف أنه مع استمرار تنامي دور وسائل التواصل الاجتماعي في المنطقة، يدعو الفضاء الإلكتروني في الشرق الأوسط الكرملين إلى توسيع نطاق انتشاره المعلوماتي. فالاعتماد المفرط على منصات التواصل الاجتماعي لاستقاء الأخبار في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يمكن موسكو من الوصول إلى الملايين. فعلى سبيل المثال، تنتج قناتا "روسيا اليوم" و"سبوتنيك بالعربي" محتوى على "تويتر" أكثر كثيراً من "بي بي سي عربي"، فبينما كانت القناتان الروسيتان تنشران ما معدله 180 و87 تغريدة يومياً منذ إنشائهما، تحتفظ "بي بي سي عربي" بمجرد 32 تغريدة. وبشكل عام، واصلت القناتان التأكيد أن الولايات المتحدة وأوروبا مسؤولتان عن عدم الاستقرار في الشرق الأوسط، بينما يرسخان صورة موسكو كقوة استقرار، وبالنظر إلى الاستياء الذي يشعر به كثيرون في المنطقة بشأن سياسات الغرب في الشرق الأوسط، فإن هذه الرواية تحظى بصدى واسع.

"تليغرام" ساحة حرب متوارية

حققت استراتيجية الاتصال والمعلومات التي اتبعها الأوكرانيون ورئيسهم فولودومير زيلينسكي، منذ اشتعال الحرب في 24 فبراير (شباط) الماضي، نجاحاً واسعاً في جذب سيل من التعاطف والدعم الغربي، وهي استراتيجية عززتها واشنطن والعواصم الأوروبية على مدى السنوات الثماني الماضية منذ ضم روسيا لشبه جزيرة القرم في عام 2014، ذلك فضلاً عما وصفته وسائل إعلام أميركية بجيش تكنولوجيا المعلومات المتطوع برعاية الدولة والذي ينفذ هجمات إلكترونية على أهداف روسية.

وأصبحت منصة "تليغرام" المشفرة أهم ساحات حرب المعلومات في أوكرانيا، إذ تمثل ساحة للصراع المعلوماتي بين كل من الأوكرانيين والروس. ويمتلك زيلينسكي قناة على "تليغرام" يتحدث من خلالها مباشرة إلى الشعب الروسي باللغة الروسية، في المقابل أنشأت روسيا عشرات القنوات على المنصة نفسها، فضلاً عن قناتي "روسيا اليوم" و"سبوتنيك" التي استطاعتا الالتفاف على الحظر الغربي عبر البث على "تليغرام"، بدلاً من "تويتر" و"فيسبوك".

ويرى ستيل، في مقال بمجلة "تايم" الأميركية، أن تخلي المنصات الاجتماعية، "فيسبوك" و"تويتر" و'يوتيوب"، عن الحياد والانحياز للجانب الأوكراني من خلال حظر الرسائل الروسية ووسائل الإعلام الروسية الرسمية، هو أحد أسباب تواري حرب المعلومات، ومن ثم عدم الانتباه للتقدم الروسي على صعيد هذه الحرب في مناطق أخرى بعيداً من الغرب. ويضيف أن بوتين يتمتع بجماهيرية متعددة بعيدة من الغرب، فضلاً عن أن جمهوره الأهم هو المحلي، ووفقاً لمركز "ميبورو" للأبحاث، يحصل 85 في المئة من الروس على غالبية معلوماتهم من وسائل الإعلام الحكومية الروسية، فيما يشير مركز ليفادا في روسيا، أحد منظمي استطلاعات الرأي المستقلين، إلى أن أكثر من نصف الروس يرون أن الناتو والولايات المتحدة هما سبب الصراع في أوكرانيا، بينما 7 في المئة فقط يلومون الكرملين.

مكافحة السرد الغربي

رسخت موسكو استراتيجية قائمة على مكافحة الروايات الغربية حول أوكرانيا من خلال إنشاء مجموعة من برامج التحقق والمنظمات لتقويض أي أخبار تتعارض مع سردها الخاص بشكل استباقي. وأنشأت "القناة الأولى" في روسيا، أكبر قناة رسمية في البلاد، برنامجاً بعنوان "مكافحة التزييف" -AntiFake يدحض ما يقولون إنها قصص كاذبة عن الحرب في أوكرانيا. وتوظف أدوات تدقيق الحقائق – الإحصائيات وتحليل الطب الشرعي والفيديو بالأبيض والأسود لإثبات أن الادعاءات حول العنف الروسي مختلقة. وتنشر وزارة الخارجية الروسية منشورات منتظمة بعنوان Your Daily #Fake تتضمن مقاطع فيديو قصيرة تدحض المزاعم الغربية حول العملية العسكرية الروسية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ووفقاً لمراقبين غربيين، فإنه في ما يتعلق بالجمهور العالمي، فإن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ارتكبوا خطأ تكتيكياً في تصوير الحرب على أنها "الغرب ضد روسيا"، أو حتى على أنها ديمقراطية مقابل أوتوقراطية. ففي حين تلقى هذه الفكرة صدى وفعالية في أوروبا وأميركا، لكنها ليست كذلك في الدول النامية غير المنحازة. فبالنسبة لأفريقيا ومعظم آسيا والشرق الأوسط، فإن الغرب هم المستعمرون الذين لم يسمحوا بالديمقراطية في الأراضي التي حكموها، لذا يوصون بأن أفضل طريقة لتعبئة هذه البلدان ضد روسيا هي تصوير الحرب على أنها انتهاك أساسي وغير قانوني للسيادة الأوكرانية.

ويحذر مراقبون من خداع النفس بالمبالغة في تقدير خبرة أوكرانيا في ميدان معركة المعلومات، والتقليل من مدى التأثير الروسي، عندما تكون هناك حرب حقيقية تدور رحاها، وتتمثل في قصف المنازل والمدارس بشكل عشوائي. ويقول ستيل "يمكنك الفوز في حرب المعلومات وخسارة الحرب الحقيقية... انتصر المناضلون من أجل الحرية الجمهورية في حرب المعلومات خلال الحرب الأهلية الإسبانية في الثلاثينيات، لكن فرانكو (فرانسيسكو فرانكو حاكم إسبانيا) انتصر في الحرب الحقيقية".

المزيد من تقارير