Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

النخبة السياسية المغربية تتشاتم بأقذع الأوصاف فهل تلطخت بـ"وحل الإسفاف"؟

70 في المئة من الشباب لا يثقون في جدوى العمل السياسي وسلوك الحزبيين يفاقم ظاهرة العزوف

رشيد الطالبي العلمي يحتفل وسط أنصاره بعد انتخابه رئيسا جديدا لمجلس النواب المغربي في 11 أبريل 2014 (أ ف ب)

"ذئب عجوز" و"حمار صغير" و"بوعو"، أوصاف حيوانات ونعوت قدحية وشتائم متبادلة، طفت في الآونة الأخيرة على الخطاب السياسي لزعماء وقياديي أحزاب في المغرب، كرستها سجالات ومشاحنات ساخنة بين أحزاب مشاركة في الحكومة وأخرى معارضة أيضاً.

ويرى مراقبون ومحللون أنه من شأن مثل تلك الأوصاف المتبادلة علناً بين قيادات ومسؤولين حزبيين وسياسيين، أن تؤثر سلباً في المشهد السياسي في البلاد، وأن تفاقم ظاهرة العزوف السياسي لدى الشباب المغربي.

وسجلت المندوبية السامية للتخطيط (مؤسسة رسمية تعنى بالإحصاءات الاجتماعية والاقتصادية) أن 70 في المئة من الشباب المغربي "لا يثقون في جدوى العمل السياسي"، وخمسة في المئة فقط يؤمنون بالعمل الحزبي، وواحد في المئة فقط يزاولون الفعل السياسي من داخل الهيئات السياسية، في الوقت الذي يشكل فيه الشباب أكثر من 40 في المئة من الكتلة الناخبة.

تراشقات ساخنة

وانطلقت موجة التراشق بالنعوت القدحية وأوصاف الحيوانات أثناء المشاحنة اللفظية الساخنة بين رشيد الطالبي العلمي، القيادي البارز في حزب التجمع الوطني للأحرار (الذي يقود الحكومة المغربية)، وهو يشغل حالياً منصب رئيس مجلس النواب، وعبد الإله بنكيران، الأمين العام الحالي لحزب العدالة والتنمية "الإسلامي" المعارض، رئيس الحكومة الأسبق.

وشن بنكيران انتقادات لاذعة ضد حزب "الأحرار"، ليرد عليه قبل أيام قليلة رشيد الطالبي العالمي في لقاء حزبي عمومي بوصفه بـ"الحلايقي"، أي الذي يمارس "الحلقة" (الحكواتي الذي يتجمع حوله الناس ليسرد عليهم قصصاً خرافية مقابل بعض المال).

واتهم الطالبي العلمي غريمه بنكيران بأنه يتعمد سب الأشخاص ويحث على الفوضى بدلاً من طرح البدائل الاقتصادية لتطوير المجتمع المغربي، قبل أن يصفه بـ"الذئب العجوز" الذي لا يسمعه أحد، في إشارة إلى "التقاعد السياسي" الذي مكث فيه بنكيران طويلاً قبل أن يعود إلى المشهد السياسي أخيراً.

ولم يصبر بنكيران كثيراً على ما تفوه به العلمي ليرد في لقاء لأنصار حزب "العدالة والتنمية"، واصفاً إياه بأنه "حمير" (تصغير حمار)، قبل أن يعتذر للحمار بقوله "مع كامل الاحترام للحمار"، وزاد بأنه "لن يسحب حماره حتى يسحب العلمي ذئبه" وفق تعبيره.

وانتقل بنكيران إلى وصف إدريس لشكر، زعيم حزب الاتحاد الاشتراكي، الذي يوجد في صف المعارضة، بأنه "غدار" و"بوعو" (وتعني بعبع وهو مخلوق أسطوري كان يخيف الكبار به الصغار)، وذلك في سياق حديث بنكيران عن تخلي لشكر عنه عقب الانتخابات التشريعية لعام 2016.

عالم الحيوان

ويعلق الدكتور عبد الرحيم العلام، أستاذ القانون الدستوري والفكر السياسي بجامعة القاضي عياض بمراكش، على الموضوع بقوله إن "مسألة التراشق بالأوصاف المستعارة من عالم الحيوان، ليست غريبة عن الحياة السياسية، سواء في المغرب أو خارجه، وسواء في الحاضر أو في الماضي، فبما أن السياسة هي امتداد للحرب بطريقة سلمية أو هي حرب باردة في مقابل أن الحرب سياسة ساخنة، فإن السياسيين يتوسلون بكل ما قد يحقق لهم استفزاز خصومهم، وتسفيه صورتهم أمام الرأي العام الذي يعد ساحة حرب".

ويستطرد العلام، في حديث مع "اندبندنت عربية"، بأن هذا الأمر ينطبق على الأوساط الديمقراطية في الغرب كما على بقية الدول السائرة نحو الديمقراطية، مورداً أن قصة الحمار الذي يتخذه الحزب الديمقراطي الأميركي شعاراً بدأت سنة 1828 عندما اختاره "أندرو جاكسون" شعاراً له، ضد من كانوا يصفونه بـ"الشعبوي"، بسبب شعاره "لنترك الشعب يحكم"، حيث عمد إلى أن يجعل الحمار رمزاً لحملته الانتخابية بعد أن كان خصومه يصفونه بالحمار.

أما في المغرب، يضيف العلام، فإن استعمال الأوصاف القدحية لم يقتصر على الوقت الحاضر، وإنما كان الأمر هو ديدن الصراع السياسي بين النظام والمعارضة خلال الفترة التي يسميها البعض سنوات "الجمر والرصاص"، حيث تبادل الخصمان المتصارعان أقذع النعوت السياسية.

وفي مغرب اليوم، يردف المحلل ذاته، يأتي تبادل النعوت القدحية في ظل عزوف سياسي كبير من قبل قطاع واسع من المغاربة، مبرزاً أن "ضعف جودة العرض السياسي يسهم في هذا العزوف، لكنه ليس الإسهام الحاسم، فهناك عوامل أخرى لها نصيب أكبر، مثل عدم الوفاء بالوعود وضعف التواصل السياسي وتحويل الخذلان إلى إحباط ثم إلى يأس، والانتصار إلى مصالح شخصية، وعدم الإحساس بهموم المواطن وغياب التجاوب مع نبض الشارع".

ولفت العلام إلى أن "الذي يحز في النفس بخصوص تشبيه ساسة مغاربة بعضهم بعضاً بالحيوانات، هو ذلك الإحساس بتفوق الجنس البشري على ما سواه، بل إن هذا الأمر قد يسيء إلى الحيوان أكثر من الإساءة إلى المشبه به، فالذئب تتخذه بعض شعوب القوقاز رمزاً للوفاء والإخلاص، والحمار رمز للصبر والتحمل والعطاء، بينما قد تنعدم هذه الصفات لدى بعض ممارسي السياسة الذين يعتقدون أنهم أفضل من الحيوانات".

فقدان للبوصلة السياسية

من جهته، يرى الدكتور محمد نشطاوي، محلل سياسي وأستاذ جامعي، أن "هذا النوع من الخطاب السياسي المتردي يأتي في خضم زحف الأزمات المتلاحقة التي تمس القوت اليومي للمغاربة، والتي يفاقمها الجفاف وارتفاع أسعار المحروقات وكل السلع بسبب تقلبات دولية أبرزها الحرب الروسية – الأوكرانية".

ويسترسل نشطاوي، في تصريحات لـ"اندبندنت عربية"، بأنه "في ظل ارتفاع سقف الانتظارات حول مدى نجاعة سياسات الحكومة الجديدة في مواجهة هذه التقلبات بعد مضي قرابة ثمانية أشهر على تشكيلها اليوم، تطل على المغاربة خطابات نخبة سياسية، المفترض فيها تغذية النقاش العمومي حول سبل الخروج من هذه الأزمات".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ووفق المحلل عينه، هذه الخطابات لم تعد مستساغة ولا جذابة، ليس لأن هذه النخبة تستعمل خطاباً سياسياً تغذيه التجاذبات السياسية، بل لكونها تلجأ إلى خطاب أوصل النقاش العمومي إلى مستوى من الانحدار لم يسبق للمغاربة أن عايشوه، وبشكل لا يتناسب مع هذه اللحظة الفارقة في حياة المجتمع المغربي.

ويرى نشطاوي أن "النخبة السياسية في المغرب باتت عاجزة عن نيل ثقة الشعب الذي يزداد نفوره من السياسة يوماً بعد آخر في ظل العزوف الانتخابي القياسي"، مشيراً إلى أن "ملامح الخطاب السياسي في المغرب، خصوصاً لدى بنكيران وأمثاله تتمثل في النهل من المعجم الحيواني، بدءاً بالتماسيح، مروراً بالعفاريت وانتهاء بالحمير".

وزاد المتحدث بأن تبادل الشتائم بمثل هذه الدرجة من الإسفاف، يبين إلى أي حد انحدر خطاب النخبة السياسية، التي فقدت بوصلة العمل السياسي، وأخلاقيات النقاش العمومي، فأصبحت تناقش صفات الأشخاص وتتبادل السب والقذف بطرق فجة، بدلاً من مناقشة الأفكار والمشاريع وآليات إدارة الأزمات التي يكتوي بها المواطن المغربي، والعمل على بلورة مقترحات عملية وبرامج تساعد الحكومة على مواجهة الأزمة التي تطاول الطبقات الاجتماعية الفقيرة والمتوسطة، وحماية القدرة الشرائية للمواطن.

المزيد من العالم العربي