Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"حكاية خادمة": إنجاز جماعي رائع لكن لن أشاهده مرة أخرى

آنيليز ميسكيمون من "الأوبرا الوطنية الإنجليزية" تعيد إخراج النسخة الأصلية لأوبرا بول روديرس، فتسلط الضوء، على نحو مزعج، على أوجه لحاق عالم الواقع بركب رواية مارغريت آتوود المريرة

"حكاية خادمة" على مسرح كولوسيوم اللندني (كاثرين آشمور)

ما حققته رواية جورج أورويل "1984" لم تحققه أي رواية من قبل: فقد تنبأ الكاتب البريطاني بشكل العالم السياسي المقبل. صحيح أن تحقق تنبؤاته تلك تأخر قليلاً ربما، بيد أن "الأخ الأكبر" (لقب بوتين في روسيا) أنجز رسم ملامح الدول البوليسية التي نراها اليوم في الصين وفي أماكن أخرى متزايدة من العالم الغربي، إذ إن روسيا باتت تجسد الدولة التي تحدث عنها أورويل، حيث يمكن، بسرعة قياسية، تحويل أكثرية الناس إلى أكثرية صامتة ومتحفظة في إظهار ولاءاتها السياسية.

اليوم تلتحق رواية "حكاية خادمة" [حكاية الجارية] The Handmaid’s Tale برواية "1984"، إذ تقدم بدورها تنبؤات مقنعة ومثيرة للقلق. ورواية مارغريت آتوود الكلاسيكية هذه كانت نشرت قبل 37 سنة، لكنها تمكنت من النفاذ لجذور الغرب الثقافية بفضل عوامل ووسائط عديدة، منها السينما والأفلام، والعروض المسرحية العالمية، وصيغة المسلسل التلفزيوني المديد المستند إليها، إضافة إلى النسخة الأوبرالية الجديدة التي صنعها المؤلف الدنماركي بول روديرس. وفي الأثناء حتى الزي الموحد المحتشم [ثوب فضفاض مع ستر الشعر] للضحايا (وفق الرواية)، جرت ترجمته واقعياً، إذ بات الناس يقيمون ما يسمى "حفلات الخادمة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

على أن المديرة الفنية لـ"الأوبرا الوطنية الإنجليزية"، آنيليز ميسكيمون، التي قامت اليوم بإعادة إخراج النسخة الأصلية التي سبق وأدتها الأوبرا الإنجليزية من عمل روديرس، تمكنت من تحديد الطرق المؤثرة التي تُرصد عبرها الحياة الواقعية في رواية آتوود المريرة. عن ذلك تقول ميسكيمون إن آتوود لم تخترع وقائع العنف الجنسي في روايتها اختراعاً: بل قامت بمراجعة ودرس قرون من قمع النساء على يد السلطات الثيوقراطية الأبوية، حين استخدم الدين كسلاح للتحكم بالمجتمع.

صحيح أن التحول المناخي وجرائم اغتيال المشرعين القانونيين المنتخبين ديمقراطياً هي ما يحفز الإيقاع الدرامي في هذا العمل، بيد أن إنتاج ميسكيمون اختار التركيز على التنبؤ الأساسي الذي أوردته آتوود، إذ توقعت أن يجري في المستقبل، وعلى نحو منهجي، حرمان نصف الجنس البشري من حقوقه الإنسانية. الأمر لا يتطلب منا جهداً كبيراً كي نرصد أمثلة راهنة من هذا العنف – هناك إطاحة "طالبان" بحقوق النساء في أفغانستان، وقوانين تجريم الإجهاض في جنوب الولايات المتحدة. فإن نزعة [المخرجة] ميسكيمون النسوية شحذتها وزادت حدتها تجربة حياتها في ظل سياسات شبه ثيوقراطية بـإيرلندا الشمالية.

قد تكون الفكرة الأبرز عند آتوود متعلقة في الأصل بنزعة مستقبلية (نزعة استشراف المستقبل)، إلا أن روديرس، وكاتب نصه الأوبرالي بول بينتلي، يقدمان العمل بصيغة مشهد عملاق من شريط ذكريات، وهو مشهد يستحضر ما فعلته آتوود في خاتمة الكتاب، وذلك ضمن إطار مؤتمر أكاديمي حول سجن ولاية جلعاد ونزعة كراهية النساء السائدة فيه. وتشهد أوفريد، الشخصية الأساسية في الرواية، انتزاع زوجها وابنتها منها، وتقاد إلى السجن. فيأتي ما يحصل معها إذاك كي يجسد الأهوال والفساد في تلك الولاية، حيث لا وظيفة للنساء سوى الإنجاب.

 

في بداية العمل نكون أمام مجموعة خادمات وهن يتلقين من "العمة"، على الطريقة النازية، التدريب والإهانة، فنشاهدهن يغنين على طريقة الزومبي في مديح أوضاعهن (المزرية). هل يستحضر المشهد المذكور أطياف الإيغور في معسكرات "إعادة التأهيل" (الصينية)؟ أجل بالتأكيد، لكن مع تقدم العرض تصبح بعض المشاهد محملة بأصداء ما نعاينه في كل مساء جراء الأخبار من أوكرانيا، إذ إن الفكرة التي يستند إليها العمل قد تلمح إلى ما يدور في عقل بوتين المضطرب والمختل. وهنا يمكن القول إن الحبكة عموماً تأتي مشحونة بالأحداث، بيد أن مشاهد محددة تبقى أبرز من غيرها – مثل واقعتي شنق، وجريمة جماعية، وبعض طقوس الاغتصاب الفظيعة. كما أن جلعاد، وفق ميسكيمون، لا تمثل سوى طقوس فنية [تحمل بصمة أساليبها] يظهر عبرها الكثير من مهارتها المسرحية، وهي تجعلنا نصدق هذا العالم البديل [الموازي] المخيف، من خلال الجهود البائسة التي تبذلها أوفريد ورفيقاتها الضحايا من أجل الفرار. والفضل هنا يعود إلى تصاميم آنا ماري وودز، وإخراج إيموجن نايت للحركة على المسرح، وتصاميم بولي كونستيل للإضاءة، وتلك جهود وسمت العمل بالأناقة والرقي.

لكن هذا لا يرسي عمقاً سياسياً. إنه عمل أوبرالي، ويحكم عليه من هذا المنطلق. كما أنه أقل من انتصار كامل. وتتراوح البنية الأوبرالية بين كلام عن جلعاد، وبين المذهب الطبيعي في المقاربة، لكن ذلك يتخلله بُعد ساخر ونكات عادية – ومن الواضح أن بينتلي لم يعرف متى ينبغي منه التوقف عن حشو المضمون، إذ إن معظم الشخصيات جاء منمطاً.

من ناحية أخرى فإن الموسيقى التي قادتها جوانا كارنيرو، أشارت إلى تأثر روديرس بـشونبيرغ Schoenberg وبموسيقى الأفلام التي ألفها برنارد هيرمان، إذ المؤثرات التي تضمنت مزيجاً من الآلات النحاسية والإيقاعية، جاءت، في أغلب الوقت، مشحونة ورشيقة ومقنعة بلازماتها، خصوصاً اللازمة التي تصاحب العمل كله "آميزينغ غرايس" Amazing grace، بيد أن المشكلة في جوهر العمل تكمن في التأرجح اللانهائي بين النبرتين الغنائية واللامقامية القاسية، وتلك مشكلة واظبت على ضرب العصب [تقويض وزرع الاضطراب فيه] العام للعمل من دون سبب واضح.

وإزاء العمل الجيد الذي يؤديه الكورس، يقدم الممثلون أداءً جريئاً بدورهم، خصوصاً سوزان بيكلاي في دور والدة أوفريد، وإيما بيل في دور "العمة"، وبوميزا ماتشيكيزا في دور خادمة ثائرة، وروبرت هيوارد في دور الآمر والمفترس الجنسي. كما تأتي شخصية أوفريد، بأداء كايت ليندساي، حاذقة في حضورها الحيوي، فتشد أواصر العرض بنبرتها الصافية وحضورها الآسر.

يمكن القول عموماً إن العمل يشكل إنجازاً جماعياً، فيقدم فرقة "الأوبرا الوطنية الإنجليزية" بأبهى مستوياتها، ما استدعى هتافات الاستحسان حول الخشبة في ليلة الجمهور الأولى، لكن من الصادم من ناحية التكاليف والجهود المبذولة، أن يكون هناك فقط أربعة عروض موعودة قادمة.

ولكن في نواة هذا العمل ذكاء لامع ومحسوب، أساسه الهستيريا من دون شك: لن أختار أبداً الذهاب لمشاهدة العرض مرة ثانية. هل يمكن لـ"أي" مؤلف أن يخلق صيغة من هذه الحكاية المشحونة قادرة على جذب الجمهور بقوتها الأوبرالية فقط؟ هذه نقطة خلافية. هل يمكن لعمل أوبرالي واقعي مقنع أن يستند إلى قصة "داعش" (مثلاً)؟ أم أن ذلك ببساطة سيكون منفراً جداً بالنسبة لبعض الناس؟ الموضوع قابل للنقاش.

عُرضت "حكاية خادمة" The Handmaid’s Tale على مسرح كوليسيوم لندن 

© The Independent

المزيد من مسرح