Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا يغيب الحديث عن التضخم في الساحة السياسية؟

يكره الناخبون التضخم فهم خائفون وغاضبون وسيتحمل السياسيون اللوم

سجلت الأغذية والوقود أعلى الزيادات في الأسعار في بريطانيا وأضرت بالأسر الفقيرة (بنك أوف إنغلند.كو.يوكاي)

العوامل الاقتصادية المتعلقة بالتضخم مشوشة [ملتبسة]، لكن العمل السياسي المحيط به أصبح واضحاً إلى حد كبير. لا يزال خبراء الاقتصاد ومحافظو المصارف المركزية يناقشون إلى أي مدى قد يرتفع معدل التضخم وأفضل السبل لمعالجة هذا الارتفاع. وبدأت بعض المصارف المركزية، بما في ذلك بنك إنجلترا ومجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، بزيادة معدلات الفائدة، في حين لم تفعل مصارف مركزية أخرى، وأبرزها البنك المركزي الأوروبي.

لكن تغيب هذه النقاشات عن الساحة السياسية، إذ يكره الناخبون التضخم، فهم خائفون وغاضبون، وسيلقون اللوم على السياسيين (لفشلهم في التصدي له). يبدو أن الدعم (في الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقبلة) الذي تحظى به ماري لوبان تعزز في عطلة نهاية هذا الأسبوع بفضل هجماتها على ارتفاع تكاليف المعيشة في فرنسا، في حين يبدو إيمانويل ماكرون بعيداً عن مخاوف الناس العاديين [عامة الناس].

أما في الولايات المتحدة، فيتعرض الديمقراطيون إلى ضغوط شديدة، مع تراجع نسبة التأييد الشعبي للرئيس الحالي جو بايدن في استطلاعات الرأي. وهنا في المملكة المتحدة، يسود شعور بأن الأثرياء لا يتضررون بفعل التضخم كالأشخاص العاديين، ما يُعزز الضغط المفروض على ريشي سوناك (مستشار الخزانة البريطانية) وموجة الاستياء من الترتيبات الضريبية التي تتمتع بها عائلته.

مشاعر الكراهية هذه إزاء التضخم جديدة. فعندما كانت الأسعار ترتفع بنسبة اثنين أو ثلاثة في المئة سنوياً، كان ذلك موضع ترحيب. لكن مع مرور الوقت، يستطيع التضخم حتى وإن كان بهذه النسب (غير المرتفعة) أن يقضم تدريجياً مدخرات الناس ويحول الثروة من المستأجرين إلى مالكي المنازل ومن الفقراء نسبياً إلى الأثرياء نسبياً.

منذ عام 2000، بلغ متوسط معدل التضخم في المملكة المتحدة 2.8 في المئة سنوياً فقط. لكن وفقاً للحسابات التي يعتمدها بنك إنجلترا لمعدل التضخم، أصبح شراء بضائع وخدمات كانت قيمتها 100 جنيه إسترليني (130 دولاراً) عام 2000 يكلف 179.10 جنيه العام الماضي. وبحلول نهاية هذا العام، ستصل التكلفة إلى حوالى 200 جنيه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن الجميع كانوا يتمتعون بالوهم النقدي [الأوراق النقدية والسيولة] – حيث كانوا يتصورون أنهم يزدادون ثراءً مع ارتفاع قيمة ثرواتهم الاسمية (بما في ذلك أسعار البيوت)، على الرغم من أن الواقع على الأرض لم يكن كذلك من حيث القيمة الحقيقية، أو على الأقل ليس على القدر الذي حسبوه. وشكل التصدي للبطالة أولوية أكثر أهمية على صعيد العمل السياسي وبدا المقترضون، لا سيما أولئك الذين يقدمون الرهون العقارية مقابل قروضهم، وكأنهم يجتذبون قدراً أكبر من التعاطف مقارنة بالمدخرين.

ومن الناحية الاجتماعية، أدى تأثير معدل التضخم المتزايد تدريجياً على مدى فترة طويلة إلى تآكل شديد، لأنه ساعد المدخرين المحنكين الذين اقترضوا وجمعوا الأصول، وأضر بأولئك الذين أبقوا أموالهم في حساب مصرفي. لكن هذا الأمر بدا أنه غير مهم في المجال السياسي.

أما اليوم، فالوضع تغيرـ بدأ معدل التضخم في أسعار البيوت يخسر شعبيته حتى قبل الارتفاع الذي شهده (هذا المعدل) هذا العام. وأصبح الشباب غير قادرين على ادخار القدر الكافي لشراء منزلهم الأول، ما دفع حكومة المملكة المتحدة إلى إنشاء سلسلة من البرامج لمحاولة دعم تملك المساكن. لكن على الرغم من أن التراجع في معدلات تملك المساكن شكل مسألة سياسية منذ عدة سنوات وعلى الرغم من أن الجهود التي تبذلها الحكومة لعكس هذا التراجع لقيت انتقادات من العديد من الجهات، بما في ذلك معهد الدراسات المالية العامة، وهو مؤسسة مستقلة، بقيت (الأهمية التي تعطى في المجال السياسي) لمسألة معدل التضخم الراهن منخفضة. وعليه، لم يكن الضغط كبيراً في مواجهة الرأي الواسع الانتشار بأن معدلات الفائدة البالغة الانخفاض كانت ضرورية لدفع عجلة الاقتصاد– حتى ولو أسهمت في ارتفاع أسعار البيوت.

ما الفرق إذاً؟ الأمر الوحيد الواضح هو أن معدل التضخم تخطى اثنين أو ثلاثة في المئة. فأرقام معدل التضخم في مارس (آذار) ستخلف أثراً صادماً بالغاً. ستردنا معدلات (التضخم) في المملكة المتحدة والولايات المتحدة هذا الأسبوع. ويتوقع بنك إنجلترا رقماً قياسياً حوالى "ثمانية في المئة". وفي حين تبلغ تقديرات السوق لمعدل التضخم 8.5 في المئة في الولايات المتحدة، يعتقد المكتب الإحصائي الاتحادي أن المعدل سيسجل 7.2 في المئة في ألمانيا.

لكنني لا أعتقد أن التحول في المزاج هو ببساطة نتيجة لهذه الأرقام المزعجة. ففي الخريف الماضي، عندما كان جيروم باول [PEK1] يسعى إلى الحصول على ولاية جديدة كرئيس لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، علمتُ أن الإدارة أخبرته بأنه إذا أراد البقاء في المجلس، فيتعين عليه هو وزملاؤه أن يعالجوا مسألة التضخم. وإذا كان هذا صحيحاً، فإن هذا التحول الكبير في المزاج السياسي، على الأقل في الولايات المتحدة، قد حدث قبل الارتفاع الحالي في الأرقام (أي معدلات التضخم).

وعلاوة على ذلك، هناك على الأرجح عاملان رئيسان، يسري كل منهما على المملكة المتحدة أيضاً. الأول أن التضخم يؤذي أشد الناس فقراً، إذ سجلت الأغذية والوقود أعلى الزيادات في الأسعار وهي منتجات تخصص العائلات الفقيرة لكل منها جزءاً كبيراً من ميزانياتها الأسرية مقارنة بالعائلات الأكثر ثراء. وكانت "مؤسسة القرار Resolution Foundation" سلطت الضوء على هذا (الفرق) في المملكة المتحدة.

والثاني أن المخاوف بشأن البطالة تضاءلت بشكل كبير في كل من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة. فقد انخفض معدل البطالة في الولايات المتحدة إلى 3.6 في المئة، وسجل في المملكة المتحدة 3.9 في المئة، وهما المستويان الأدنى منذ 25 سنة.

والآن تواجه الحكومات ضغوطاً للتفكير في الأعداد الهائلة من الناس العاملين والحرص على ألا تتقلص أجورهم بهذا الشكل الهمجي بفعل معدلات التضخم، بدلاً من التركيز على الأعداد الأصغر كثيراً من الناس الذين لا يتولون وظائف. يبدو وصف هذا الأمر بهذه العبارات قاسياً، فمداخيل العاطلين عن العمل  أيضاً تنخفض (نتيجة التضخم). لكن هذه المسألة تندرج في إطار الحسابات السياسية في الوقت الحالي.

في نهاية المطاف ستنخفض معدلات التضخم. لكن هل من الممكن خفضها من دون حصول ركود اقتصادي وارتفاع في معدلات للبطالة؟ أخشى أن يكون هذا هو التحدي التالي.

© The Independent