Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بكين/ واشنطن: تشكل نظام دولي جديد

التعددية القطبية في رؤية السعودية ٢٠٣٠ لا تقوم على أساس المواجهة مع أميركا أو غيرها بل التعاون مع دول العالم لبناء قاعدة المصالح والأمن المشترك

الرئيس الصيني شي جينبينغ والرئيس الأميركي جو بايدن (أ ف ب)

تكاد لا تخلو دورية بحثية أو صحيفة أو موقع من مواقع التواصل الاجتماعي في أميركا، هذه الأيام، من قضيتين، تتصل الأولى بحرب روسيا في أوكرانيا، والثانية تتناول تهديدات الصين للقيادة الأميركية للنظام العالمي الذي تشكل منذ ما بعد نهاية الحرب الباردة.

ولأهمية النقاشات التي تدور حول الصين في فلك من الثراء الأكاديمي والتعددي، أفسح مساحة هذا الأسبوع لبعض التوجهات المؤثرة في النقاشات الجارية في واشنطن، وأثرها في منطقتنا.

كالعادة، تدور النقاشات في واشنطن ضمن أطر الرؤى اليمينية واليسارية، أو المحافظة والمعتدلة، فهناك من يرى مثل السيناتور الجمهوري مارك روبيو العضو الأبرز في لجنة الاستخبارات، أن الصين باتت بالفعل في حرب مع أميركا، وعلى الأخيرة أن تصحو من غفوتها؛ لأنها لم تتعاطَ بالجدية اللازمة مع خطر بكين، التي تستكمل نهوضها على حساب واشنطن.

وفي الواقع، فإن البيت الأبيض تحت الإدارة الديمقراطية التي طالما أكدت أنها تفضل الحوار على المواجهة، استمر في عمليات الضغط القصوى على الصين، التي مورست خلال إدارة ترمب، عبر تعزيز تحالفات أميركا في آسيا فيما اتفق على تسميته "إعادة التوازن في آسيا"، وإعادة تموضع عمليات حلف شمال الأطلسي لمواجهة الصين.

كما فرضت الإدارة المزيد من التعريفات الجمركية على المنتجات الصينية، مع تنشيط، الدبلوماسية الأميركية لمواجهة شبكة الجيل الخامس من تقنيات الاتصالات الصينية، ومنع بيع التقنيات الأميركية للشركات الصينية، وإعاقة الاستثمارات الصينية في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى فرض المزيد من العقوبات على مسؤولين صينيين، ومهاجمة سجل الصين في مجال حقوق الإنسان، وتحديداً ما يتصل بالأقلية المسلمة.

الجمهوريون يرون أن هذا ليس كافياً، ويعدون أنهم في حال الفوز في الانتخابات التكميلية في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، فإنهم سيطالبون بمزيد من العقوبات ضد الصين، فهم يرونها العدو، ويرون أن وضع الرئيس بايدن لروسيا في أعلى قائمة المواجهة يضعف وضع واشنطن ضد العدو الحقيقي وخطره الداهم.

وتتواصل النقاشات في واشنطن حول هل الأولوية في مواجهة روسيا أم الصين، وهل الصين خصم ينبغي محاربته أم مجرد منافس شرس؟! وفي استقصاء للرأي أجري في العام الماضي، أكد قرابة الـ50 في المئة من الأميركيين أن الصين هي العدو الأكبر للولايات المتحدة.

وفي واقع الحال، فإن الجمهوريين هم أكثر عدائية تجاه الصين من الديمقراطيين، لكن بعض مراكز الفكر ترى أن اختيار إدارة بايدن المواجهة مع روسيا على الرغم من المخاطر التي تحتويها، يشكل أهمية استراتيجية لاستعادة تحالفاتها الأوروبية التي بدأت تظهر عليها علامات تململ واضحة من ضعف القيادة الأميركية.

الأرقام تؤكد صعوبة المواجهة مع الصين، حيث تشير الإحصائيات إلى أن حجم تجارة البضائع والخدمات الأميركية مع الصين وصل إلى 600 مليار دولار في عام 2020. فالصين اليوم هي قوة تجارية وسكانية ومركز عالمي للابتكار، ولديها قوة عسكرية كبيرة، كما يتوقع المراقبون أن الناتج المحلي الصيني سيتفوق على الأميركي بحلول عام 2030، وهو ما سيجعلها أكبر اقتصاد في العالم.

نظام عالمي تصادمي أم تشاركي

لا يزال المدافعون عن تفرد دولة بعينها بقيادة النظام العالمي يرون أن في ذلك يكمن المنطق السوي في تاريخ العلاقات الدولية، من منطلق أنه خلال القرون القليلة الماضية برزت قوى عالمية مثل بريطانيا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وتلتها أميركا في القرن العشرين، وهم يعتقدون أن القرن القادم سيكون قرن التنين الصيني. وتنتشر في الدوريات البحثية الأميركية أخيراً عناوين مثل "انتظروا الصين في القرن الحادي والعشرين" و"متى ستحكم الصين العالم؟" و"هل يمكن إيقاف التقدم الصيني؟".

إلا أن الحديث في مراكز الفكر الدولي بدأ يبتعد عن هذه المنطلقات؛ نظراً إلى المتغيرات العميقة التي أحدثتها الثورة الصناعية الرابعة، ومستويات إدماج التطورات في الذكاء الاصطناعي، والروبوتات، وإنترنت الأشياء، والهندسة الوراثية، وحوسبة الكم في الحياة، وهذه القفزات التكنولوجية الهائلة جعلت إمكانية تفرد دولة بالسيادة المطلقة على النظام العالمي، أمراً مستبعداً، فيما تفسح المجال للتشاركية والتعاون في تطوير المعارف البشرية.

على أن متطلبات الثورة الصناعية لن تمثل بالضرورة انتقاصاً من وضع أميركا التي قادت وما زالت تقود التحولات الاقتصادية والعلمية العالمية، وكانت وما زالت الرائدة في تطبيقات الثورة الصناعية الرابعة لصالح البشرية. وهي تقود نظاماً دولياً تشكل منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وصيغ على أسس الديمقراطية الليبرالية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إلا أنه على الرغم من اتفاق الكثير من القوى الإقليمية الصاعدة في عالم اليوم مع الأسس النظرية للثورة الصناعية الرابعة، وباتت تتسابق لامتلاكها وتوطينها والبناء عليها، فإنها قد لا تتفق مع المبادئ الديمقراطية والأسس التي تحاول أميركا نشرها في العالم، وتعزز الصين فكرة "أولوية الدولة"، وليس المؤسسية الديمقراطية الليبرالية الغربية، وربما اتفقت مع مبادئ الحوكمة الرشيدة أكثر من قضايا حقوق الإنسان.

لقد استغلت الصين بحكمة المناخ الدولي الذي وفرته القيادة الأميركية للنظام العالمي خلال العقدين الأخيرين، والتزمت بقواعد اللعبة التي وضعتها واشنطن وحلفاؤها في الأطلسي، ومن هنا فإن بعض الاستراتيجيين يستبعدون سعي الصين حاليا للتحول إلى قوة عالمية منفردة خلال العقود القادمة. بل إنها تسعى جاهدة لترسيخ مكانتها من خلال إزاحة الهيمنة الأميركية على مناطق آسيا والمحيط الهادي.

وربما تتطلع الصين للتحول إلى قوة إقليمية بلا منازع في منطقة آسيا والمحيط الهادي، لكن الأمر لن يكون سهلاً في بيئة مجاورة ما زالت غير مطمئنة للتوجهات الصينية، نتيجة لموروث الصراعات التاريخية في المنطقة، ولهذا فإن الصين تواجه تحديات جدية في إقامة تعاون أمني إقليمي موازٍ للتعاون الاقتصادي بعيداً من التأثير الأميركي.

دروس مهمة للتعددية القطبية

يرى هنري كيسنجر أبو المقاربة التاريخية للانفتاح على الصين، وهي المقاربة التي شكلت قوة الدفع الضرورية للاقتصاد العالمي، التي نقلت الصين إلى مستويات هائلة من التطور غير المسبوق في التاريخ الإنساني، بأن هناك نظاماً عالمياً قيد التشكل، لا يخضع لسيطرة مطلقة، تشارك فيه القوى الكبرى والصاعدة والنامية على حد سواء.

 ومن هنا فإن الثورة الصناعية الرابعة لن تعيد بالضرورة إنتاج نظام القطبية الواحدة، بل ربما تشكل مجموعة من الأقطاب ذات الأبعاد الإقليمية وفوق الإقليمية، وقد ظهرت بعض مؤشرات هذه الظاهرة مثل مجموعة "البريكس" التي تضم روسيا والصين والبرازيل والهند وجنوب أفريقيا، والتي تنتشر عبر مساحات متباعدة في الجغرافيا، لكن تجمعها قواسم مشتركة ضد هيمنة القيادة الأميركية على العالم.

ومن جهة أخرى، فهناك رؤى لتشكل أقطاب إقليمية كبرى، لا تقوم بالضرورة، على أساس المواجهة مع أميركا أو غيرها، بل التعاون مع دول العالم المختلفة في بناء قاعدة المصالح والمنافع والأمن المشترك. وربما شكلت رؤية السعودية 2030، بأبعادها الإقليمية لتحويل العمق العربي والإسلامي للسعودية إلى قوة إقليمية استثمارية وتكنولوجية رائدة، وأرضية خصبة لتطبيقات الثورة الصناعية الرابعة في هذا القلب النابض الذي يشكل محور ربط لقارات آسيا وأفريقيا وأوروبا.

من هنا، فإن تصريحات صاحب الرؤية ولي عهد السعودية، تنظر إلى دول المنطقة بتكاملية لبناء تكتل إقليمي كبير، يشمل دول الخليج العربية والدول الواقعة في الضفة الأفريقية من البحر الأحمر ومناطق ما كان يعرف بالهلال الخصيب. وتعمل السعودية خلال المرحلة الحالية على توفير مقومات إعادة تنظيم الموارد الهائلة والطاقات البشرية عبر تحقيق الأمن والاستقرار، وبناء سوق كبرى، وإعادة بناء الإنسان والعقل القادر على المنافسة العالمية.

وليس من باب المصادفة تأكيد ولي العهد السعودي بأن منطقة الشرق الأوسط ستكون هي أوروبا الجديدة، التي تقول للعالم وهي تمد يد التعاون والمشاركة، انتظروا أوروبا الجديدة التي تتشكل في مهد الحضارة الإنسانية، مهد القيم والثراء الإنساني.

المزيد من آراء