Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الحقد على النفط!

المشكلة أن الأطفال حول العالم يتم تغذية عقولهم بجرعات مركزة خلال فترة المرحلتين الابتدائية والإعدادية

النفط سيبقى المصدر الرئيس للطاقة لعشرات السنين المقبلة (أ ف ب)

لماذا استخدام كلمة "حقد"؟ لأن المعادين للنفط لا يقبلون المنطق، ولا الواقع، ويؤمنون بأفكار من عالم آخر. يريدون أن يوقفوا صناعة النفط بأي ثمن، وكل لبسهم ومأكلهم وحياتهم اليومية من النفط! ولأن مطالبة وكالة الطاقة الدولية منذ فترة بوقف الاستثمار بالكامل في قطاع النفط لا يقبله علم ولا منطق، وعدم استقالة أي محلل يعمل بالوكالة احتجاجاً على ذلك يوضح مدى عمق المشكلة: الحقد على النفط أصبح معتقداً، تسيل في سبيله الدماء!

التغير المناخي حقيقة، والخلاف حول أسبابه عما إذا كانت الأنشطة الإنسانية أم لا. وبغض النظر عن الخلاف، التلوث في المدن ظاهرة لا يمكن لأحد أن ينكرها، وعلينا القيام بالتخفيف من هذا التلوث على كل الحالات. إلا أن "الحقد" على النفط لن يحل أياً من هذه المشاكل.

المشكلة التي لم تنتبه لها صناعة النفط والدول النفطية أن الأطفال حول العالم، حتى في الدول النفطية، يتم تعليمهم على كره النفط منذ مرحلة الحضانة، ثم يتم تغذية عقولهم بجرعات مركزة خلال فترة المرحلتين الابتدائية والإعدادية، ويختمرون في مرحلة الثانوية. 

بعد سنوات من غسل الدماغ، لا يمكن لأي قوة أن تغير ذلك. وعبر عن ذلك أحد رؤساء شركات النفط الأوروبية بقوله "ينظرون لنا، بإنتاجنا للنفط، بأننا مجرمون!".

ونجح الغرب الآن في إخراج جيل جديد، حتى داخل الدول المنتجة للنفط، ضد النفط! هذا الجيل سيكبر، ويتسلم مناصب، ويكون منه المعلمون وأساتذة الجامعات، والإعلاميون، وقادة الفكر في المنطقة. سيكونون آباء وأمهات، فهل يدرك المسؤولون في الدول النفطية حجم المشكلة المقبلة؟

العداء لأي صناعة أمر عادي، فكل صناعة لها مشاكلها، ولكن الصناعة الوحيدة التي يتم تدريس عدائها للطلاب هي صناعة النفط. من يعمل في صناعة النفط ليسوا معصومين، وصناعة النفط مليئة بالأخطاء. المشكلة أن الطرف المعادي لا يهدف إلى تحسين أداء الصناعة، ولا إلى المساعدة في تفادي الأخطاء. الطرف الآخر يريد محو الصناعة من الوجود، لدرجة أن متطرفي المناخ في كندا مستعدون بالتضحية بحياة مئات آلاف البشر في ولاية ألبرتا مقابل إنهاء الصناعة هناك، وقادة الحراك المناخي أعلنوها صراحة أنه يجب تخفيض عدد سكان الأرض لحل أزمة المناخ، وذهب الأمر ببعضهم إلى تمجيد جنكيز خان لأن الانبعاثات انخفضت في عهده لأنه أهلك الحرث والنسل!  

ولا أدل على ذلك من المقابلات العديدة مع أعداء الصناعة حول العالم، التي أكدت أنه حتى لو تطورت التقنية وتوقفت الصناعة عن إصدار أي انبعاثات، فإنهم يريدون أن تختفي هذه الصناعة من الوجود. حتى أنصار البيئة المؤيدون للسيارات الكهربائية يعادون سيارات الهيدروجين، على الرغم من فوائدها البيئية، لأن بعض الهيدروجين يأتي من صناعة النفط!

من مظاهر الحقد انسحاب المستثمرين من الصناعة، وانسحاب كبرى الصناديق العالمية والمؤسسات المالية منها في محاولة لخنق الصناعة مالياً. إذا كانت هذه الصناديق والمؤسسات جادة في محاربة التغير المناخي، فإن المنطق يحتم عليها البقاء وإجراء التغييرات اللازمة، وليس الهروب عن طريق بيع استثماراتهم لآخرين لا يهتمون بالتغير المناخي ولا يهتمون بحماية البيئة. 

أخطاء صناعة النفط

عاشت صناعة النفط تاريخياً في برج عاجي... والأدلة على ذلك، خصوصاً من تاريخ "الأخوات السبع"، كثيرة. ونظرة سريعة إلى جهود شركات النفط الأميركية، نجد أنها قامت بالتبرع لعدد كبير من المؤسسات والأعمال الخيرية والملاعب والحدائق، ولكن كلها تقريباً كانت للترويج لاسم الشركة، وليس للصناعة. وكثير من الناس يستخدم خدمات هذه المشاريع، ويعرف اسم الشركة، ولكن لا يعرف أنشطتها. الأمر نفسه ينطبق على بارونات الصناعة الذين تبرعوا بأموال طائلة للأعمال الخيرية، ولكنها ارتبطت بأسمائهم كأغنياء، وليس كرجال نفط. 

وهناك ظاهرة في صناعة النفط الأميركية تذكرني بدرس بعد صلاة الصبح في أحد المساجد الأميركية عن تحريم شرب الخمر، أو خطبة جمعة عن الوضوء من أكل لحوم الإبل في مسجد في وسط مدينة نيويورك، أو محاضرة تعريفية عن الإسلام في جامعة أميركية لغير المسلمين وغالبية الحضور من المسلمين! فبعد إهمال التعليم لعقود، بدأت الشركات تشعر بالضغوط الاجتماعية والسياسية، فقامت بإنشاء جمعيات غير ربحية مهمتها زيادة الوعي المجتمعي. فقامت هذه الجمعيات بنشر الوعي ضمن المدن والمجتمعات السكنية المؤيدة أصلاً للنفط، ويعمل غالب سكانها في قطاع النفط بطريقة أو بأخرى. وكانت إحدى هذه الجمعيات نظمت لمحاضرات توعوية، وأرسلت الدعوات لموظفي شركات النفط!

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعندما قامت شركات النفط ورجال النفط بالتبرع بمبالغ ضخمة للجامعات، تبرعوا لأقسام الجيولوجيا والنفط، وتجاهلوا الأقسام الأخرى التي كان من المفروض أن تحظى بدعمهم. أغلب العداء الآن يأتي من هذه الأقسام في الوقت الذي أصبحت فيه أقسام الجيولوجيا والنفط خاوية على عروشها بعد عزوف الطلاب عنها.

عزوف الطلاب سببه الأول الجو العام المعادي للنفط، والثاني التقلبات الشديدة في الصناعة، والتي أسهمت في تسريح عدد ضخم من المهندسين والموظفين والعمال، وعدم قدرة الخريجين الجدد على الحصول على وظائف.

وكانت صناعة النفط نفسها قد أسهمت في التقلبات الشديدة في الصناعة، نتيجة طبيعة الصناعة، والتنافس الشديد بين الشركات والدول، والعوامل السياسية والاقتصادية والطبيعية والتقنية التي تؤثر في الصناعة.

وكان لشركات النفط الأوروبية دور سلبي خلال العقود الماضية بسبب أزمة في تحديد هويتها عندما حاولت أن تظهر صديقة للبيئة، وتنتج النفط في الوقت نفسه. هذا التذبذب ساعد أعداء النفط على ترسيخ مفاهيمهم في المجتمع.

ما العمل الآن؟

كما استغل أعداء النفط طلاب المدارس لبناء فكر معادٍ للنفط على مدى سنوات مختلفة، يجب التركيز على المدارس لتكوين فكر مختلف، مبني على فكرة التوازن بين أمن الطاقة والأمن البيئي. التغير المناخي حقيقة، ولكن حل المشكلة لا يكمن في العداء للنفط، بل يعمقها ويحولها إلى كارثة حقيقية، حتى قبل أن تظهر مظاهر التغير المناخي المدمرة والقاتلة. محاولة نشر ثقافة الطاقة والمناخ ضمن البالغين لا تكفي، ويجب البدء من مرحلة الحضانة أو الصف الأول. الواقع يشير إلى أن النفط سيبقى المصدر الرئيس للطاقة لعشرات السنين المقبلة، ومن ثم فما زال هناك وقت لإعادة تأهيل الأجيال القادمة. الحديث هنا ليس عن "غسل أدمغة"، الحديث هنا عن تطوير قدرة النقد البناء مع توفير المعلومات اللازمة من كل الأطراف. وعلى الدول النفطية أن تتدارك الأمر، وتبدأ بمدارسها أولاً قبل فوات الأوان. وسمعت بأذني معاناة بعض الزملاء في قطاع النفط في دول الخليج مع أبنائهم وبناتهم الذين ينظرون لصناعة النفط على أنها صناعة قذرة مدمرة.

أثبتت الأدلة بشكل قاطع الآن أن استثمارات شركات النفط في المؤسسات غير الربحية للترويج لها لم يُجد كثيراً، كما أثبتت أن قيام الدول النفطية بتوظيف شركات علاقات عامة في الدول الغربية خدمها سياسياً في حالات معينة، ولكنه لم يساعد على تحسين الرأي العام. كما أثبتت في الوقت الحالي أن الاستثمار في قطاع النفط يمكن أن يحقق عوائد عالية. هذه المواضيع يجب التركيز عليها لوقف فكرة سحب الاستثمارات. 

وتقوم بعض الدول النفطية بجهود جبارة في مجال يجب أن ينتشر: الدول النفطية تقوم بجهود ضخمة ومكلفة لمحاربة التغير المناخي، ويجب التركيز على نشر هذه المعلومات داخل البلد قبل خارجه. 

ما مستقبل طلاب الجيولوجيا وهندسة النفط؟

كل البيانات تشير حالياً إلى مستقبل زاهر لقطاع النفط حتى مع وجود سياسات التغير المناخي. وما يجب إدراكه أنه حتى مع تبني سياسات مناخية صارمة، فإن كل النفط الذي سيتم طلبه بحلول 2050 هو نفط غير موجود حالياً ويجب استكشافه واستخراجه، وذلك بسبب معدلات النضوب في الآبار. هذا يتطلب استثمارات تريليونية، وعدداً ضخماً من المهندسين والموظفين والعمال.

وظائف قطاع النفط كانت وما زالت مغرية بسبب رواتبها العالية وميزاتها التي تفوق أغلب الصناعات الأخرى. إلا أن طبيعة صناعة النفط أنها متقلبة، وهناك وظائف يمكن أن تحل التقنية مكانها، لهذا فإن على الطلاب الذي يريدون انتهاز الفرص المقبلة في هذا القطاع أن يتخصصوا في مجالين، وألا يقتصروا على الجيولوجيا فقط، أو هندسة البترول فقط. فيمكن الجمع بين نوعين من الهندسات، كما يمكن الجمع مع فروق أخرى مثل تحليل البيانات. 

نحن مقبلون على أزمة طاقة كبيرة، ونحن حالياً نعاني نقصاً في الخبرات والمهارات، فما بالك في المستقبل؟ سيستفيد الطلاب من الدول النامية من دراسة الجيولوجيا أو هندسة النفط كثيراً بسبب النقص الكبير في عدد الطلاب في هذه المجالات في أوروبا والولايات المتحدة، وسيتم استيراد هذه الخبرات تماماً كما استوردوا خبراء الحواسيب وهندسة المعلومات من الهند، والممرضات من الفيليبين. وهنا أكرر ما ذكرته سابقاً، يجب على دول الخليج أن تصدر الخبرات في مجال النفط إلى دول العالم!

باختصار، هناك فرص ضخمة في قطاع النفط بسبب الحقد على النفط!

المزيد من آراء