ملخص
لقاء مفاجئ جمع خليل الحية بمحمد دحلان في القاهرة يرسم معالم المرحلة الانتقالية في غزة.
في إحدى قاعات الاجتماعات بالعاصمة المصرية القاهرة، دار مشهد لم يكن أشد خبراء السياسة تفاؤلاً يتوقع حدوثه قبل سنوات، حيث جلس رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" خليل الحية، وجهاً لوجه، في لقاء معلن ومباشر، مع قائد "تيار الإصلاح الديمقراطي" في حركة "فتح" محمد دحلان.
لم تكن الأجواء بروتوكولية باردة، وإنما عكست لغة الجسد والابتسامات المتبادلة، إدراكاً عميقاً من القياديين لثقل اللحظة التاريخية، حيث تحلق حول الطاولة وفدان قياديان يمسكان بأوراق وخرائط معقدة تهدف إلى صياغة أدق تفاصيل المرحلة الانتقالية في قطاع غزة.
يعد هذا اللقاء التحول الأبرز والأكثر صدمة ومفاجأة في المشهد الفلسطيني منذ عقود، فمنذ أحداث الانقسام عام 2007، ارتبط اسما "حماس" ودحلان بخصومة تاريخية عقائدية وعسكرية طاحنة، تخللها اقتتال في أزقة غزة، انتهى بإخراج دحلان من المشهد الميداني للقطاع تماماً.
لكن بعد أن وضعت الحرب المنظومة الفلسطينية أمام تحديات وجودية، قرر الخصمان اللدودان الجلوس معاً لتجاوز الماضي.
سنوات الخصومة والتقارب
يُعد اللقاء الذي جمع الحية مع دحلان الأبرز والأعمق في تاريخ السياسة الفلسطينية المعاصرة، إذ ينهي حقبة طُبعت بالحديد والنار، ويضع حداً للمواجهة بين قوتين شكلتا قطبي الصراع الداخلي لسنوات طويلة.
وتعود جذور هذه الخصومة إلى مرحلة ما قبل الانقسام الفلسطيني، حين كان اسم محمد دحلان بوصفه قائداً لجهاز الأمن الوقائي ومستشاراً للأمن القومي، يمثل بالنسبة للحركة "الخصم اللدود والأول" في غزة.
وفي تلك الفترة، كانت عقيدة الجهاز الأمنية والسياسية التي يديرها دحلان تصطدم مباشرةً مع الصعود العسكري والسياسي المتنامي لـ "حماس" بعد فوزها في انتخابات 2006.
تفاقمت هذه الخصومة في صيف عام 2007، عندما نشب صراع عسكري طاحن في أزقة القطاع، انتهى بفرض "حماس" سيطرتها الكاملة على غزة.
وشهدت الساحة الفلسطينية أسوأ حقبة انقسام في تاريخها، وظل الجمود سيد الموقف حتى جاء عام 2017 ليحدث أول اختراق حقيقي في جدار هذه الخصومة التاريخية.
فمع صعود يحيى السنوار لقيادة "حماس" في غزة، بدأت الحركة تتبنى لغة مدفوعةً بوطأة الحصار الإسرائيلي الخانق على القطاع وانسداد الأفق السياسي مع رام الله.
وحينها التقى وفد من "حماس" بالدائرة الضيقة لمحمد دحلان في القاهرة، وتمخضت اللقاءات عما عُرف بـ "تفاهمات القاهرة 2017".
قضت هذه التفاهمات بتشكيل "لجنة التكافل الاجتماعي" لدعم العائلات الفقيرة، ودخول الوقود من مصر لمحطة توليد الكهرباء في غزة، وإطلاق ملف المصالحة المجتمعية لتعويض عائلات ضحايا اقتتال 2007.
واجهة مقبولة دولياً
وفرضت الحرب الساحقة الأخيرة على غزة، التقارب على الطرفين، ولذلك عقدا لقاءً علنياً يُعد الأول بينهما منذ عام 2023.
ويرى مراقبون أن "حماس" تسعى لاستغلال نفوذ دحلان وعلاقاته الدولية لفك عزلتها، بينما يجد دحلان في قوة "حماس" بوابته الوحيدة للعودة إلى المشهد السياسي.
يقول الباحث السياسي شريف المناصرة إن "قيادة 'حماس' أدركت أن الحفاظ على المنجزات يتطلب واجهة دبلوماسية مقبولة دولياً لمنع فرض وصاية أجنبية على غزة، لذلك توجهت إلى تيار دحلان وبدأت بإعداد شراكة استراتيجية معه". ويضيف، "وفي الوقت ذاته وجد دحلان أن إنقاذ المشروع الوطني الفلسطيني ومنع تصفية القضية يتطلب التنسيق مع القوة الأكبر على الأرض في غزة، وهي 'حماس'، لذلك توجه إليها".
ويوضح المناصرة أن "دحلان هو المستفيد الأكبر من هذا التقارب، إذ يفتح له باب المشاركة في رسم مستقبل قطاع غزة ما بعد الحرب".
الملفات الساخنة
تحوّل لقاء خليل الحية ومحمد دحلان إلى ورشة عمل ناقشت تفاصيل بالغة التعقيد لإدارة قطاع غزة في المرحلة الانتقالية، وطرح الطرفان على طاولة البحث 4 ملفات رئيسة ترسم خريطة الطريق للمستقبل الإداري للقطاع.
بحسب المعلومات المتوافرة، فإن أول الملفات التي ناقشتها "حماس" و"التيار الإصلاحي"، كان بحث التنازل الذي قدمته الحركة، والمتمثل في قرارها الرسمي بحل "لجنة متابعة العمل الحكومي" التي كانت تدير بها القطاع.
إذ جاء هذا القرار كخطوة توافقية بين الحية وتيار دحلان بهدف تجريد إسرائيل من ذريعة "الفيتو" المفروض على التعامل مع حكم الحركة. وبموجب هذا الملف، وافقت "حماس" على إخلاء المقار المدنية والخدمية وتسليمها بالكامل للجنة التكنوقراط لتنهي صفحة حكمها المنفرد لغزة.
وأكد مدير المكتب الإعلامي الحكومي إسماعيل الثوابتة، "لقد أتممنا كافة الترتيبات الإدارية والقانونية لنقل المهمات الإدارية وإدارة الحكم في القطاع إلى اللجنة الوطنية، وعرضت الخطوات بشفافية وبحضور مراقب ممثل عن الأمم المتحدة".
أما الملف الثاني الذي ناقشه دحلان والحية، فكان حول إيجاد طرق ضغط من أجل إدخال لجنة التكنوقراط إلى غزة لتسلم الحكم وتولي مهمات الإدارة. وتشير البيانات الواردة إلى أن الطرفين ناقشا آليات تمكين هذه اللجنة على الأرض وتسهيل استلامها للبلديات والقطاع الصحي والتعليم وإدارة المعابر.
بينما الملف الثالث وهو الأكثر حساسية للمواطن والمقاتل على حد سواء، حيث جرى التنسيق لإطلاق مشروع إغاثي لإنشاء مدينة إنسانية متكاملة بدعم من تيار دحلان لإيواء النازحين.
ملف السلاح يقلق إسرائيل
وناقش الطرفان ملف حصر وتخزين السلاح وتأطيره تحت إشراف طواقم مدنية وقوات استقرار دولية صديقة، وهو ما فجّر غضباً واسعاً في تل أبيب.
وقال وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر إن "خطة دحلان والتفاهمات الجارية في القاهرة مع 'حماس'، خديعة كبرى تهدف لبقاء بنيتها العسكرية تحت غطاء مدني، وإعادة إنتاج نموذج 'حزب الله' في غزة، ترفض تل أبيب أي صيغة لا تتضمن تفكيكاً كاملاً ومباشراً لسلاح الحركة".
إلى ذلك، انتقل القياديان الفلسطينيان إلى الملف بالغ الأهمية، وهو الاستعداد الجاد للانتخابات التشريعية المقررة في 28 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.
تفاهمت "حماس" وتيار دحلان على كسر صيغة الانقسام والمحاصصة عبر ائتلاف وطني واسع يضم الحركة والتيار الإصلاحي وقوى وشخصيات مستقلة لخوض الانتخابات بقائمة ائتلافية موحدة قادرة على إنهاء التفرد بالقرار السياسي.
وقال عضو المكتب السياسي لحركة "حماس" حسام بدران، "نحن على تواصل مستمر ودائم مع مختلف الفصائل والقوى الفلسطينية، ومن ضمنهم تيار الإصلاح الديمقراطي، لقد جرت عدة لقاءات أخيراً حضر بعضها محمد دحلان، ونحن متوافقون معاً على التعامل مع الملفات الوطنية وصياغة استراتيجية موحدة لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني على أسس الشراكة والديمقراطية".
ماذا يجني دحلان و"حماس" من التقارب؟
وراء لقاء خليل الحية ومحمد دحلان معادلة تقوم على المنفعة المتبادلة، فكل طرف يمتلك أوراقاً يفتقر إليها الآخر، والحرب الراهنة جعلت حاجتهما للاندماج مسألة وجود سياسي.
يسعى دحلان من خلال هذا التقارب الأضخم إلى تفكيك طوق العزلة الجغرافية والسياسية التي فُرضت عليه منذ عام 2007، وتحقيق أهداف استراتيجية تعيده كلاعب فلسطيني من الصف الأول.
وعقّب القيادي في "تيار الإصلاح" أسامة الفرا قائلاً، "لقد قرر التيار المشاركة في الانتخابات المقبلة، وخياراتنا قيد الدراسة وفي مقدمتها تشكيل تحالف وطني واسع يضم الفصائل إلى جانب كفاءات وشخصيات وطنية ومجتمعية، والأجدر بالرئيس محمود عباس هو جمع المكونات بدلاً من إصدار مراسيم من دون توافق".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
من جانبه، يرى الباحث السياسي سعد الدين أبو مرسة أن "دحلان يتخذ من ملف الإغاثة وإنشاء المدينة الإنسانية مدخلاً شرعياً لإعادة تثبيت نفوذ تياره داخل القطاع برضا وتنسيق كامل مع القوة المسيطرة، حماس". ويضيف، "يدرك دحلان أن الإدارة الأميركية تبحث عن مخرج لإدارة غزة مدنياً من دون 'حماس' وبلا ترهل السلطة الحالية، وإقناعه الحركة بحل لجنتها الحكومية والقبول بلجنة التكنوقراط يثبت أقدامه لدى واشنطن كمهندس وحيد قادر على فك العقد المستعصية".
ويوضح أبو مرسة أن هذا التقارب يمثل بالنسبة لدحلان إعادة تموضع حاسم، إذ يطرح تياره كبديل جاهز ومسلح بالقدرة المالية والقبول الأميركي لإدارة القطاع، مشيراً إلى أن التحالف مع "حماس" يمنحه الحصانة الأمنية في غزة.
في المقابل، لم تقدم "حماس" تراجعها عن إدارة غزة بشكل مجاني، بل حصدت من تفاهماتها مع دحلان مكاسب ميدانية وسياسية تقي بنيتها التنظيمية والعسكرية خطر التفكيك.
يقول الناطق باسم "تيار الإصلاح" عماد محسن إن "الاجتماع المهم في القاهرة يأتي لضمان وحدوية الموقف الوطني وتطورات العملية التفاوضية التي قادت إلى الموافقة على خريطة الطريق لتطبيق المرحلة الثانية من اتفاق غزة".
ومن جانبه، يقول الباحث السياسي معتز صافي إن "حل 'حماس' للجنة متابعة العمل الحكومي ونقل المهام للجنة التكنوقراط يعفي 'حماس' من المسؤولية اليومية والمالية تجاه الرواتب والبلديات والصحة ويلقي بهذا العبء الثقيل على الطواقم المدنية المدعومة دولياً".
ويضيف "تدرك 'حماس' أن العالم لن يضخ أموال الإعمار ولم يبدأ بالمدينة الإنسانية في رفح إلا عبر قنوات يثق بها، ودحلان يمثل هذه القناة المقبولة إقليمياً ودولياً لضمان تدفق المال والإغاثة السريعة، مما يحمي الحاضنة الشعبية للحركة من الانفجار المعيشي"، موضحاً أن "حماس تستخدم علاقات دحلان كواجهة غير مباشرة للتفاوض مع الإدارة الأميركية".
المواقف الإقليمية والدولية
لم تكن جدران غرفة الاجتماعات في القاهرة معزولة عن حسابات العواصم، إذ ترى بعض الدول في صعود "تيار دحلان" بالتوافق مع "حماس" مخرجاً واقعياً يمنع فوضى السلاح ويؤمن الإغاثة الشاملة لغزة.
وصرح المتحدث باسم "تيار الإصلاح" عماد محسن أن هناك دولاً عربية ترعى هذا الحوار. وأضاف، "نثمن عالياً الجهود التي تبذلها جمهورية مصر العربية ودول الإقليم لتسهيل هذه التفاهمات، الإرادة الجماعية التي لمسناها في غرف المحادثات ستنجح في لم الشمل الوطني وكبح جماح حكومة تل أبيب".
كذلك اعتبرت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عبر مبعوثه جاريد كوشنر، تفاهمات دحلان و"حماس" بمثابة أداة اختبار.
وأبلغ كوشنر وفد "حماس" بأن الرئيس ترمب عازم على المضي قدماً في خطته، لكن دمج الحركة في المستقبل العملي والسياسي لغزة لن يكون قبل البدء بخطوات ملموسة في نزع السلاح وتسليمه للجنة الوطنية لتدميره تحت إشراف قوة الاستقرار الدولية.
لكن حكومة نتنياهو تنظر بعين الريبة والقلق إلى هذا التحالف، وقال وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، "نرفض التفاهمات الدائرة بين 'حماس' ودحلان، وأبلغنا واشنطن تمسكنا بمواصلة الاغتيالات ورفض الانسحاب من محور فيلادلفيا".
أما المتحدث باسم حركة "فتح" منذر الحايك فقال، "نرفض أي تفاهمات تبقي لـ 'حماس' دوراً أمنياً أو تمنح تيار دحلان نفوذاً في المعابر، السلطة الفلسطينية هي الجهة الوحيدة المخولة باستلام غزة".
آراء الشارع
في خيام النازحين يرى الكثيرون في نفوذ دحلان "طوق نجاة" لا بديل عنه لتأمين لقمة العيش والمأوى، فيقول ماهر "نحن لا تهمنا الفصائل ولا من يحكم، ما يهمنا هو من يستطيع إعادة بناء بيوتنا، إذا كانت المدينة الإنسانية لتيار دحلان ستؤمن لأولادي سقفاً يحميهم من برد الشتاء وطعاماً كريماً، فنحن نرحب به".
ومن جانبها تقول سارة، "عشنا مرارة أحداث 2007 ودفعنا من أعمارنا ثمن صراع 'حماس' ودحلان بالحديد والنار، أن يعودوا اليوم للتحالف وجهاً لوجه من أجل الكراسي والانتخابات الشاملة هو صدمة".
أما الشاب أحمد فيقول إن "إسرائيل كانت تريد فرض إدارة تابعة لها، لكن قبول 'حماس' بلجنة تكنوقراط مستقلة وتفاهمها مع دحلان على تأطير السلاح بدلاً من نزعه هو انتصار سياسي وذكاء ميداني".
في المقابل يعتبر صلاح أن "دحلان فصلته اللجنة المركزية لحركة 'فتح'، وتحالفه مع 'حماس' بعيداً من القيادة الشرعية ورئيس الدولة محمود عباس، يُعد تعميقاً للانفصال وتدميراً لتمثيل منظمة التحرير الفلسطينية. غزة والضفة يجب أن تدارا بحكومة شرعية واحدة وليس عبر تحالفات موازية".