Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"عن الفئران والرجال" تنعى الحلم الأميركي مسرحيا

تجربة مسرحية نادرة لشتاينبك صاحب ثلاثية الانهيار الاقتصادي في الولايات المتحدة

مشهد من تقديم لـ"عن الفئران والرجال" (موقع ناشيونال تياتر)

لم يكُن جون شتاينبك كاتباً مسرحياً. لكنه في المقابل كان روائياً كبيراً واسع الاهتمام بالسينما ذات مرحلة من حياته إلى درجة مشاركته في كتابة عدد من السيناريوهات لأفلام، سرعان ما بدت علامات في تاريخ السينما الأميركية وغالباً ما تخرج عن النمط الهوليوودي في مواضيعها، بل حتى في حساسيتها الاجتماعية التي تبدّت دائماً عكس التيار. لكنه مع ذلك، حوّل بنفسه ذات يوم واحدة من أقوى رواياته إلى مسرحية، سرعان ما احتلت مكانتها في الفضاء الإبداعي الأميركي لتضحي من كلاسيكياته على الرغم من تشدد الرقابات معها بسبب جرأتها وابتذالها اللغوي وما فيها من إشارات اعتُبرت عنصرية، بل أضحت كذلك واحدة من المسرحيات التي تحرص المدارس والجامعات على قراءة طلابها لها وتقديمها على مسارحها ممثلة، بعد تقديم جماهيري لها حقق نجاحاً كبيراً في نيويورك خريف عام 1937، أي في نفس عام صدورها كرواية. ونعني هنا "عن الفئران والرجال" التي تُعتبر منذ زمن جزءًا من "ثلاثية" روائية لشتاينبك تُسمّى "ثلاثية العمل" إلى جانب "في معركة مشكوك فيها" (1936) وتحفته الكبرى "عناقيد الغضب" (1939) التي حوّلها جون فورد إلى ذلك الفيلم الكبير الذي يُعتبر من العلامات الفارقة في السينما الاجتماعية الأميركية. ونعرف أن هذه الثلاثية بالذات هي التي شفعت لاحقاً لشتاينبك حين راح في أعوامه الأخيرة ينتج أدباً اعتبره كثر من الأميركيين محافظاً بل رجعياً.

نعي أسود للحلم الأميركي

فالثلاثية تبدّت واحدة من أكثر الإطلالات الإبداعية الأميركية قوة على الواقع الاجتماعي برؤية متقدمة وإنسانية تتحرى الشرط الإنساني، متسائلة عن مآل "الحلم الأميركي"، في زمن كان كل حلم فيه قد بات يبدو يباباً وحلماً مستحيلاً إن لم يتحوّل إلى كابوس. ويكاد هذا التساؤل يصل إلى ذروة مأساوية بالغة القسوة والسوداوية في "عن الفئران والرجال" تحديداً، ومن هنا كان طبيعياً في زمن فني أميركي تربّع على العرش فيه مسرح احتجاجي متشائم، يكتب أعماله مبدعون يساريون من أمثال كليفورد أوديتس وآرثر ميلر على خطى يوجين أونيل، ممهدين الدرب لتينيسي ويليامز وإدوارد آلبي، مستكملين على الطريقة الأميركية إبداعات أوروبية لتشيخوف أو هنريك إبسن، كان من الطبيعي أن يُدعى شتاينبك إلى تحويل "عن الفئران والرجال" إلى مسرحية تقدّم على المسرح النيويوركي في سياق عروض فرق مثل "الغروب" و"ميركوري" من تلك التي سيكون ورثتها هدفاً مغضوباً عليه للسيناتور الكئيب ماكارثي ولجنته. بمثل هذا الاشتغال على "عن الفئران والرجال"، حجز جون شتاينبك إذاً مكاناً مشرفاً في تاريخ الإبداع الأميركي الإنساني وربما نقول: الإبداع الغاضب، والغاضب تحديداً على أميركا الكساد والبؤس والانهيارات الكبرى عند بدايات عقد الثلاتينيات من القرن العشرين. ولنقل هنا على أية حال إن فكرة تحويل تلك الرواية القصيرة إلى مسرحية لم تكُن بعيدة من ذهن شتاينبك حين شرع في كتابة الرواية.

بنية مسرحية منذ البداية

فالحقيقة أن الرواية بعينها جاءت مقسمة إلى ما يشبه خمسة فصول في سياق حدثي متتابع يشغل حدث معين فيه، نابع على أية حال من حدث سابق عليه، زاوية من زوايا السياق العام للحكاية، ودائماً في حلقة تدور من حول إخفاق الأحلام حلماً بعد الآخر. ومن هنا، لا يتوانى كثر من النقاد والباحثين عن وصف هذه "المسرحية" أحياناً بـ"مسرحية الأحلام الخائبة"، ما يسهّل ضمها إلى المنظور العام لما عبّر عنه المسرح الأميركي الأكثر تقدماً في ذلك الحين، تماماً كما فعل شتاينبك نفسه حين كتبها كرواية في تركيب سهّل مسرَحَتها بشكل مدهش، كما سيسهل بعد ذلك أفلمتها وإن بشكل أقل إقناعاً. فهي أُفلمت في أميركا وحدها مرتين للسينما ومرات عدة للتلفزة، بل حُوّلت مرة إلى أوبرا وإلى شرائط مصورة مرتين واقتُبس جوهر موضوعها في أغنيات شعبية وذُكرت عرضاً في إبداعات عدة، لكن أيّاً من كل تلك الاقتباسات والاستعارات لم يوجد لـ"عن الفئران والرجال" مكانة تسمو لا على مكانتها كرواية ولا على مكانتها كمسرحية، وطبعاً ليس على المكانة الكبرى التي بقيت حاضرة في الذهن دائماً لـ"عناقيد الغضب" رواية وفيلماً. فعمّ تتحدث "عن الفئران والرجال"؟

الإخفاق مآل دائم

إنها ببساطة تنطلق في مطلع قصيدة للشاعر روبرت بورنز فحواه أن "أفضل المخططات التي يضعها الفئران كما الرجال غالباً ما يكون الإخفاق مآلها"، كما تنطلق، في رأي باحثين في النقد المقارن، من أحد فصول رواية الكاتب الألماني روبرت موتسيل "الرجل البلا سمات" - الصادرة عام 1930 - لتروي لنا حكاية تجري أحداثها في كاليفورنيا عند بداية أعوام الثلاثين حول رفيقين في التشرد والعمل والبؤس، يجمع بينهما ذلك الحلم الأميركي أو بالأحرى حلم يحمله واحد منهما هو جورج ميلتون الهادئ والحيوي مع عينين دائماً ما يحركهما القلق، ويصطحب معه فيه رفيقه الساذج الضخم والقوي ليني سمول الذي يتميّز بعنف في طباعه لا يريده لنفسه، كما بحنان مدمر ترمز إليه أفعاله غير المقصودة حين يضع يده بنزعة إنسانية على كل شيء ناعم يحبه ويريد أن يعبّر له عن تعاطفه، تخونه قوته التدميرية إلى حد سَحْق ما يضع عليه يده. ولئن كان مثل هذا الوضع يطالعنا في الرواية مرات عدة على عدد الأحلام التي يتشارك واقع ليني كما الواقع الموضوعي الذي يعيشه الرفيقان وهما يتنقلان من عمل إلى آخر ومن خيبة حلم إلى أخرى، فإننا نجده مختصراً بعض الشيء في المسرحية التي تركز أكثر على الطابع الاجتماعي لخيبة الأحلام، مرتبطة بالأوضاع الاقتصادية العامة التي كانت قد بدأت تسود مع استشراء الكساد وتفاقم الانهيار الاقتصادي العام – حتى إن كان شتاينبك سيقول مراراً وتكراراً أنه لم يستوحِ الرواية، والمسرحية بالتالي، من كساد الثلاثينيات بل من تجربته الحياتية الخاصة عند العشرية الأولى من القرن العشرين، حين أمضى سنوات فاقة وبؤس، متنقلاً للعمل في المزارع، باحثاً عن مجرد لقمة العيش، متعرفاً إلى رفاق بؤس هم الذين سوف نجدهم لاحقاً شخصيات حية في رواياته الكبرى بشكل خاص.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يد الحنان القاتلة

المهم أن جورج وليني لن ييأسا في البداية على الرغم من تكاثر الأحلام والخيبات، بل يبدو جورج على الأقل، وليني في ركابه كما حال رفاق سيلتقيان بهم بين الحين والآخر، قادرين دائماً على الدنو من الحلم، أي من "مشروع جورج" الذي يقوم على الحصول على مزرعة خاصة بهم، بدلاً من العمل في البؤس غير المجدي لحساب الآخرين. والحال أن إمكانية تحقيق هذا الحلم تلوح أخيراً ممكنة بالفعل حين ينضم إليهما رفيق يؤمّن 350 دولاراً للبدء بامتلاك المزرعة. ولكن هنا بالذات، وإذ يكونون عمالاً في مزرعة يقسو عليهم فيها ابن صاحبها المدعو كورلي، فيتحمّلونه وقسوته وقد لاح لهم الخلاص قريباً، يتعاطف ليني مع الحسناء زوجة كورلي التي إذ تجلس إلى جانب ليني وتسأله أن يداعب شعرها كي تشعر بالأمان، يستجيب ليني لما تطلب، ولكن في اللحظة ذاتها، تستيقظ فيه تلك القوة التي تجعله يدمر كل شيء ناعم يلمسه، فتموت الحسناء بين يديه ليتلو ذلك اكتشاف الجميع لما حدث، فتبدأ مطاردة أهل المزرعة والجوار لليني الذي يهرب من مكان إلى آخر وهو مدرك أنهم سيسحلونه إن أمسكوا به. ولكن سيكون من حظه أن أول من سيجده هو رفيقه جورج الذي، رحمة به، يقتله بيده لكي لا يُسحل. يقتله وائداً معه حلمهما الذي كان يعيش لأجله، لكنه يعرف أنه حلم لاثنين لا لواحد. حلم لا يمكنه أن يحققه إلا إذا كان ليني شريكه فيه. وهكذا ينتهي الحلم وتنتهي الرواية والمسرحية في خاتمة للحلم الأميركي، نادراً ما صاغها الإبداع على مثل هذه القوة وعلى مثل تلك السوداوية التي سيقول جون شتاينبك (1902 - 1986) لاحقاً إنه بعد حقبة من كتابتها، وجد نفسه يكتب أعمالاً كثيرة، يبالغ في بعدها التفاؤلي لمجرّد أن يغفر لنفسه تلك السوداوية "غير الجديرة بأن يعبّر عنها أميركي حقيقي" ولكن "ما كُتب كان قد كُتب!". وبقي أن نذكّر أخيراً أن شتاينبك خاض تجربة الكتابة المسرحية ولكن بنجاح أقل حين كتب مباشرة للمسرح "ثم غاب القمر" (1942) عن الاحتلال النازي لأوروبا، كما حاول أن يجدد في التقنية المسرحية من خلال مسرحية "حريق لامع" (1950) التي ابتكر فيها أسلوباً يقوم على تبديل مهن الشخصيات وأماكنهم فيما يتواصل الحدث القائم على التعبير عن رغبة رجل بالحصول على ابن.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة