Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

صحف سوريا... تحت رحمة "رصاصة الرحمة"

تسبب النزاع المسلح في تعطيل عمليات التوزيع وتفاقمت بعد كورونا

فاقمت كورونا أزمة الصحف الخانقة التي بدأت منذ بداية الحرب في سوريا (اندبندنت عربية)

لا يختلف حال الصحف الورقية في سوريا عن نظيراتها في الدول العربية الأخرى من حيث تأثرها بالحضور الطاغي للمواقع الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي، التي توفر للقارئ سرعة الوصول إلى الخبر والإفلات الجزئي من الرقابة، إلا أن الصحافة السورية ما زالت تواجه صعوبات وتحديات أشد وطأة من مثيلاتها العربية أثرت مباشرة في بقائها وانتشارها، لا سيما الورقية منها على امتداد رقعة البلاد لأسباب مردها الحرب والحصار، بالإضافة إلى تردي الاقتصاد السوري، ما دفع إلى تناقصها بشكل متسارع، لا سيما الكثير من الصحف الخاصة والوليدة حديثاً بعد عام 2000، التي لا تمتلك مصادر تمويل كاف، وغير مدعومة مالياً من الحكومة.

الحرب

ولعل أفول عهد الصحف الورقية على الرغم من عددها القليل في سوريا بدأ مع اندلاع النزاع المسلح، إذ كان يوجد قبل الحرب خمس صحف يومية تنقسم على الشكل التالي: "تشرين" و"الثورة" حكوميتان، وصحيفة "البعث"، حزبية تتبع لحزب البعث الحاكم، بالإضافة إلى صحيفتين مستقلتين "الوطن" و"بلدنا"، ومنذ ذلك الوقت، غابت الصحف نهائياً عن الشارع والمكتبات، بينما استمرت المجلات الورقية الملونة والمنوعة، بخاصة الفنية منها، عند أصحاب المكتبات القديمة أو بسطات الكتب التي بدأت تقل تدريجياً أيضاً.

وتوقفت صحيفة "بلدنا" عن طباعة أعدادها الورقية واكتفت بالصدور إلكترونياً، وحجمت الحرب المندلعة منذ عام 2011 رقعة انتشارها بعد تقطع أوصال البلاد وسيطرة المعارضة على عدد من المدن في شمال سوريا وشرقها، إضافة إلى تأخر وصول النسخ المطبوعة في العاصمة دمشق، مقر عمليات الطباعة الورقية، جنوب البلاد، إلى الشمال، إذ باتت شاحنات النقل المخصصة للصحف تسلك طرقاً، آمنة لكن طويلة، إلى شمال البلاد ووسطها، ما يؤدي إلى وصول هذه الصحف إلى المكتبات في اليوم التالي في وقت متأخر، وذلك عدا عن تحكم اندلاع المعارك في عمليات التوزيع، وتعرض فرق التوزيع للقتل والخطف وغيرهما من العمليات العدائية بحق طاقم التوزيع في المناطق المتوترة أمنياً.

رصاصة كورونا غير الرحيمة

ظل هذا الواقع المتردي للصحافة الورقية سارياً حتى عام 2020، حين أطلق فيروس كورونا رصاصة الرحمة على الصحف المطبوعة، في شهر مارس (آذار) منه مع بداية تفشي الوباء، فتوصلت وزارة الإعلام في اجتماع مع رؤساء تحرير الصحف إلى قرار تعليق الطباعة الورقية للصحف اليومية الرسمية والخاصة وكذلك الصحف الحزبية وجرائد المنظمات والنقابات، في حين عادت صحيفة الحزب الحاكم "البعث" إلى الصدور أسبوعياً على نطاق ضيق.

في المقابل، تستمر الصحف اليومية بالصدور إلكترونياً إلى اليوم، على الرغم من تخفيف إجراءات التباعد المكاني والعودة إلى العمل والدوام في المكاتب، وتعامل الناس مجدداً على النحو الذي كانوا عليه في حياتهم الطبيعية قبل الوباء، مع تخفيف كبير للإجراءات الاحترازية.

ورأى البرلماني، الرئيس العام السابق لاتحاد الصحافيين في سوريا، إلياس مراد، في مستهل حديثه لـ"اندبندنت عربية"، أن "الظروف الاقتصادية الضاغطة على البلاد تركت تأثيراً شديداً في الحد من طباعة الصحف الورقية، وتحولت بالتالي إلى إلكترونية على الرغم من وجود شريحة من القراء ما تزال إلى اليوم ترغب بمتابعة الصحافة الورقية". وأضاف مراد أنه "يعتقد بأن الناس عزفت عن متابعة الصحف لأن التلفزيون، حتى قبل ظهور الإعلام الجديد، خطف الضوء وأعطى الناس كل ما يريدونه، واقتصرت الصحف على المختصين. لا بد من التركيز على مضامين الصحف الرقمية وتعزيز العلوم والجانب العلمي والاهتمام بتدريب جيل الشباب الصاعد نحو الصحافة الرقمية وتطوير مؤسساته، ورفدها بالكوادر المؤهلة، مع التركيز على التدريب الدائم والمستمر".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

واعتبر مراد أن "بعض الصحف العالمية ما زالت مستمرة، ولكن في سوريا، أثرت الظروف الاقتصادية في الإصدارات لأنها تكلف الملايين بالقطع الأجنبي، ولعل الأولويات كثيرة في حياة بلد يتعرض للحصار والحرب، فالمهم اليوم تقديم الغذاء وحليب الأطفال والدواء وما شابه ذلك". وأردف "الظروف في سوريا ساعدت الصحافة الإلكترونية على التوسع على حساب الصحف الورقية حالياً، وربما إن عادت الصحف الورقية مجدداً سنجد من يتابعها ويوثقها بكل شغف، لأنني أقارن دوماً بين الكتاب الورقي والكتاب من الأقراص الليزرية (دي في دي)، والفرق شاسع بينهما".

حل الدمج والتحول الإلكتروني

ويسأل مراقبون اليوم، أين الصحف الورقية التي ما زالت تملك جمهورها الواسع؟ لكن الأمر لا يتعلق بطبيعة الحال، أساساً بكورونا، بل إن المعلومات الواردة والمتداولة في الوسط الصحافي تشي بالحديث عن خطط تدرس استمرار الصدور الإلكتروني، مع دمج الصحف الحكومية في صحيفة ورقية واحدة، للتخفيف من أعباء الطباعة.
ويسري في الأوساط الإعلامية أن أثمان الأحبار والورق تزايدت عشرات الأضعاف وباتت غير مجدية اقتصادياً في ظل وطأة الحصار، بالتوازي مع دمار المعامل المنتجة لورق الصحف في البلاد، بينما الجرائد الخاصة التي تعتمد على الإعلانات كمصدر أساسي في تمويلها تبدو في أسوأ أحوالها بعد ابتعاد الأوساط التجارية عن الإعلان الورقي واعتمادها الإعلان الإلكتروني عبر الشبكة العنكبوتية الأكثر جذباً وسرعةً في الوصول إلى شرائح واسعة من الناس.

ومع كل ذلك، ينتظر الشارع السوري إقرار "قانون الإعلام الجديد" مع تعيين وزير الإعلام السوري، بطرس حلاق، في تعديل حكومي مطلع العام الجاري. ويتوقع متابعون أن ذلك القانون سيعطي مساحة أكبر للصحافيين لتحفيز الإعلام ليكون "فاعلاً وليس منفعلاً"، حسب تصريحات للوزير حلاق. وبالتالي يسعى القانون الجديد إلى ملء المساحات التي لم يشملها قانون الإعلام السابق ومنها أسس التعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي، والتي باتت تخضع أخيراً للرقابة عبر قوانين الجريمة الإلكترونية.

وخلال اجتماع للجنة الإعلام والاتصالات في مجلس الشعب السوري، كشف وزير الإعلام عن سياسة لتطوير الخطاب الإعلامي، لا سيما مع سعي الوزارة للترويج لما يسمى "صحافة الحلول" في الخطاب الإعلامي وأقامت لهذا الغرض ورشات عمل متعددة لملامسة هموم الشارع ومشاكله. وأعلن وزير الإعلام السوري في أعقاب جلسة لمجلس الوزراء في نهاية العام المنصرم، عن مناقشة قانون الإعلام الجديد، لافتاً إلى مبدأ التشاركية في تطبيقه. وقال "حاولنا قدر الإمكان عبر نقاشات طويلة مع مجمل الفعاليات المجتمعية التي لها صلة مباشرة أو غير مباشرة بهذا القانون، أن نصل إلى قانون عصري يستطيع أن يتواءم مع طبيعة التقدم والتطور الإعلامي".

من جهة أخرى، ومع خسارة الصحافة السورية الورق، ظهرت خلال الحرب منصات راهنت على الخبر العاجل وسرعته، بخاصة أخبار وأنباء الحرب وساحات القتال، ونجحت في كسب مزيد من القراء لكنها تفتقر إلى جودة المحتوى، وقلة إلمام الفريق العامل في تلك المنصات بالصحافة الرقمية وأدواتها، لا سيما في مواكبة آخر التطورات التكنولوجية فنياً وتقنياً.
ومع انتشار وسائل الإعلام الإلكترونية على حساب المطبوع، يرغب "جمهور الورق" في عودة صحف اتخذت حيزاً في ذاكرتهم عبر عقود من الزمن، في حين تتقلص هذه الرغبة لدى الجيل الشاب الذي لم يعش كفاية متعة قراءة الجرائد ومتابعتها يومياً، إذ خطف جهاز الهاتف النقال وغيره من الأجهزة، المعركة في الصراع مع الورق.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات