Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

موسكو تواجه الجميع وتخفق في فرض رؤيتها على الشاشة

الصورة النمطية للثقافة الروسية مرتبطة في الأفلام والمسلسلات برجال المافيا والجواسيس والمرتزقة

هيلين ميرين في شخصية سيدة المخابرات الروسية القاسية بفيلم "آنا" (الحساب الرسمي للفيلم على إنستغرام)

موسكو أوقفت العالم على أطراف أصابعه، كر وفر في التصريحات وعلى الأرض، صاحب الأزمة الروسية الكبرى مع أوكرانيا قبل ساعات من بدء العملية العسكرية، بين المتنبئين بأن الحرب قادمة لا محالة، ومن يميلون إلى أن محاولات التهدئة ستؤتي ثمارها في الوقت الحاسم الذي قضى به بوتين الأمر بإعلان الحرب. كان المتابعون يقضون يومهم في تصفح الأخبار والألغاز أيضاً، حيث الغموض واللعب بالألفاظ والقذائف هواية روسية راسخة، تماماً كما شيطنة كل من يحمل تلك الجنسية، وهي هواية أميركية لا تتبدل. وإذا كانت روسيا تعلم جيداً كيف تلفت أنظار الجميع فإنها حتى الآن بعيدة كل البعد من فرض رؤيتها الفنية، فتبدو الإنتاجات الناطقة والمعبرة عن هذه الثقافة بعيدة من الشعبية كثيراً.

التفوق الفني في مواجهة المعارك العسكرية

العداء التاريخي بين الكيانين يبدو على الشاشة بكل تفاصيله في مجموعة من "الأساسيات" التي تعتمد عليها الأعمال الفنية القادمة من الولايات المتحدة الأميركية ودول الاتحاد الأوروبي، الأكثر انتشاراً والأغزر إنتاجاً وبالتالي الأسلوب النمطي الذي تعرض به من خلال أعمالها، الشخصيات والثقافة الروسية عموماً باتت مسيطرة على أذهان المتلقين، ويتجلى هذا بشدة في أفلام ومسلسلات على مدى عقود طويلة حققت شعبية في جميع أنحاء العالم، بينها المسلسلات الكوميدية ومنها "Friends ـ Seinfeld".

 

 

بعيداً من الأعمال التي تقدمها جهات إنتاج روسي وبات لها موطئ قدم أخيراً بعد انتشار منصات العرض الإلكتروني، ومنها ما هو جيد ويتمتع بتقنيات عالية مثل "S'parta"، و"Silver Spoon"، و"To the Lake"، لكن تظل الرؤية الغربية والأميركية هي السائدة فيما يتعلق بنمط تقديم شخصية من يحملون الجنسية الروسية، وبخلاف كلاسيكيات هوليوود الشهيرة التي تمتلئ في أغلبها بعنصرية مبالغ فيها ومحفوظة ضد كل من له صلة بهذه البقعة من كوكب الأرض، فإن الأفلام والمسلسلات في السنوات الأخيرة تسير على وتيرة متفاوتة، وإن كان فيلم "جسر الجواسيس" (2015)  Bridge of" Spies" من إخراج ستيفن سبيلبرغ، حاول أن يظهر بعضاً من التعاطف مع الجاسوس الروسي، فإنه أيضاً أظهر المسؤولين هناك بأنهم عديمو الرحمة ولا يلتفتون لأي لفتة إنسانية أبداً، وبالتالي كان ضابطهم فرانسيس غاري باورز "مارك رايلانس" الذي كان يتفاوض معه ممثل النيابة الأميركي جيمس دونفان "توم هانكس" محقاً حينما كان يردد بيأس على الدوام "would it help ـ هل هذا يساعد؟!"، الفيلم الذي استقبل بحفاوة نقدية وحصل مارك رايلانس عن دوره فيه على جائزة أوسكار كأفضل ممثل مساعد، بقصد ومن دون قصد، حاول إجراء مصالحة على الشاشة مع العنصر الروسي مثله مثل أعمال متعددة بدأت تتناقلها المنصات والشاشات في الفترة الأخيرة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

متى يظهر الروسي كإنسان عادي؟

تبدو تلك المحاولات بعيدة من كثيرين، وتظهر فكرة "أنسنة الروس" شديد الوطأة على نفوس بعض صناع الأفلام والمسلسلات ممن استهلكهم التناول النمطي لدور من يحملون تلك الثقافة في الإنتاجات العالمية الأكثر شهرة، وهو ما ينطبق على فيلم "Anna ـ آنا" الذي يبدأ بأحداث تقليدية عن جاسوسة روسية تعمل لصالح الاستخبارات في وطنها ويحاول العمل أن يظهر الفتاة على أنها ضحية، خصوصاً بعدما تظهر ضعيفة في بعض الأوقات وتعيش قصة حب مع ضابط الاستخبارات الأميركي، لكن طوال الأحداث لا يتمكن المشاهد من التعاطف بشكل كامل معها، كما يظهر المسؤولون الروس في العمل وأياديهم ملطخة بالدماء ويديرون مؤامرات القتل والابتزاز حتى ضد أقرب زملائهم، فيما البطلة الشابة تبدو "عادية" في بعض الأوقات، ولكن أغلب المشاهد تحير حيث يغلب عليها طابع الشر، والفيلم يشارك به كليان ميرفي وهيلين ميرين وساشا لوس "آنا" وهي ممثلة وعارضة أزياء روسية الجنسية من مواليد عام 1992، لا تزال تشق طريقها في السينما العالمية.

وهناك آنا أخرى هي جوليا جارنر في مسلسل "Inventing Anna ـ ابتكار آنا" أو "آنا تحت المجهر"، المحتالة التي تشبه قصتها كثيراً القصة الحقيقية التي عرضتها "نتفليكس" في فيلم وثائقي مشوق هو "محتال تيندر"، حيث تبدو الشابة المراوغة كأنها نسخة أنثوية من هذا المحتال، فقد حصلت على آلاف الدولارات جراء ادعائها بأنها منحدرة من عائلة ثرية كانت تعيش في ألمانيا وتحصل على مزايا فاخرة وهداية فارهة وعاشت بين أفراد المجتمع المخملي في نيويورك، عن طريق إدارتها لعبتها بذكاء، اللافت أن الفتاة الشابة كانت تفتح لها جميع الأبواب ولا يصدها أحد على الرغم من أنها لم تقدم أي بادرة على ثرائها سوى المظاهر، ولكن بمجرد أن شكك أحد في أصولها مشيراً إلى أنها ربما تكون روسية وليست ألمانية، انقلبت وجوه من أمامها، وكأنهم يتحدثون إلى "لعنة" متجسدة.

 المسلسل الأميركي الذي انطلق عرضه أخيراً يجسد المخاوف والرعب من الروس بشكل هيستيري على الرغم من محاولة تبرير تلك المخاوف درامياً، ولكنها لا تزال تصب في مصلحة فكرة النمطية السائدة، وهي أن حاملي تلك الثقافة يغلب عليهم العنف والخيانة وهم إما سارقون وإما من رجال المافيا والقتلة المرتزقة ودعاة الحرب، وعلى الرغم من كل هذه السذاجة في هذا الطرح فإنه يبدو "كليشيهاً" مفضلاً لكثيرين.

محاولات على استحياء

في حين يمتلئ الأدب الروسي بالروائع التي تحولت إلى أفلام ومسرحيات وحتى مسلسلات مهمة، ولكن تلك الأعمال انتشرت وذاع صيتها من خلال جهات عرض وإنتاج ليست روسية، لكن أخيراً أصبحنا نجد فيه عناوين روسية تتصدر قوائم العرض عبر المنصات الإلكترونية، ولكنها حتى الآن لا تزال تسير بخطى بطيئة وعلى استحياء بعكس الأعمال الفنية الكورية الجنوبية والإسبانية على سبيل المثال. هذا لا يمنع أن بعض مفردات الثقافة الروسية باتت رائجة مثل الدمية الروسية الشهيرة "ماتريوشكا ـ Matryoshka doll"، مما جعلها عنواناً لواحد من أنجح المسلسلات الأميركية في الأعوام الأخيرة وهو "الدمية الروسية - Russian Doll" بطولة وتأليف ناتاشا ليون، وتدور أحدثه في إطار كوميدي، حول البطلة ناديا التي تجد نفسها في حلقة زمنية مفرغة، بعد أن تموت في حادثة ثم تفاجأ بأن كل يوم يبدأ من جديد وتتكرر الحادثة، وكأنها تخرج من نفسها مراراً، وهي فكرة الدمية الروسية نفسها، إذ يجد مقتنيها دمية داخل أخرى وهكذا، فهل ستستفيد كيانات الإنتاج الروسية من هذه السوق الفنية المفتوحة، أم أن الاهتمام بهذا الجانب سيعود ليتراجع مجدداً؟

المزيد من فنون