Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لورانس العرب الضابط الملغز بين ضباب لندن وشمس الصحراء

ترجمة مختارات من كتاباته المهمة في حقلي الحرب والسلم

لورانس العرب الذي ما برح يثير الجدل (ا ف ب)

على الرغم من مُضي نحو تسعة عقود على وفاة الضابط البريطاني المثير للجدل توماس إدوارد لورانس، المعروف بـ"لورانس العرب" (1888 – 1935)، فإنه "لا يزال قادراً على شق الصفوف"، بحسب تعبير الصحافي الأميركي مالكولم براون. فهذا الضابط الملغز الذي لعب دوراً بارزاً في الحرب العالمية الأولى إلى جانب الشريف فيصل بن الحسين مستشاراً وضابط ارتباط مع القوات العربية، بين عامي 1916 و1918، ما فتئ يعود إلى الضوء بين فترة وأخرى، وقد شكل كتابه "أعمدة الحكمة السبعة"، الصادر في عام 1935، المترجم إلى سبع عشرة لغة، "عملاً يستعين به كثيراً ضباط الجيش الأميركي [...] من أجل إرساء النظام في العراق بعد الغزو الذي قادته الولايات المتحدة في مارس (آذار) 2003" (ص11). وها هو يعود إلى الضوء مجدداً مع صدور مختارات من كتاباته العسكرية، حرّرها وقدّمها مالكولم براون، وترجمها إلى العربية هيثم فرحت بعنوان "لورانس العرب في الحرب والسلم"، وأصدرتها دار الساقي.

شخصية مركبة

"كان توماس إدوارد لورانس محارباً مثيراً للجدل، ومخططاً عسكرياً لامعاً، ومحللاً سياسياً محنكاً، وفيلسوفاً، ومغروراً دائماً"، على حد توطئة مايكل كلارك، مدير "معهد السياسات الدولية" في لندن (ص11). و"كان شخصية مركبة من شخصيات عدة في شخص واحد: باحثاً وعالم آثار وجندياً ودبلوماسياً وكاتباً وناشراً وميكانيكياً..."، على حد تقديم مالكولم براون (ص30). وبالعودة إلى أحداث التاريخ، وعطفاً على هاتين الشهادتين، يمكن القول إن لورانس أداة فاعلة في المشروع الاستعماري الغربي، كانت مهامه تقضي بتأليب العرب على الأتراك العثمانيين، وتقديم المشورة والرأي لقادة القوات العربية، وتزويد الجنود بالخبرة الفنية، والمشاركة في الأعمال الميدانية، وكتابة التقارير التفصيلية عن سير العمليات. وقد نجح في تنفيذ هذه المهام على أفضل وجه، ما أدى، بالتضافر مع عوامل أخرى، إلى انسحاب العثمانيين من الجزيرة العربية وبلاد الشام وحلول الحلفاء محلهم، ودخوله التاريخ من الباب الواسع. أما لورانس كاتب المختارات التي بين أيدينا، فشخصية أخرى تضيف إلى الأبعاد المذكورة أعلاه وتتكامل معها.

نسخة منقحة

"لورانس العرب في الحرب والسلم" هو نسخة منقحة ومزيدة من مجلد صدر لصاحبه في عام 1991، واشتمل على تاريخ المراسلات السرية من الجزيرة العربية ومراسلات لورانس السرية، بينما تشتمل النسخة الحالية على المراسلات السرية بكاملها وعدد من "الكتابات الأخرى". وهي مختارات من التقارير التي كتبها لورانس، خلال تنفيذه المهام الموكلة إليه، بين أواخر عام 1916 وأواخر عام 1918، "تغطي تكتيكات الحرب المتطورة وتأملاته المريرة عن السلم في أحيان كثيرة". وتقدم شخصيته في أكثر حالاته تلقائية (ص12)، وقد وضعها محرر الكتاب في جزأين؛ "يظهر لنا الجزء الأول لورانس وهو حبيس قسوة الحرب وتحدياتها. أما الثاني، فيبين لنا لورانس وهو يحاول التكيف مع تداعيات الحرب في ظروف السلم"، على حد توصيف المحرر (ص21). وإذا كانت التجربة القاسية التي خاضها ذلك الآتي من ضباب لندن إلى شمس الصحراء تتمخض عن قدرات خارقة على التكيف مع أقسى الظروف الطبيعية والبشرية وقدمت لخائضها مادة أولية للكتابة جرى استثمارها في كتابه ذائع الصيت "أعمدة الحكمة السبعة"، وفي الكتاب الذي بين أيدينا وسواهما، فيبدو أن لورانس لم يخض تلك التجربة إلا ليكتبها، بأدق التفاصيل وأصغر الجزئيات، وهو ما نخرج به من قراءة الكتاب الحالي، فنحن إزاء كاتب مركب وكتاب متنوع.

مفرد بصيغة الجمع

بالدخول إلى المختارات، يمكن القول إنه قلما انطبق تعبير "جمع بصيغة المفرد" على كاتب كما ينطبق على لورانس، فتجتمع فيه أشياء من الأديب والرحالة والمؤرخ والجغرافي وعالم الاجتماع وعالم الأنثروبولوجيا والمحلل السياسي والمخطط العسكري، من جهة، وقلما انطبق تعبير "مفرد بصيغة الجمع" على كتاب كما ينطبق على "لورانس في زمن الحرب والسلم"، فتجتمع فيه أشياء من الأدب والرحلة والتاريخ والجغرافيا والاجتماع والأنثروبولوجيا والسياسة والحرب. وفيه يتحقق التعريف التاريخي للأدب بما هو "الأخذ من كل علم بطرف"، من جهة ثانية. ولعل هذا ما يذهب إليه محرر الكتاب ومقدمه باعتباره أن المراسلات "ليست مجرد تقارير استخباراتية من الميدان، بل محاولات مبكرة للتعبير الأدبي عن تجربته في الحرب أيضاً"، وأنها "ليست شروحات واقعية مقتضبة ليتم العمل عليها وتحويلها إلى نثر لائق في وقت لاحق. فهي حسنة الصياغة للغاية، وبشكل مثير للغاية في بعض الأحيان. إنها تنظم المعلومات المراد نقلها بوضوح وسلاسة. وتتحلى بالسمة المميزة التي لا لبس فيها لكاتب نوعي على نحو يجعل القارئ يرغب في مواصلة القراءة" (ص33).

تمثلات الشخصية

بالانتقال من التوصيف إلى التمثيل، يظهر الأديب في لورانس في حشده المختلفات في الحيز الورقي الواحد، فيجاور بين رصد التحركات ووصف الأماكن وتكوين الانطباعات وتصور السيناريوهات وتقديم التوصيات واستخلاص النتائج، بلغة دقيقة تتوخى الوضوح وتراعي مقتضى الحال. ويتجلى الرحالة في قيامه بتوثيق الرحلة باليوم والساعة والدقيقة، ووصف التفاصيل والجزئيات، ورسم خريطة جغرافية للمكان بالكلمات، وتحديد مسار الرحلة وتوقيتها وأدواتها. ومن ذلك قوله: "وفي السابعة مساءً، عبرنا منطقة من الرمال والشجرات المتحركة، بعرض نحو 500 ياردة، لكن بعمق قدم واحدة فقط. ربما كان من الممكن التحايل عليها، لكن كان الظلام دامساً. بعد ذلك، بين 7:30 و8 مساءً، عبرنا حفراً رملية مشابهة شتى، لكنها أصغر، وحفرة أعمق في 9:20 مساءً. أما في 9:30 مساءً، فتوقفنا وخلدنا إلى النوم" (ص73). ويتبدّى المؤرخ في تحديد تواريخ جميع الأعمال التي شارك فيها أو شهد عليها، ووصف العمليات العسكرية، ورصد حركة القوات. ويتمظهر الجغرافي في وصف طبيعة الأرض وذكر أنواعها وتحديد الاتجاهات ورسم الخرائط بالكلمات، كقوله: "وصلنا في 6:30 مساءً قاع المعبر (وهو الآن جرف شديد الانحدار ووعر)، وسلكنا طريقاً يمر قليلاً إلى الشمال من بئر سعيد عبر نظام أعقد من الوديان والتلال الصغيرة، مع وجود بعض الوديان الكبيرة من جهة الجنوب أو الجنوب الغربي، وكتل رخوة من الحمم البركانية هنا وهناك..." (ص79، 80).

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويتمثل عالم الاجتماع في إبداء ملاحظات دقيقة ونظرات ثاقبة واستخلاص نتائج تتعلق بالقبائل والعرب، فيشير إلى استغناء القبائل عن الحكم المركزي بالقول: "ودوماً كانت الحكومة العليا في المناطق العربية حالة زائدة، لا تزعج الناس إلا عندما تمسهم" (ص91). ويشير إلى فردية العربي في القتال بالقول: "لكنهم فرديون للغاية لتحمل الأوامر أو القتال بالنسق أو مساعدة بعضهم بعضاً. وأعتقد باستحالة تشكيل قوة منظمة منهم" (ص95). ولعل الكاتب يقصد الفردية في ما يتعدى النظام القبيلي باعتبار أن العربي ينخرط في أنشطة القبيلة ويتناغم معها وينصر أخاه ظالماً أو مظلوماً، الأمر الذي تفسره ملاحظة أخرى ثاقبة يتناول فيها علاقة العربي بالدولة حين يقول: "إن السياسة البنّاءة، والدولة المنظمة، والإمبراطورية التوسعية، ليست فوق طاقاتهم فقط، بل هي لعنة على غرائزهم. فهم يقاتلون من أجل التخلص من الإمبراطورية، وليس الظفر بها. والوحدة الوحيدة الممكنة هي تلك التي يفرضها النفوذ أو السيطرة الأجنبية عليهم" (ص101). ومع الأسف، تأتي الأحداث اللاحقة لتثبت أن لورانس كان ثاقب النظرة ودقيق الملاحظة إلى حد كبير. إلى ذلك، ثمة تمثلات أخرى في الكتاب لهذه الشخصية المركبة لا يتسع المقام لذكرها.

"لورانس العرب في الحرب والسلم" يقدم معرفة بشخصية غامضة من خلال كتاباتها الواضحة، ويُضيء لحظة تاريخية حرجة في تاريخ العرب، ويزخر بالكثير من الدروس والعبر، ويستحق القراءة العميقة، لعلنا نعتبر، ولو بعد فوات الأوان.

المزيد من ثقافة