Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

من نافل القول التكرار

تتخذ روسيا بوتين من مفهوم "الفوضى الخلاقة" النهج والسبيل لفرض مصالحها ونفوذها

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يحضر اجتماعاً بالفيديو لمنظمة معاهدة الأمن الجماعي لبحث الوضع في كازاخستان (أ ف ب)

فكّرتُ كثيراً في كتابة مقالة هذا الأسبوع، وبدا لي أنني أكرر نفسي في ما أكتب. فتساءلت: هل على الكاتب أن يأتي بالجديد، أو على الأقل أن يأتي بالجديد فيما يكرر؟

لم أحتر كثيراً، فالإجابة مطروحة في الشارع، أو كما قول الجاحظ، إن المعاني حيثما ولّيت وجهك، بمعنى ما: أن ما كان سيكون. لكن لندَع المبحث الفلسفي في المعاني، واللغوي في الدال والمدلول.

ولنقف عند حالتي، عند تجهيزي لكتابة مقالي الأسبوعي، فمن لزوم ما يلزم، أن أتابع الأحداث الرئيسة، وأن أُعمل الفكر فيها، كي أكتب ما لم أكتب قبل. قلت لنفسي: لا بأس من أن أكرر ما أكرر، فالعالم مجبول على التكرار، أجابت نفسي: هذا الحاصل يحصل في مجمل الحياة، فلا تبرر ما تفعل، بأنه نتيجة محتومة، فالأيام تتراص، كما فصوص عقد، لكنها ليست الأيام. تركتُ النفس، ونظرت في ما يحدث.

هذه الأيام، لاحقتُ الأخبار، على عكس ما حدث معي في الأسبوع الماضي، إذ كانت تلاحقني. ومنها ما حدث في بلاد الكازاخ، الحدث الذي كما صفحة طُويت في لمح البصر، ما خلفيته حاضرة بضراوة في الهيمنة الروسية، المثقلة بالشبح السوفياتي، المتجسّد في المسألة الأوكرانية.

ومن شبح الاتحاد السوفياتي، بزغت روح الحرب الباردة، هكذا وكأن ما كان سيكون، وأن الأمم الكبرى لم تطوِ بعد ورقة عالم بقطبين، هذا العالم ما يُشبه صاحب الدكان المفلس، من يستعيد دفتر الديون القديمة. مما تقدم، تتلاحق الأخبار وتتلاقح، وتنعكس في ربوع الدنيا، لكنها أخبار بائتة، ومستعادة من ثلاجة تاريخ ولّى، إذ ليس بمستطاع التاريخ، أن يعيد نفسه. لكن أيضاً التاريخ، ملزم بتصفية حساباته.

ما تُرك ولم تُقفل حساباته يبقى على الطاولة، من هذا تعاود الأحداث نفسها، ومنه أن الحروب بالوكالة التي كانت قائمة زمن الحرب الباردة لم تطوِ أوراقها بعد. فروسيا بوتين تظهر وكأنها وكيل الاتحاد السوفياتي في تأجيج حروب كهذه، وحتى التهديد بالحرب.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أما من جهة الحروب بالوكالة، فالشرق الأوسط وأفريقيا يغصّان بها، متجسدة في حروب أهلية، وانقلابات عسكرية. وفي هذا، ثمة مستحدث، جيش روسي يُدعى جيش شركة "فاغنر"، من مهماته أن يقاتل مصالح ونفوذ الغرب، فيستعيد الروح الغائبة: أجواء حرب باردة.

في ليبيا قبالة جنوب أوروبا، لا طحين حرب، لكن ثمة عجيج التهديد بالحرب، وفي مالي، تقوم شركة "فاغنر" للقوات المسلحة بمحاولة لإعادة إنتاج الفيلم الأميركي الطويل: أفغانستان "طالبان".

وفي هذا تتخذ روسيا بوتين من مفهوم "الفوضى الخلاقة"، النهج والسبيل لفرض مصالحها ونفوذها. وكأنّ الفوضى الخلاقة، الروح المستجدة لحرب باردة، لا يستطيع بوتين ولا يريد استدعاءها، لكن يريد أن يكون الشريك في مبدأ الفوضى الخلاقة. بدعم قوي من الصين، المُعلنة ضدها الحرب التجارية، من قبل الداعم السابق: الولايات المتحدة، ما جعل الرئيس الصيني يعتبر هذه الحرب التجارية حرباً باردة جديدة أو كما قال.

لا يمكنني أن أستبعد من سيناريو كهذا، كل ما يحدث في المنطقة، ومنها حتى ما يحدث في السودان وتونس وسوريا واليمن، حيث الدور الأميركي، ما يعلن عن انسحابه من الشرق الأوسط، ثم نجده منغمساً انغماساً "داعشياً"، في تفاصيل تفاصيل ما يحدث. وطبعاً لا يمكن استبعاد أن أفريقيا باتت ساحة المعركة الحالية، وقد تكون الأخيرة، لدفن شبح الاتحاد السوفياتي، بالتالي مرحلة ما بعد الاستعمار.

الصراع الدائر اليوم بين الولايات المتحدة والاتحاد الروسي، كما تصفية حسابات قديمة، يتم في القارة العجوز أوروبا. لكن الصراع المستجد، كما جائحة كورونا، متسارع المتحولات، ساحته القارة الأفريقية، الهدف الآني، ما يغطي الساحة الأهم: القارة الآسيوية، ما تحت تهديد التنين الصيني.

إن ما يتكرر، مثلما قفل حسابات مفتوحة، فـ "عالم ما بعد الحرب الكبرى الثانية، عالم ما بعد الاستعمار، عالم ما بعد الاتحاد السوفياتي"، ما ما زال حياً ولم يُدفن بعد. وما يبان من تكرار، تكرار بحكم الضرورة، لأن ما فات لم يفُت بعد، فالقديم يكرر وجوده، إن لم يلد الجديد، وميلاد الجديد، حصل في ما سبق بحروب كبرى.

لكن مع انبثاق عصر الذرّة، ثم في العصر السيبراني، تتساقط الدول مثلما الثمار الفاسدة، وتنتهي الأنظمة كما تذوب الأكاذيب. وليس ببعيد، تساقط دول الاتحاد السوفياتي، ثم انهيار بنيانه المرصوص، لقد تبدد في الأثير، وفي هذا الأثير، عالم آخر لم يولد، لكنه يدق الأبواب.

المزيد من آراء