ملخص
أثار تنفيذ الحكم غضب المتشددين، الذين صعدوا هجماتهم على قاليباف والرئيس مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي. ويرى محللون أن الإجراءات القضائية قد تعكس محاولة لاحتواء التيار المتشدد، بينما تزداد الخلافات حول فرص التوصل إلى تسوية مع واشنطن والعودة إلى تفاهم إسلام آباد.
فيما يبدو محاولة للسيطرة على التيار المتشدد الرافض للتفاوض مع الولايات المتحدة وإنهاء الحرب، حُكم على عضو بارز من التيار المتشدد في البرلمان الإيراني، بالسجن بعدما دين في قضية تعود إلى عام 2024 بنشر معلومات كاذبة بقصد الإضرار برئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، الذي يشغل أيضاً منصب كبير المفاوضين الإيرانيين مع الولايات المتحدة.
ووفق تفاصيل أوردها مراسلو "نيويورك تايمز"، فإن حميد رسائي رجل دين ينتمي إلى حزب "بايداري" السياسي المتشدد، دأب على مهاجمة فريق التفاوض الإيراني ومعارض لأى اتفاق دبلوماسي مع الولايات المتحدة لإنهاء الحرب، لذا فإن الحكم بسجنه ربما يعكس انقسامات عميقة داخل القيادة الإيرانية وسط تصاعد الصراعات الداخلية بين المسؤولين الحكوميين.
وتعود القضية المرفوعة ضد رسائي إلى عام 2024، حين نشر مقالة في الصفحة الأولى لصحيفة محافظة كان يشرف عليها، اتهم خلالها قاليباف بـ"التلاعب بالوثائق الرسمية للبرلمان" ووصفه بالديكتاتور، مما دفع قاليباف لرفع دعوى قضائية ضده. وفي يونيو (حزيران) الماضي، أصدرت المحكمة حكمها النهائي ضد رسائي بالسجن 10 أشهر.
واستدعي رجل الدين المتشدد إلى سجن إيفين داخل طهران في الـ15 من سبتمبر (أيلول) الماضي، حيث سلم نفسه الأحد الماضي. ووفقاً لتقارير إخبارية إيرانية رسمية، فإن رسائي محتجز حالياً في جناح السجن المخصص لرجال الدين، وهو أول نائب في منصبه يُسجن. وقال رسائي في رسالة مصورة نشرتها وسائل الإعلام الإيرانية قبل تسليم نفسه "يريدون إرسالي إلى السجن، ولا أشعر بأي خجل على الإطلاق". وأضاف أن المتورطين في الفساد و"الانقلاب" يجب أن يخجلوا.
وفي تصريحات علنية سابقة ومقابلات مع التلفزيون الرسمي، دأب رسائي على اتهام حكومة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بـ"الانقلاب". وفي إحدى المقابلات التلفزيونية، قال إن فريق التفاوض يتحدى المرشد الأعلى الجديد، آية الله مجتبى خامنئي، ويجبره على قبول شروط واشنطن لإنهاء الحرب، مصراً أن "هذا الانقلاب قائم، ولا يمكن إنكاره".
كبح جماح المتشددين
ووفق المراقبين في واشنطن، فإن هذه القضية أصبحت أحدث بؤرة توتر في ظل الانقسامات التي تعصف بالقيادة الإيرانية في شأن الحرب مع الولايات المتحدة، إذ يتصارع المسؤولون حول خيارين، إما تقديم تنازلات والتوصل إلى اتفاق، أو مواصلة الحرب. ويمثل قاليباف الجانب البراغماتي المؤيد للمفاوضات، في حين يعد رسائي الوجه الأبرز للمعارضة الرافضة لأي اتفاق.
ويقول مراقبون إن قرار السلطة القضائية بمقاضاة رسائي يُنظر إليه في الغالب على أنه محاولة لكبح جماح المتشددين الذين يتسم سلوكهم بالصخب والعنف أحياناً، وقاعدتهم الداعمة، فيما تذكر تقارير إعلامية أن أنصار هذا التيار المتشدد اعتدوا جسدياً على بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي خلال جنازة آية الله علي خامنئي، المرشد الأعلى الذي قتل في العملية الجوية الأميركية في بداية الحرب.
ويرى مدير برنامج دراسات الشرق الأوسط في جامعة جورج واشنطن سينا أزودي إنه "من خلال مقاضاة أحد أبرز منتقدي الانخراط في حوار مع الولايات المتحدة، يسعى النظام إلى توجيه رسالة داخلية لبقية المعارضين مفادها أنه لن يتسامح مع أي معارضة في حال إبرام اتفاق".
انقسامات عميقة
الانقسامات داخل صفوف القيادة الإيرانية أصبحت علانية في الأشهر القليلة الماضية. ففي اليوم التالي للمحادثات المطولة غير المباشرة التي جرت من طريق الوسطاء بين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي والمبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في الـ22 من سبتمبر الماضي، اتهمت وكالة أنباء "تسنيم"، التابعة لـ"الحرس الثوري الإيراني" عراقجي بالتفاوض دون تفويض، وطالبت باعتذار رسمي. وشن المتشددون الإيرانيون هجوماً على عراقجي، إذ وصف المتحدث باسم "لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية" في "مجلس الشورى" إبراهيم رضائي هذا الاتصال بأنه "اجتماع غير قانوني"، و"علامة ضعف".
وأدى سجن رسائي إلى تأجيج الانقسامات، وهيمن الغضب على التجمعات الليلية التي ينظمها المتشددون منذ اندلاع الحرب. ووفقاً لمقاطع فيديو متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، هتف حشد كبير في تظاهرة الأسبوع الماضي بمدينة بوروجرد "قاليباف، أطلق سراح رسائي". وفي مسيرات أخرى في طهران، طالبت حشود بمحاكمة قاليباف بتهمة "تدبير انقلاب"، ورددت هتافات مناهضة للقضاء، وفق ما أظهرت مقاطع الفيديو.
وفي تحليل مصور نشره عبر حسابه على وسائل التواصل الاجتماعي الخميس الماضي، قال المحلل السياسي في طهران أحمد زيد آبادي والمقرب من التيار الإصلاحي في الحكومة إن اعتقال رسائي كان مدفوعاً بدوافع سياسية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ووفق "إيران إنترناشيونال"، فإن سجن رسائي أدى إلى تفاقم الانقسام في صفوف المحافظين الإيرانيين، إذ واجه أولئك المتشددون معارضة شديدة من محافظين آخرين، بمن فيهم رئيس تحرير موقع "مشرق" الإعلامي التابع للحرس الثوري الإيراني، إذ صرح الأسبوع الماضي بأن المتشددين يتعاملون مع القضاء بانتقائية، فيشيدون به عند معاقبة خصومهم، بينما يهاجمونه بشدة عند إدانة أحد أفراد معسكرهم.
وصعد المتشددون في الأيام الأخيرة هجماتهم ضد خصوم سياسيين يؤيدون تسوية النزاع مع الولايات المتحدة عبر المفاوضات والعودة إلى "تفاهم إسلام آباد". وقد تجمعوا أمام منزل الرئيس السابق حسن روحاني الذي يتهمونه بالخضوع للغرب، وطالبوا بمحاكمته ووزير خارجيته السابق محمد جواد ظريف.
وهتفوا ضد الرئيس بزشكيان ووصفوه بـ"المتسلل" أثناء عودته من نيويورك، بعدما حضر اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. وقدم المتشددون أيضاً مذكرة لعزل وزير الخارجية عباس عراقجي بسبب لقائه ويتكوف، وأطلقوا حملة عبر الإنترنت تطالب بإقالة الرئيس الإيراني.
ويقول مستشار الأبحاث لدى معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدني باتريك كلاوسون إنه كثيراً ما كانت الصراعات الداخلية جزءاً من سياسة طهران، لكن غياب سلطة عليا تفصل بين الأطراف المتنافسة يشكل تطوراً جديداً.
ويضيف أنه نظراً إلى الصراعات السياسية الداخلية في إيران، من المتوقع أن تسعى بعض الأطراف هناك إلى تعزيز مكانتها السياسية الداخلية، من خلال تخريب أي اتفاق. فمنذ وفاة المرشد الأعلى علي خامنئي تفتقر البلاد إلى شخصية تملك الكلمة الفصل وتستطيع منح المفاوضين تفويضاً حاسماً. ولم يضطلع مجتبى خامنئي بهذا الدور منذ توليه القيادة، ولم تتناول رسائله العامة هذا الأسبوع سوى العام الدراسي الجديد وتقديم التعازي بوفاة أحد كبار آيات الله. وفي حين أصر بزشكيان على أن مجتبى خامنئي وافق على مقترح السلام الإيراني الممتد لسبعة أيام، إلا أن المرشد الأعلى لم يعلق رسمياً على العرض. وربما يتجنب نفي ذلك علناً، أو يفضل التزام الصمت لتجنب كشف حدود سلطته. وفي كلتا الحالتين، لا يمكن توقع أن يقدم مجتبى خامنئي دعماً حاسماً لأي اتفاق.