Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الغرافيتي مرآة أزمات المجتمع والفوضى الخلاقة

يأخذ من رقي الفنون التشكيلية وعبث التجريدية ويشكّلها بحسب المناسبة والمعاناة ويقدم فنّاً للبسطاء

رسم غرافيتي في أحد أحياء بيروت (فريق أشكمان)

"إن أردت أن تعرف ما يجري في مدينة من المدن، أنظر إلى جدرانها" رمى أحد رسامي الغرافيتي المجهول الهوية هذه العبارة في وجه العالم.

قد تتماهى هذه العبارة مع المقولة المشهورة "اعرفوا أسرارهم من أطفالهم". فالأطفال لا يحسنون كتمان سرّ وكذلك رسام الغرافيتي الذي يكشف بلاده مهما كانت "راقية" على جدرانها، بخاصة تلك الأكثر بؤساً ووجعاً. ومثلهم الأطفال الذين ما إن يمسكوا قلماً حتى تغريهم جدران منازلهم لتسطير أول عبثهم وتعبيرهم، مع استياء من الأهل في أغلب الأحيان.

ويقال إن والدة جبران خليل جبران رأت في خربشات طفلها على الحائط إبداعاً، فسمحت له أن يخربش على جدران المنزل بطيبة خاطر وفرح.

الفن الأول

منذ أجيال والكل ربما مارس فن الشارع الغرافيتي بطريقة أو بأخرى منذ أيام الكهوف ورسومها إلى الثورات، مروراً بالخربشة على جدران المنزل، وكتابة الأسماء على مقاعد الدراسة، أو حفرها على الأشجار والمقاعد العامة، ومقاعد النقل العام، وأبواب وحيطان المدارس، وكان أجرأها تلك التي كتبت على أبواب الحمامات في المدارس والجامعات. 

فالغرافيتي هي الطفولة المشاكسة داخلنا. هي روبن هود الفنون الذي يأخذ من رقي الفنون التشكيلية وعبث التجريدية، ويشكّلها بحسب المناسبة والمعاناة ويقدم فنّاً للبسطاء.

حنظلة غرافيتي العرب الأشهر

وقد رسم الفنان الكاريكاتوري الفلسطيني الراحل ناجي العلي على جدران مخيم عين الحلوة في لبنان حيث كان لاجئاً، ورسم على جدران سجنه بعدما اعتقلته القوات الإسرائيلية. وعندما رأى الأديب والصحافي الفلسطيني الراحل غسان كنفاني رسومه نشرها له في مجلة "الحرية". وأصبحت شخصية حنظلة الصبي ذو العشر سنوات الذي يدير ظهره ويعقد يده خلفه أيقونة أعماله وتوقيعه الخاص منذ عام 1967. 

ولم يوفر العلي انتقاداً تجاه السلطات الإسرائيلية أو القيادات الفلسطينية والأنظمة العربية إلا عبّر عنه في رسوماته قبل أن يقتل عام 1987. واختلفت الآراء حول ضلوع الموساد أو المنظمات الفلسطينية باغتياله برصاصة وهو متوجه إلى عمله في جريدة القبس الدولية في لندن.

وقد استخدم فنانون حول العالم الرمز حنظلة كدلالة على الظلم الذي يتعرض له الناس، ورُسم هو ومبتكره العلي على الجدران في رام الله.

الجدران الفاصلة 

لرسام لغرافيتي الجدران الفارغة هي المكان الذي ينادي الألوان والأفكار فيه. تغري الجدران والأماكن أصحاب الموقف والموهبة في آن لكسر رتابتها وصمتها. وتكسو الرسوم والكلمات والجمل الجدران والأنفاق ومحطات القطارات في العالم. يرسمها الناس بكتابة أغلبها فوضوية، بعضها يهدف إلى تسجيل موقف أو نقل رسالة أو تزيين حائط أو تخريبه.

هذه الخربشات تعطي المدن هويتها. ولقد قوننت بعض الدول هذه "الفوضى الفنية" من خلال ترك مساحات لها للكتابة من دون إذن مسبق على جدران معينة، وحيث تحتاج جدران أخرى لتصاريح.

قد يكون من أهم الجدران تلك التي تفصل الدولة، وتكون لها دلالات ومفاصل تاريخية في العالم، مثل حائط برلين الذي قسم العاصمة عام 1961، والذي سقط عام 1989. وحائط الفصل في فلسطين المحتلة الذي بناه الإسرائيليون وجذب الكثير من فناني العالم للكتابة والرسم عليه من الجهتين.

الشخصية المجهولة والتوقيع

عدد من الحيطان المخصصة والمعارض في دول العالم لرسامي الغرافيتي لم تحصر هذا الفن في أماكنه، فهو بالأصل متفلت خارج عن القانون.

كما أن شخصياته قد تبقى مجهولة وغامضة مثل الإنجليزي روبرت بانسكي الذي يوصف بأنه الفنان الملتزم والأكثر غموضاً وشهرة في العالم والمعروف بلقب "الشهير المجهول"، الذي بسلاحه أي بخاخات الصباغ غزا جدران العالم. وواحدة من أشهر رسومه الساخرة على الجدار الفاصل في بيت لحم حيث رسم فتاة مدرسة فلسطينية تفتش جندياً إسرائيلياً مدججاً بأسلحته.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يقول EpS وهو فنان غرافيتي لبناني لديه توقيع رسم القرد لـ "اندبندنت عربية"، أنه يفضّل أن تُعرف رسومه وليس وجهه ولا اسمه، لأن العمل هو الأهم، وقد رسم أخيراً على حائط أوتيل لوغراي في بيروت بعد تفجير آب (أغسطس) الماضي كلمة Hope الأمل مع حمامتي سلام. ويضيف أن السبب ليكون فنان الغرافيتي مجهول الهوية هو ملاحقة السلطات له، كما يحدث مثلاً في أوروبا وأميركا حيث تضطر الدولة إلى تكبد الكثير من الأموال لإعادة صبغ الأماكن.

في السياق ذاته يقول عمر قباني الذي أنشأ مع أخيه محمد فريق أشكمان لـ "اندبندنت عربية"، أنهما يوقعان بحرف الشدّة ( ّ) على رسومهما التي انتشرت في لبنان ودول العالم أيضاً. و"الشدة للشد على حرف معين ونحن نعنيها الشدّ على موقفنا لنوصل رسائلنا الاجتماعية والسياسية". بدأ أشكمان عام 2001 بفن الغرافيتي بالعربي، بأسلوب الغاليغرافيتي يخلط الخط العربي القديم بالغرافيتي. 

من الفراغ المقفل إلى الشارع

بدأ EpS الرسم بعمر 14 سنة وشعر أن هذه اللغة تشبهه وبدأ برسم نماذج صغيرة، ومنذ عام 2010 يرسم على حيطان بيروت وفرنسا وألمانيا وإسبانيا ودبي وسيرلانكا. ويشارك في معارض ورسم جدران بالشخصيات والأحرف. ويستخدم البخاخ غالباً، وأحياناً يحتاج إلى رولو للأماكن العالية أو ذات اللون الواحد. 

ويقول "عندما نرسم على حائط تخرج الرسمة عن سيطرتنا وتصبح بمتناول الجميع ولا عمر محدد لها، قد يأتي أي أحد ويرسم فوقها أو تدهنها السلطات، أو يأتي رسام غرافيتي آخر أو يفسدها أحد ما".

وتقول مريم غانم المهندسة المعمارية لـ"اندبندنت عربية"، إن الغرافيتي جذبها منذ أيام الجامعة. وشاركت في معارض رسم في فضاءات مغلقة لجمهور معين إلى أن انتقلت إلى الفراغات الأكبر في الشارع، والتي تحتوي شريحة كبيرة ومتنوعة. 

رسمت مريم الغرافيتي أول مرة على حائط قرب سوق الأحد بشكل غير قانوني، في المكان الذي يرسم فيه الكثير من فناني الغرافيتي بعد منتصف الليل، ولا تصمد الرسمة أكثر من أسبوعين حيث يأتي رسام آخر يصبغ الحائط  فيمحي ويرسم.

"وفي عام 2014 أثناء الحصار والعدوان على غزة قررت بدء الرسم في الشارع كي أعبّر عن موقفي من المجازر وانتهاك حقوق الإنسان والطفل". رسمت مريم حينها ست جداريات، كلّ واحدة تحكي قصة طفل كيف قتل وكيف كان وضعه مع اختيار كلمات أغنيات تشبه قصصهم كما تقول.

وترسم مريم الجداريات عادة بالريشة. ومن أعمالها التي تحبها جدارية في بلدتها الجنوبية عيناتا، وهي "رقصة التحرير" كما أسمتها، نقلت أجواءها من صورة شهيرة أيام تحرير الجنوب عام 2000. كما رسمت على جدار كفركلا الفاصل بين لبنان وفلسطين حنظلة في ذكرى اغتيال غسان كنفاني "وهي الشخصية التي ابتكرها، ورسمتها في أقرب مكان إلى فلسطين". وتقول بأن أغلب عملها عبارة عن أفكار أردت توثيقها لقضايا تؤمن بها.

وتضيف بأن الغرافيتي تعبير احتجاجي وعدم رضا عن واقع معين كما حصل في "ثورة 17 تشرين". ولكن الجدران كانت تصبغ من جديد كلّ مرة، ما يظهر أن هامش الحرية في التعبير ليس كبيراً.

من جهته يقول EpS  بأن الغرافيتي بطريقة غير قانونية فيه مخاطرة عالية بأن يتعرّض صاحبه للملاحقة والتحقيق، لذا فالعمل ينجز بسرعة. أما في لبنان "فالأمر غير واضح، فلا أحد يعتبره قانونياً أو غير قانوني. ونحن عادة لا نأخذ تصاريح من البلدية. نختار الحيطان وعادة تكون عامة ومتسخة، ونبدأ بالرسم لنجمّلها. والبعض يعتبر أنه عملٌ تخريبي وهذا رأيهم. أما إذا كان المكان بيتاً أو محلاً تجارياً فعادة يتم الاتفاق مع صاحب الملك".

ويضيف بأن الغرافيتي يقبع في داخله ويلح عليه بالخروج من وقت إلى آخر ليشعر بالاكتفاء الذاتي، ويتمنى أن تمنح الرسوم الناس شعوراً رائعاً.

أما عمر من فريق أشكمان فيخبر أنهم يبحثون عن حيطان في أماكن يستطيع الناس رؤيتها وواجهات بنايات في أماكن متروكة لتجميل شكلها، "ونضع الألوان لتحسن حياة الناس إيجابياً. ونحن مرآة المجتمع لما يحدث حولنا في لبنان والخارج".

وقد رسم عمر ومحمد في عدد من البلدان مثل الإمارات وقطر والسعودية والكويت وسويسرا وبريطانيا وأرمنيا والسويد. وكلها "بالخط العربي ما يميزنا خارج الدول العربية".

رسوم مشتركة

يقول EpS إنه من السهل التقاء فناني الغرافيتي أكثر من أي فن آخر إن في لبنان أو في الخارج على حائط واحد، مما يجعل التفاعل رائعاً "فنتعلم من بعضنا البعض ونطور أساليبنا".

ويخبر عمر أن من أهم المشاريع التي شارك فيها سكان المنطقة كان في طرابلس، في مشروع أسموه "أوبرايشن سلام". كان بين باب التبانة وجبل محسن حيث دارت الاشتباكات المسلحة "استعنا بـ30 شاباً كان من بينهم منخرطون بالقتال، وكتبنا على أسطح مبانيهم كلمة سلام على مدى 1.4 كلم، وممكن رؤيتها من الفضاء. وكانت لها رمزية أنهم تركوا سلاحهم ومسكوا فرشاة الرسم وكتبوا كلمة سلام".

خارج الترويض

على رغم المحاولات الحثيثة لم تقوَ السلطات على ترويض رسامي الغرافيتي تحت شعار الجداريات التجميلية. وما زالت بعض الدول تدفع مئات آلاف الدولارات سنوياً لإزالة الغرافيتي عن جدرانها. 

ويبقى الغرافيتي الأزمة التي ترسم نفسها على الحيطان بأيادٍ مبدعة حيناً ومخربة أحياناً، ناطقة بمكنونات الحمولة النفسية للأفراد ولثقافتهم ومجتمعهم وتعابيرهم التي قد تصيب وجدان الشعوب أحياناً، وتكون شخصية أحياناً أخرى. وقد تحمل كلام حب وأسماءً وقلوباً وشتائمَ وأفكاراً وطرائف وأخطاء لغوية وإملائية، كلها بحسب من يحمل البخاخ الملون أو الريشة.

المزيد من فنون