Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هويدا صالح تجدد السجال حول قصيدة النثر المصرية

تتناول الناقدة بلاغة التشكيل الجمالي والمعايير التي فتحت آفاقاً شعرية جديدة

الشاعر كما يراه الرسام السوري سعد يكن (صفحة الرسام على فيسبوك)

تنطلق الناقدة المصرية هويدا صالح في كتابها "بلاغة التشكيل في قصيدة النثر: قراءات جمالية في نماذج مختارة" (دائرة الثقافة- الشارقة)، من وصف هذه القصيدة بـ"خيار جمالي يقدم بناءً وفضاءً شعرياً بمعايير فنية مغايرة للصورة الذهنية السائدة منذ قرون طويلة بخصوص الشعر المعتمد على الوزن وتفعيلاته". وهي في كتابها هذا لا تدعي- كما تقول- الحفر الأفقي في المشهد الشعري المصري في محاولة بانورامية لاستقصائه، وإنما الحفر إلى الأسفل، لأخذ شريحة صغيرة من شجرة مترامية الأطراف.

التشكيل الجمالي في الشعر يعني، في تصور الكاتبة التي سبق لها أن أصدرت عدداً من الروايات والمجموعات القصصية والكتب النقدية اللافتة، الوقوف على أسرار تكوين النص شكلاً ومضموناً، وما يتعلق بها من قراءات معمقة لطبقاته. فالنص يتكون من طبقات لا تسلم قيادها بسهولة من القراءة الأولى وإنما تحتاج إلى تأمل وتحليل واستنطاق خطاباته المنضوية في ثنايا تلك الطبقات. وتشير في هذا الصدد إلى أهمية وعي الشاعر بأدوات التشكيل التي تتيحها له لغته وما تحمل من طاقات شعرية مميزة، وصوره التي تفارق المجاز القديم وتكون واعية بذاتها وبآليات تشكيلها من لون وحركة وصوت. إضافة إلى ثقافة الشاعر التي تسمح له بأن يرفد نصه من حقول معرفية متنوعة؛ مثل التراث والتاريخ والأسطورة والفلسفة وعلم النفس والفن التشكيلي والسينما وغيرها من حقول معرفية، مما يتيح إنتاج نص يسمح للناقد بأن يدرس التشكيل الجمالي فيه ويكشف عن التجربة الشعرية في المتخيل الشعري لهذا الشاعر.

تطبيق أول

يتكون الكتاب الذي يتألف من 223 صفحة، من مقدمة وستة فصول، وخاتمة عامة. الفصل الأول عنوانه "الاشتغال البصري في قصيدة ما بعد الحداثة"، وفيه تطبيق على ديوان "مراثي الملائكة من حلب" للشاعر كريم عبد السلام. وتقول هويدا صالح، إنها بدأت بهذا الديوان الصادر عام 2015 عن دار "الجديد"، لكونه وثيق الصلة بمفهوم التشكيل الجمالي والتصور الأقرب للتعبير عنه. وتضمن هذا الفصل محاور عدة منها: السمات الجمالية لقصيدة ما بعد الحداثة، ضبط مجال اشتغال الفنون البصرية. أما الفصل الثاني، فحمل عنوان "جماليات قصيدة النثر المصرية"، وفيه تطبيق على ديواني "الخروج في النهار" (دار ميريت 2014) و"يارا" (دار روافد 2015) للشاعر محمد رياض. وحمل الفصل الثالث عنوان "بلاغة التفاعلات النصية في المتخيل الشعري"، وفيه تطبيق على ديوان "كلارنيت" (بيت الشعر في الأقصر 2021) للشاعر كرم عز الدين. وجاء الفصل الرابع تحت عنوان "بلاغة الجدل بين الأنا والآخر"، وفيه تطبيق على ديوان "يده الأخيرة" (دار أروقة – 2018) للشاعر محمد الحمامصي. والفصل الخامس عنوانه "بلاغة الموت وشعرية الألم" وفيه تطبيق على ديوان "كتاب المشاهدة" (دار ميريت – 2019) للشاعرة حنان كمال.

أما الفصل السادس والأخير، فخصصته صالح لأسئلة التشكيل الجمالي، علماً أنه يعالج مواضيع عدة، من بينها "التلقي الحديث للبلاغة العربية"، بهدف استجلاء جماليات التلقي، والوقوف المتأمل حيال المناهج الحديثة واتجاهاتها المعرفية، وبيان مدى المقاربة المنهجية إزاء البلاغة العربية. وهذا ما يحدث توازناً– بحسب تعبير المؤلفة– بين المناهج النقدية وفق علاقتها بمفاهيم القراءة والتلقي، وأثر ذلك على مسارات الدرس البلاغي الحديث بحثاً وتعليماً. وقد خلصت في هذا الفصل إلى نتيجة عامة مفادها أن القيمة التاريخية للعمل الأدبي تبقى مادة أولية، طالما هي كامنة في النص حتى تبلغ وعي القارئ. وتضيف استناداً إلى ذلك أن الأحق بكتابة تاريخ للأعمال الأدبية هو القارئ؛ ما دام يعيد إنتاج الدلالة. واعتمد الفصل الأخير منهج التلقي، ومن ثم قسمته المؤلفة إلى مقدمة عن التشبيه وكيفية اعتباره رؤية جمالية للعالم لدى الشاعر العربي، وثلاثة محاور، أولها يستجلي مسارات التلقي وارتحال التشبيه كأحد حمولات المعنى، والثاني يستجلي التلقي القديم للبلاغة العربية، ويبحث الثالث في التلقي الحديث للصورة الفنية، والثالث يستجلي بلاغة قصيدة النثر. 

التشكيل الجمالي

تذهب هويدا صالح إلى أن لمصطلح التشكيل الجمالي رحابة معرفية وعمقاً رؤيوياً عبر طبقات النص المختلفة، السطحي والعميق منها، وتشعبه الفني وامتلاءه الجمالي وانفتاحه على كثير من الحقول المعرفية، مما يتيح للناقد اقتراح قراءات ومداخل متعددة للنص الشعري الواحد، أو النصوص في تعددها وتنوعها. وترى كذلك أن مصطلح التشكيل الجمالي يقترح البحث في الأنساق الثقافية والمعرفية التي ينطلق منها منتج النص (الشاعر) ومنتج الدلالة (القارئ). لذا يمكن القول إن "الإبداع لدى الشاعر والتشكيلي كليهما ينطلق من فعل الرؤية في عملية الإدراك البصري التي تعبر عن نفسها بأدواتها الخاصة بالفن الذي تشتغل في حيزه شعراً كان أم رسماً أم موسيقى". وقد استفادت، كما أوضحت في مقدمة الكتاب، من جماليات التلقي كنظرية نقدية؛ "تعتبر من أكثر المناهج النقدية قدرة على مقاربة جماليات التشكيل".

وهي في هذا الإطار تنطلق من أن التعالق البصري بين الشعر ما بعد الحداثي والفنون البصرية إنما هو مرهون بمخرجات التكنولوجيا وتقنياتها المتطورة، مما جعل التقنية أرضاً لتجريب طاقة المخيلة لدى الشاعر، وقد يتعدى الأمر ذلك إلى التفكير في أن التقنية قد كانت وراء العديد من التغيرات المهمة في النماذج الأيديولوجية بشأن العالم وصوره.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومما خلصت إليه المؤلفة أيضاً هو أن قصيدة النثر قطعت شوطاً كبيراً باتجاه النضج الجمالي والتنوع في الأساليب والتقنيات التي يفيد منها الشعراء، فلا يدعي ناقد أنه يستطيع أن يحيط بالمشهد الشعري النثري المصري، كما لا يمكن له أن يدعي أن ثمة جماليات واحدة يمكن أن يتمثلها الشعراء جميعهم في وقت واحد، بل وصل الأمر إلى أن لكل شاعر تقريباً أسلوباً متفرداً ومغايراً للشاعر الذي يماثله في الجيل والتجربة.

ولاحظت المؤلفة كذلك أن من الغريب أن قصيدة النثر العربية بعد صراع وجود استمر نصف قرن لا يزال النقاد يقفون عند مسماها، والتضاد في بنيته الاصطلاحية، بينما ينبغي عليهم أن يبحثوا في الملامح الجمالية التي يتمثلها شعراء تلك القصيدة ويحفروا في وعيهم المعرفي وخطابهم الثقافي ومدى تمثلهم لقضايا الذات والقضايا الإنسانية. ولم تغفل المؤلفة الإشارة في هذا الصدد إلى أن الجهد الأبرز في هذا المجال هو جهد شعراء القصيدة أنفسهم، سواء ما قام به الرواد مثل أنسي الحاج ويوسف الخال ومحمد الماغوط، أو ما قام به جيل الوسط مثل نوري الجراح وعبده وازن، أو ما قام به جيل التسعينيات في مصر مثل كريم عبد السلام.

القابض على الجمر

إن قصيدة النثر– تقول هويدا صالح- تنبني على المفارقة في فلسفة بنائها؛ وليس فقط على المفارقة المتضمنة في العنوان (قصيدة/ النثر). إنها تقوم على المفارقة في فلسفة رؤية شاعرها للعالم. فسوزان برنار ترى أنها "ترتكز في شكلها وفي مضمونها على اتحاد المتناقضات، نثر وشعر، حرية وصرامة، فوضى مدمرة وفن منظم، ومن هنا منبع تناقضها الداخلي. ومن هنا تتأتى تناقضاتها العميقة والخطيرة والمثمرة ويبرز توترها الدائم".

وفي ظل الردة التي شهدتها الشعرية العربية- تقول صالح– إلى الإيقاع الكلاسيكي بعد انتشار الجوائز السخية التي تمنح للشعراء الكلاسيكيين، إضافة إلى الاهتمام الإعلامي بهذا النوع من الشعر، أصبح الشعراء الذين يتمسكون بقصيدة النثر مثل من يقبض على الجمر. وهكذا يتجدد بروز ارتباك موقف النقد العربي من قصيدة النثر، متمثلاً في إدعاء كثيرين أن الشعراء إنما لجأوا لكتابة تلك القصيدة رغبة في الهروب من صعوبة الأوزان الشعرية وعدم إجادتهم لعلم العروض. ولاحظت المؤلفة في هذا الصدد أن أغلب من وقف في وجه قصيدة النثر وعارضها؛ "إنما انطلق من بنية تفكير أصولية تجد صعوبة أيديولوجية في التعامل مع الجديد وتجاوز القديم الذي يسيطر عليها".

وأخيرا، إن هذا الكتاب بما يطرحه من رؤى نقدية تحتفي بقصيدة النثر عموماً، وليس المصرية فحسب، هو جدير بأن يفتح مجالاً لمزيد من الجدل الخلاق حول تلك القصيدة التي استأثرت بين مختلف أشكال الشعر ومضامينه بالنقاش المحتدم على مدى عقود عدة، وعلى الرغم من بزوغ طروحات هنا وهناك تتحدث عما بعد قصيدة النثر.

المزيد من ثقافة