ملخص
يعتقد محللون سياسيون أن صور الحرائق والنهب تستخدم لنقل النقاش من الأسباب الاجتماعية والاقتصادية للاحتجاجات إلى أصول المشاركين وهوياتهم، واستثمار ذلك سياسياً.
الأزمة الاحتجاجية تتزامن مع أزمة مالية حادة، إذ بلغت المديونية الفرنسية 119 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، فيما تتضمن موازنة 2027 إجراءات لخفض الإنفاق وتدابير ضريبية بقيمة 54 مليار يورو.
أعادت أعمال الشغب والعنف التي رافقت الاحتجاجات في فرنسا ملف الهجرة لصدارة النقاش السياسي، في ظل تداخل الأزمات الاجتماعية والاقتصادية مع الجدل حول الاندماج والهوية والأمن. وبينما ارتبطت مطالب المحتجين بقضايا التعليم ونقص المعلمين وتكاليف المعيشة وجودة الخدمات العامة، اتجهت بعض التصريحات السياسية إلى ربط الاضطرابات بـ"الهجرة والإسلام"، مما فتح نقاشاً حول إلى أي حد يمكن أن تتحول مشاهد العنف إلى مادة في الخطاب المناهض للمهاجرين.
وتكتسب هذه النقاشات أهمية إضافية مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الفرنسية المرتقبة عام 2027، في وقت تواجه فيه الحكومة تحديات تتعلق بالاستجابة للمطالب الاجتماعية وضبط المالية العامة. ويتزامن ذلك مع الجدل حول مشروع موازنة 2027، وما يتضمنه، بحسب التقارير، من تدابير لخفض الإنفاق وإجراءات ضريبية بقيمة 54 مليار يورو، مما يعيد للواجهة مسألة التوازن بين الالتزامات المالية للدولة واحتياجات المواطنين في مجالات التعليم والخدمات العامة والقدرة الشرائية.
وعلى المستوى السياسي، برزت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب في السادس من أكتوبر (تشرين الأول)، حين ربط الاحتجاجات بما وصفه بالهجرة الجماعية الخارجة عن السيطرة، ورأى أن القضية تتعلق بـ"الإسلام وليس بالمدارس". في المقابل، تشير المطالب المعلنة للطلاب إلى قضايا مرتبطة بنقص المعلمين وظروف الدراسة والتمويل، وهي معطيات لا تثبت، في حد ذاتها، الاستنتاج الذي طرحه ترمب لأسباب الاضطرابات.
من جانبه، اتهم نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس الهجرة ومشكلات الاندماج بالوقوف وراء أعمال العنف التي شهدتها فرنسا خلال الاحتجاجات، رابطاً ما جرى بالسجال السياسي الداخلي في الولايات المتحدة قبيل انتخابات التجديد النصفي. وفي منشور على منصة "إكس"، أرفقه بمقطع مصور يظهر مبنى بلدية ليموج مشتعلاً، اتهم فانس من وصفهم بـ"الليبراليين الغربيين" بأنهم "صدروا العالم الثالث إلى فرنسا ودول أخرى باسم التنوع والرحمة"، مضيفاً أنهم تجاهلوا أسئلة تتعلق بالاندماج والتوافق. وأعرب عن أمله في أن تتمكن فرنسا من "وضع حد لهذا الجنون قبل أن تطاول النيران المزيد من معالمها".
في الأثناء، تباينت مواقف السياسيين الفرنسيين إزاء الاحتجاجات وأعمال العنف التي شهدتها البلاد، إذ دان الرئيس إيمانويل ماكرون أعمال النهب والتخريب، داعياً إلى محاسبة المسؤولين عنها ومراجعة أوجه القصور الأمنية المحتملة. من جهته، اتهم رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو مجموعات من اليسار المتطرف باستغلال المطالب الاجتماعية لتأجيج الاضطرابات وتحقيق أهداف سياسية، فيما دافع وزير الداخلية لوران نونيز عن تدخلات قوات الأمن، مؤكداً ضرورة احتواء أعمال العنف. في المقابل، انتقد زعيم حزب "فرنسا الأبية" جان لوك ميلانشون طريقة تعامل السلطات مع المتظاهرين، وأثار نواب من اليسار تساؤلات حول استخدام القوة ومدى تناسب التدخلات الأمنية. أما زعيمة التجمع الوطني مارين لوبان، فحملت اليسار المتطرف مسؤولية استغلال الاحتجاجات، بينما اتهم جوردان بارديلا الحكومة بالعجز عن ضمان النظام العام. وتعكس هذه المواقف خلافاً سياسياً حول أسباب التصعيد والمسؤولية عنه، بين من يركز على الأمن ومواجهة التخريب، ومن يشدد على المطالب الاجتماعية وحق التظاهر، في سياق يتوقع أن يزداد فيه حضور قضايا الأمن والهجرة والقدرة الشرائية في النقاش السياسي مع اقتراب الانتخابات الرئاسية لعام 2027.
احتجاجات فرنسا تعيد الهجرة لقلب الجدل السياسي
في هذا السياق، يرى المحلل السياسي المتخصص في الشؤون الأوروبية صلاح سليمان أن ملف الهجرة أصبح أحد المحاور الرئيسة في الخطاب السياسي للأحزاب اليمينية في أوروبا، بالتوازي مع تنامي حضور هذه الأحزاب في عدد من الدول الأوروبية. ويشير إلى أن "حزب البديل من أجل ألمانيا" عزز موقعه في المشهد السياسي خلال الأعوام الأخيرة، مستفيداً، وفق تقديره، من النقاشات المتعلقة بالهجرة واللجوء، ومن مواقف قياداته الداعية إلى تشديد سياسات الهجرة وترحيل بعض الأجانب وإغلاق الحدود، كذلك يطرح الحزب مواقف حول علاقة ألمانيا بالاتحاد الأوروبي والعملة الموحدة.
ويضيف صلاح سليمان أن "حزب التجمع الوطني" في فرنسا يتبنى بدوره خطاباً يركز على الهجرة والهوية الوطنية، ويرى أن الاحتجاجات التي تشهدها فرنسا ترتبط بمجموعة من العوامل الاقتصادية والاجتماعية، من بينها ارتفاع تكاليف المعيشة، وأوضاع الخدمات التعليمية، والإنفاق العام على دعم أوكرانيا في حربها مع روسيا. ويشير إلى أن هذه التطورات قد تفتح المجال أمام الأحزاب المناهضة للهجرة، لتوسيع حضور ملف الهجرة واللجوء في النقاش العام، وربطهما بقضايا الأمن والاندماج.
ويرى المحلل أن انتقال النقاش السياسي من المطالب الاقتصادية والاجتماعية للمتظاهرين إلى قضايا الهوية والاندماج يطرح تساؤلات حول مدى الاهتمام بالأسباب التي دفعت المواطنين إلى الاحتجاج، ومدى استجابة السياسات الحكومية لهذه المطالب.
وفي ما يتعلق بالسياق الأوروبي، يشير صلاح سليمان إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف المعيشة وإيجارات المساكن، إلى جانب التحديات التي تواجه الخدمات العامة، تمثل ملفات حاضرة في النقاشات الاجتماعية والسياسية في عدد من الدول الأوروبية. ويذكر أن فرنسا وإيطاليا واليونان وإسبانيا والبرتغال، ضمن الدول التي تشهد نقاشات مرتبطة بهذه القضايا.
وفي المقابل، يرى سليمان أن ملف الهجرة واللجوء احتل مكانة بارزة في الخطاب السياسي الأوروبي خلال الأعوام الأخيرة، بالتوازي مع استمرار النقاشات المتعلقة بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. ويشير إلى أن الأحزاب المناهضة للهجرة تستند إلى هذا الملف في عرض مواقفها حول مراقبة الحدود، وسياسات اللجوء، واندماج المهاجرين، والهوية الوطنية.
ويضيف أن قضايا الهجرة واللاجئين تتداخل مع نقاشات أوسع داخل المجتمعات الأوروبية في شأن توزيع الموارد العامة، والحصول على الخدمات، والتنوع الثقافي، والحفاظ على الهوية الوطنية. وتختلف المواقف من هذه القضايا بين المواطنين والأحزاب السياسية، تبعاً لتصوراتهم للأولويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
كذلك يرى صلاح سليمان أن الاحتجاجات في عدد من المدن الأوروبية تتيح للأحزاب السياسية عرض مواقفها حول إدارة الأزمات الداخلية وأولويات الإنفاق العام، ويشير إلى أن الدعم المالي والعسكري الذي تقدمه الدول الأوروبية لأوكرانيا، على خلفية الحرب مع روسيا، يثير نقاشاً عن كيفية الموازنة بين الالتزامات الخارجية واحتياجات المواطنين في الداخل، بما في ذلك الخدمات العامة والملفات الاجتماعية.
ويختتم صلاح سليمان تحليله بالإشارة إلى تأثير العلاقات الأوروبية - الأميركية في توجهات السياسة الأوروبية، ولا سيما في الملفات الأمنية والدفاعية. ويرى أن التغيرات في مستوى التنسيق بين الجانبين تطرح تحديات أمام صناع القرار الأوروبيين، في وقت تواجه فيه الأحزاب التقليدية والأحزاب اليمينية تحديات متعلقة بالاستجابة للمطالب الاجتماعية والاقتصادية، وبمستقبل سياسات الهجرة واللجوء.
توظيف ملف الهجرة في الصراع السياسي قبيل انتخابات
وفي ما يتعلق بما إذا كانت الهجرة تتحول إلى شماعة سياسية، وكيفية توظيف أعمال الشغب التي شهدتها فرنسا في تعزيز الخطاب المناهض للهجرة، يرى المحلل السياسي نبيل شوفان أن ذلك يحدث إلى حد كبير، موضحاً أن أعمال الشغب والتخريب ومظاهر العنف التي رافقت الاحتجاجات تحولت بالفعل إلى مادة سياسية تستثمرها التيارات المناهضة للهجرة لترويج خطابها.
وتعليقاً على تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يرى المحلل السياسي المتخصص في الشأن الفرنسي نبيل شوفان أن الاحتجاجات التي انطلقت في سبتمبر (أيلول) بمطالب تتعلق بنقص المعلمين وتدهور أوضاع المدارس، سرعان ما اتسعت لتشمل قضايا غلاء المعيشة وتراجع جودة الخدمات العامة. وبناء على ذلك، يعتقد أن ربط ترمب هذه الاحتجاجات بما وصفه بـ"هجرة جماعية خرجت عن السيطرة"، والقول إنه "لا علاقة لها بالمدارس، وإنما تتعلق بالإسلام"، يفتقر إلى أدلة تثبت هذا الربط، مشيراً إلى أن المطالب التي رفعتها الحركة لم تكن مرتبطة بقضايا الدين أو الهجرة. ويضيف شوفان أن "حزب التجمع الوطني"، بقيادة مارين لوبان، لم يكن قد ربط الاحتجاجات بالسياسة الفرنسية في مجال الهجرة حتى السادس من أكتوبر (تشرين الأول).
وتكشف هذه التصريحات في اعتقاد المحلل السياسي نبيل شوفان عن استخدام صور الحرائق والنهب لنقل النقاش من الأسباب الاجتماعية والاقتصادية للاحتجاجات إلى أصول المشاركين وهوياتهم، واستثمار ذلك سياسياً. ويلفت إلى أن هذه الصور لا تثبت أن المشاركين في أعمال العنف ينحدرون حصراً من أصول مهاجرة. وحتى إذا ثبت وجود علاقة سببية بين الهجرة والاضطرابات، فإن تصريحات ترمب ونائبه تظل، بحسب تحليله، جزءاً من سياق التوظيف السياسي لملف الهجرة، بما يخدم توجهات الإدارة الأميركية الحالية الداعمة لليمين في أوروبا.
ولا يمكن، وفق تحليل نبيل شوفان، تجاهل الأزمة الاجتماعية التي لم تعالج جذورها، والصعوبات التي تواجهها الحكومة في الاستجابة للمطالب الاجتماعية والاقتصادية، فضلاً عن الثغرات الأمنية التي سمحت بوقوع هذا الحجم من الاعتداءات على المؤسسات العامة. ويأتي ذلك في سياق يتسم بتزايد حدة الاستقطاب السياسي مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الفرنسية.
ورئيس الجمهورية إيمانويل ماكرون نفسه أكد تفهمه مخاوف الشباب حول مستقبلهم، وتعهد بالتحرك في شأن القدرة الشرائية، كذلك طالب بإجابات عن الإخفاقات الاستخبارية عقب أعمال العنف.
وفي ما يتعلق بأسباب انتقال بعض الخطابات السياسية من المطالب الاقتصادية والاجتماعية إلى قضايا الهوية والاندماج، يشرح نبيل شوفان أن أعمال العنف تمنح بعض القوى السياسية فرصة لإعادة تحديد طبيعة الأزمة وأولويات النقاش العام، فالأزمة الاحتجاجية تتزامن مع أزمة مالية حادة، إذ بلغت المديونية الفرنسية 119 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، فيما تتضمن موازنة 2027 إجراءات لخفض الإنفاق وتدابير ضريبية بقيمة 54 مليار يورو.
وبحسب ما صرح به نبيل شوفان، تضع هذه المعطيات الحكومة أمام مطالب مكلفة يصعب تلبيتها سريعاً، أما خطاب الهوية والهجرة فيقدم تفسيراً مختلفاً، يربط الاضطرابات بالاندماج والأصول المهاجرة، ويجعل استعادة النظام أولوية تتقدم على معالجة الأسباب الاجتماعية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويوضح نبيل شوفان أن هذا الانتقال ليس حكراً على اليمين المتطرف، فقد ركز الرئيس إيمانويل ماكرون في خطابه يوم الـ18 من أكتوبر على مواجهة المخربين، واتهم مجموعات من اليسار المتطرف وجانحين بالوقوف وراء العنف، مع إقراره بمشروعية المطالب الاجتماعية وضرورة عدم الخلط بين المتظاهرين والمخربين. وبالتالي، فإن الحكومة الفرنسية نفسها تقدم تفسيراً أمنياً وسياسياً للعنف، بينما يضيف الخطاب المناهض للهجرة بعداً هوياتياً لا تثبت التقارير المتاحة أنه يفسر نشأة الاحتجاجات أو اتساعها. وقال ماكرون "سيتخذ المحافظون القرارات بالتنسيق مع رؤساء البلديات لحماية مدننا ومبانينا العامة ومتاجرنا"، وأوضح أن هذه الإجراءات قد تصل إلى حد "حظر بعض التجمعات" واتخاذ "كل الإجراءات اللازمة"، لكنه لم يشر إلى "المهاجرين". كذلك أشار ماكرون إلى البيئة المحيطة بالانتخابات، ودعا إلى الهدوء وعدم سرقة النقاش الانتخابي الديمقراطي، وقال "كل الذين يقولون لكم اليوم إن الأولوية هي النزول إلى الشوارع والتظاهر وإثارة الفوضى، ليس لديهم سوى هدف واحد: الإضرار بالجمهورية وسرقة النقاش".
وعن ما إذا كانت الاحتجاجات ورقة انتخابية رابحة لليمين المتطرف، يؤكد نبيل شوفان أن الاحتجاجات تمنح اليمين المتطرف واليسار المتطرف على حد سواء فرصة سياسية قبل الانتخابات الرئاسية المقررة في ربيع 2027، لكنها لا تضمن لهما مكاسب انتخابية إضافية، فقد سعى "حزب التجمع الوطني" إلى تقديم نفسه بوصفه قوة قادرة على استعادة النظام، مستفيداً من صور التخريب التي رافقت التظاهرات.
في المقابل، يرى اليسار المتطرف و"حزب فرنسا الأبية" أن ازدياد حالة الاستقطاب في البلاد إلى أقصى حد قبل الانتخابات قد يخدم طموحاتهما الرئاسية.
ويختم شوفان بالقول إن استطلاعات الرأي لا تزال تضع مارين لوبان وجان لوك ميلانشون في صدارة الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية. وفي حين يحذر مراقبون من أن لوبان قد تكون المستفيدة الرئيسة من الاضطرابات، يشير آخرون إلى أن الخوف من الفوضى أفاد تاريخياً أحزاب الوسط واليمين المحافظ أيضاً.
وتبقى قدرة "التجمع الوطني" و"فرنسا الأبية" على تحويل الغضب الاجتماعي إلى أصوات انتخابية، مرتبطة بمدى قدرتهما على إقناع الناخبين بطرحهما الأمني والاقتصادي، فالمعطيات تثبت وجود فرصة للاستثمار السياسي، لكنها لا تثبت حتى الآن أن أعمال الشغب أحدثت تحولاً جديداً في موازين القوى الانتخابية.
وتكشف المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية عن جانب من الضغوط التي سبقت الاحتجاجات في فرنسا، ولا سيما في قطاع التعليم، إذ أشارت بيانات نشرتها صحيفة "لوموند" إلى أن نحو 10 في المئة من ساعات التدريس السنوية لا تقدم بسبب غياب المعلمين، إلى جانب اكتظاظ بعض الفصول وتقادم عدد من المباني المدرسية.
وتأتي هذه التحديات في وقت تواجه فيه الحكومة ضغوطاً لضبط المالية العامة، إذ يتضمن مشروع موازنة 2027، بحسب التقارير، إجراءات لتصحيح المالية العامة بقيمة 54 مليار يورو، في حين أعلنت الحكومة زيادة الاعتمادات المخصصة للتربية الوطنية بنحو 1.2 مليار يورو لتصل إلى نحو 64 مليار يورو.
في المحصلة، يطرح هذا التباين تساؤلات حول قدرة الدولة على التوفيق بين خفض العجز المالي وتحسين الخدمات العامة والاستجابة لمطالب المواطنين المتعلقة بالتعليم والقدرة الشرائية. وفي هذا السياق، لا يقتصر النقاش على أسباب الاحتجاجات، بل يمتد إلى كيفية توظيفها في المنافسة السياسية قبيل الانتخابات الرئاسية لعام 2027. فبينما يركز "التجمع الوطني" على الأمن والنظام العام وسياسات الهجرة والهوية الوطنية، تربط قوى من اليسار الأزمة بالأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، وتنتقد طريقة تعامل الشرطة مع المحتجين، في حين تواجه الحكومة تحدياً يتمثل في احتواء العنف من دون إهمال المطالب الاجتماعية. كذلك يعكس اتساع الاحتجاجات إلى مدن فرنسية عدة، ووقوع أعمال تخريب ونهب إلى جانب تحركات سلمية، ضرورة التمييز بين طبيعة المطالب المعلنة ومسؤولية الأفراد عن أعمال العنف. ومن ثم، فإن ربط الاضطرابات بالهجرة أو الإسلام يظل تفسيراً سياسياً يحتاج إلى أدلة مستقلة، ولا يمكن استنتاجه من مشاهد العنف وحدها. وفي المقابل، فإن استفادة الأحزاب من الأزمة في الخطاب العام لا تعني بالضرورة تحقيق مكاسب انتخابية، إذ يتطلب قياس تأثيرها في الناخبين الرجوع إلى استطلاعات رأي مؤرخة وتحليل اتجاهاتها، فضلاً عن مقارنة البرامج السياسية حول الأمن والهجرة والإنفاق العام والقدرة الشرائية. وبذلك، تتحول الاحتجاجات إلى اختبار لقدرة الأحزاب الفرنسية على تقديم إجابات عن الأزمات الاجتماعية والمالية، في وقت تتداخل فيه قضايا الهوية والهجرة مع النقاش حول مستقبل الخدمات العامة ودور فرنسا داخل أوروبا.