Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

قصيدة النثر في تونس تنتصر لمفهوم الاختلاف الشعري

مختارات الشاعر عبدالواحد السويح تتخطى البلاغة التقليدية وتحاور العصر

لوحة للرسام فادي يازجي (صفحة الرسام على فيسبوك)

لا يحتاج القارئ إلى جهد كبير ليدرك أن مدونة الشعر التونسي الحديث تنطوي على أزمنة شعرية كثيرة، تكشف مجتمعة عن تنوع الشعر التونسي وتعدده. وتصورُ على وجه الخصوص تردده بين قديم لا يريد أن يختفي تماماً، وجديد لم يتمكن من الهيمنة على الساحة الشعرية هيمنة كاملة.

ثمة في هذه المدونة قصائد بقيت مشدودة إلى التراث الشعري تسترفد أصوله وتعيد إنتاج عناصره، وفيها قصائد ثانية أرهفت السمع للحظة الراهنة وسعت إلى تأسيس شكل من الكتابة جديد، وفيها قصائد ثالثة ظلت مرتبطة بأكثر من زمن وبأكثر من مرجعية.

الشعر التونسي لم يكن في يوم من الأيام متجانس الأصوات متشابه التجارب، إنه هذا التموج والتباين والاختلاف. وتعتبر تجربة قصيدة النثر من أهم التجارب في مدونة الشعر التونسي، فإذا استثنينا نصوص الرومنطيقيين التونسيين التي استعاضت عن الإيقاع بالصورة والرمز، مسترفدة منجزات الشعر الغربي، نجد تجربة حركة "في غير العمودي والحر" التي ظهرت في السبعينيات، وكتبت قصيدة نثر مفعمة بالأسئلة الأيديولوجية والسياسية، لكنها سعت إلى "العدول عن ضوابط قصيدة التفعيلة وقوانينها"، وقد عدد الطاهر الهمامي وهو من روادها وجوه العدول التي تواترت في هذه القصيدة فأشار إلى:

- عدول على مستوى النظام الإيقاعي، إذ هجر "التجريبيون" عروض الخليل بمختلف تطبيقاته (عمودي موشح حر)، وراحوا يستنبطون أو يزعمون استنباط الشكل الإيقاعي الأشكَل بدهرهم والملائم لكل قصيدة على حدة.

- عدول على مستوى اللغة، إذ عنّ لرواد هذه "المغايرة" أن يفتحوا القصيدة على المستعمل من الكلِم ويوشحوه بلسان "العامة" ومأثور المعيش واليومي، بحثاً عن لقى النادر والبديع في غضون العادي، وهذا ما أشار إليه توفيق بكار وهو يقدم "الحصار" (1972) باكورة أشعار الطاهر الهمامي حين قال إنه "لا يخشى اللقطة الشعبية والعبارة العامية ينزلها في الكلام الفصيح". وإثر تجربة " في غير العمودي والحر"، غنمت قصيدة النثر مساحة كبيرة في مدونة الشعر التونسي الحديث، واكتسبت بعد طول تردد "شرعيتها " النقدية والفنية، فانعطف عليها النقاد يتأملونها وجنح إلى كتابتها عدد من الشعراء يختبرون إمكاناتها الجمالية والفنية.

تجربة جديدة

وتعد تجربة الشاعر عبدالواحد السويح في كتابة قصيدة النثر من التجارب الجديدة التي تشد انتباه القارئ بجرأتها الفنية والجمالية، ويتجلى ذلك واضحاً من خلال مختاراته "مرّ صيفان ولم يأت الشتاء" (دار العصامي).

قصيدة السويح تنطوي على حوارين اثنين، حوار تعقده مع القصيدة العربية الحديثة، وعلى وجه الخصوص قصيدة النثر التي كتبها الماغوط وأدونيس، وحوار ثان تعقده مع قصيدة النثر الغربية بخاصة تلك التي كتبها جاك بريفير وغيىفيك، أما حوارها مع القصيدة الحديثة فيتجلى في الخروج على الأوزان واستدعاء البنية السردية والرموز، وأما حوارها مع القصيدة الغربية فيتمثل في استخدام تعدد الأصوات والأقنعة ، "تدهسني السيارات يومياً / تمشي علي أحذية متنوعة /أحياناً تركض الخيول على جسدي/ وأحياناً يحط طائر/ يفتش عن القمح في قلبي/ وأنا ممدد أنتظر قدمين".

تنهض قصائد السويح مثالاً على استقلالية العمل الأدبي وتحرره من سلطة "المرجع"، يوجهه ويتحكم في أغراضه ومعانيه، فالقصيدة هنا ليست استعادة لما في الخارج تعكسه على مراياها الكثيرة، كما أنها ليست نقلاً للداخل تفصح عن العواطف والأحاسيس، وإنما هي كيان مستقل موضوعها عين لغتها، لهذا تخلت عن المضامين التقليدية التي تشد القصائد إلى العالمين الداخلي والخارجي، "في الزهرة بتلات سبع/ أمشي لا أمشي /في الزهرة بتلات خمس/ أمشي لا أمشي / في الزهرة بتلات ثلاث / أمشي لا أمشي/ في الزهرة بتلة واحدة/ في راسه فكرة واحدة/ في قلبه رغبة واحدة/ وتحت الكرسي مقبرة من الأزهار". بهذه النبرة الطفولية يتحدث الشاعر نبرة تنأى عن البلاغة التقليدية، فلا تشبيهات ولا استعارات ولا كنايات لتختار من العبارات أقربها ومن التراكيب مألوفها.

وعلينا أن نقر أن قصيدة النثر الفرنسية على وجه الخصوص كانت بمثابة النهر السري يجري تحت سطح القصيدة، يغذي رموزها وصورها وأقنعتها، لكن الشاعر هنا لا يحاور هذه القصيدة من الخارج كما يفعل كثير من الشعراء، وإنما يحاورها وهو في كنفها يسائلها وهي مستظل به.

نزعة درامية

إن السويح ينتمي إلى الجيل الذي تجاوز مفاهيم التيار والحركة والاتجاه بما هي ضرب من التقارب في التجارب والرؤى في اتجاه الانتصار لمفاهيم الفرادة والتميز والاختلاف، وهذا لا يعني أن السويح منفصل عن الشعراء السابقين، فأثر السابقين من شعراء قصيدة النثر واضح في قصائده سواء على مستوى الأسئلة أو على مستوى الأساليب، وإنما يعني أن قصيدته تمثل تجربته المتفردة مع اللغة أي مع الشعر مطلق الشعر. فالقصيدة لدى السويح ليست وعاء لمعنى سابق في الوجود، كما ليست مرآة تعكس العالم الموضوعي أو تعيد استنساخه أو تحاكيه. قصيدة السويح قصيدة مركبة تجدل خيوطها صور ورموز متداخلة عدة، وهذه القصيدة تنهض على المفارقات وعلاقات التماثل والتقابل والحوار المستمر بين الصفات والخصائص النوعية المختلفة، وقد أسهم حوارها مع قصائد أخرى عربية وأجنبية في تطوير نزعتها الدرامية، وذلك بما انطوت عليه من جدل بين أطراف متقابلة متفاعلة مثل الحاضر والماضي والذات والآخر والأسطورة والتاريخ.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

    لا شك في أن الأحداث السياسية والاجتماعية التي شهدتها تونس وشمت ذاكرة أدبها، وتركت في جسده أثراً لا يمكن محوه أو التهوين من شأنه، غير أن الأدباء اختلفوا في تعاطيهم مع هذه الأحداث اختلافاً بيناً، فأغلبهم عاد إلى الأدب الملتزم ينفخ الروح في جسده الميت متحملاً حججاً شتى لتبرير استعادته، ونقصد بالأدب الملتزم الأدب الذي يستخدم اللغة المتعدية التي تحيل على الخارج النصي، ومنه تستمد شرعيتها وشعريتها، فإذا كان الأغلب الأعم من الكتاب والشعراء ارتدوا إلى هذا الأدب تحمساً واستئناساً بأشكال جاهزة، للتعبير عن احتفائهم بالانتفاضة وتمجيدهم لرموزها، فإن السويح كان من القلائل الذين حولوا حدث الثورة إلى سؤال فني وهاجس جمالي، فجنح إلى كتابة شعر هامس ومتأمل ينطوي على أسئلة كثيرة، فالسويح ما فتئ يردد الالتزام بصفته التقديس الكامل لمقومات الكتابة الإبداعية، ودور المثقف هو دفع الإنسان إلى الدفاع عن عقله بالطريقة نفسها التي يدافع بها عن حدود وطنه.

المزيد من ثقافة