Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"الثعلب والعنب" تستعيد خرافات إيسوب للمطالبة بالحرية

المخرجة السورية ليال الهادي اعتمدت صيغة مسرحية متحفية أسقطتها على الواقع

من مسرحية "العنب والثعلب" السورية (اندبندنت عربية)

استعادت المخرجة ليال الهادي نص "الثعلب والعنب" للكاتب البرازيلي غيليرميه فيجيريدو (1997-1915) في عرضها الذي حمل العنوان نفسه، معيدةً إلى الأذهان قصص إيسوب وخرافاته. الكاتب والفيلسوف الإغريقي الذي تضاربت الأنباء حول حقيقة وجوده، وعيشه كعبدٍ في اليونان القديمة (620 ق. م-564 ق. م) جاءت قصصه كخيار حكائي للمخرجة السورية، ولإثارة نقاش حول ثنائية الحرية والمسؤولية، محاكيةً بذلك ما قالته "حوارية السيد والعبد" (1200- ق. م)، وهي أقدم مسرحية بابلية تساءلت عن موضوع الحرية: هل يعطيها السادة لعبيدهم ناقصة ذليلة بين تزلفٍ ورجاء، أم أن على "الحرية أن تكون حرّةً" على حد تعبير الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر؟

أسئلة قديمة جديدة يخوض فيها العرض السوري الذي جاء احتفالاً باليوم العربي للمسرح الذي تنظّمُه الهيئة العربية للمسرح في الشارقة. والعرض يروي قصة إيسوب (سامر عزام) البطل التراجيدي والعبد الدميم الذي تجفل سيدته كلايا (إيناس الغوثاني) من مجرد رؤيتها له. لكنها سرعان ما تغير رأيها به، حيث تكتشف أن عبدها السيء المظهر يعج رأسه بالحكمة، وتكتنز حفيظته قصصاً وعِبراً تجعلها تعيد حساباتها، لا سيما بعد التمهيد الدرامي بحوارٍ تخوضه مع خادمتها ميليتا (أماني أبو عساف)، التي تخبرها بأنها تفضّل حياة العبودية على أن تنال حريةً كالتي تعيشها سيدتها في قصرها الموحش.

رهان البحر

تمضي الأحداث إلى أن يقع إكسانتوس (رائد السّمان) زوج كلايا في ورطة، وهو الفيلسوف وأحد كبار مجلس الحكماء في المدينة. ففي لحظة ثمل كان قد راهن جنرالاً على أنه قادرُ على شرب ماء البحر كله، مما يجعله يطلب الخلاص من عبده الألمعي. خسر الرهان، وعليه الآن أن يتنازل للجنرال عن قصره وكل أملاكه. وبالفعل ينقذ إيسوب سيّده المتعجرف من مأزقه، مُرشداً إياه إلى الحل، وذلك بأن يدّعي أمام مجلس الحكماء بأنه فعلاً راهن الجنرال على شرب مياه البحر، لكن ليس قبل أن يفصل مياه الأنهار عنها.

الحيلة العبقرية كان إيسوب قد دبّرها لسيده المغرور مقابل أن يسترد صكَ حريته، لكن إكسانتوس يخنث بوعده له، وبدلاً من إعتاقه يأمر عبده الحبشي بجلدِه، منتقماً لشكوى زوجته التي أحبت في إيسوب عفافه وصدقه، فراودته عن نفسها. إلا أنه أبى أن يرضخ لإغوائها، واستغلال عاطفتها نحوه، فما كان منها إلا أن شكته لزوجها انتقاماً من تمنّعه، ورغبةً في درء تهمة الخيانة الزوجية عنها. لكن السيدة الحسناء، وبعد أن رأت كرم أخلاق عبدها وعِفّتَه، تتعاطف معه، وتتوسط له عند زوجها بأن يعتقه، ويفي بوعده له كسيدٍ نبيل لا يليق به الحنث بالوعود.

هنا يقرر إكسانتوس أن يعتق عبده المسلي، متذرعاً أن إيسوب صار بالنسبةٍ له إناءً فارغاً من الحكمة، وهو الذي كان قبل ذلك يتفاخر بأفكارٍ يختلسها منه، مدّعياً أمام مجلس الحكماء بأنها من تأليفه. يعلّق إيسوب على هذا باستحضار قصة الثعلب الذي حاول الوصول إلى عناقيد عنبٍ ناضجة، فقفز مرات ومرات من دون أن يطاولها، وعندما هدّه التعب ونال اليأس منه، قال عنها بأنها ليست سوى حصرم.

صك الحرية

ينتهي العرض الذي أنتجته فرقة المسرح القومي في السويداء بعد أن يحصل إيسوب على صكِّ حريته، لكن الكهنة يدبّرون تهمةً له بسرقة الكأس الذهبية من المعبد. وفي هذه الحالة تقضي الأعراف بأن يكون عقاب العبد كما يقرره سيّدُه، أما عقاب الأحرار فيكون برمي السارق إلى الهاوية. وهنا تتدخل كلايا مرةً أُخرى، وترجو إيسوب أن يعود لعبوديته كي ينقذ نفسه من الموت، لكنه يختار الموت حراً على نجاته بالعودة إلى حياة العبودية.

العرض الذي أفاد في متنه من قصصٍ عديدة من مثل "الأسد المريض والثعلب" و"الطاووس واللقلق" و"الغراب والثعلب" وسواها من أساطير إيسوب الشهيرة؛ حاول إسقاطها بخجل على واقع الحال السوري، من دون أن يقع في المباشرة الفنية، بل من خلال أداء الممثلين الذي غطى على فقرٍ فني واضح في تصميم الإضاءة والديكور، بحيث اقتصرت السينوغرافيا على بعض المرايا والرماح المتصالبة، وتمثال تجسيدي لامرأة على يمين الخشبة، بينما جاءت الأزياء في صيغة أقرب إلى محاكاة متواضعة لأزياء المسلسلات التاريخية، في الوقت الذي كان من الممكن السيطرة على هذه العناصر، وجعلها منسجمة مع القالب المتحفي الذي اختارته المخرجة لعرضها. فالإضاءة اتخذت وظيفتها التقليدية كإنارة لبقع متناثرة على الخشبة، ومن دون أن تسهم في إغناء فضاء الفرجة واللعب إلا ما ندر، ومن دون حتى أن تشترك في رسم المسافة بين شخصيات العرض، أو تعبّر عن الحالات النفسية للممثل وتتماهى معه.   

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

سمعة "الثعلب والعنب" كانت قد سبقته إلى مسرح الحمراء في دمشق، فهو العرض الحائز أخيراً على جائزة أفضل عرض في مهرجان السويداء، إلا أنه ظل أقل من التوقعات، وبدا ممثلوه يكافحون وحدهم على المسرح، من دون أن يعكس العرض بمقولاته الكبرى، معالجة فنيةً عميقة، تنتشله من النبرة الخطابية لحواراته، وتخفف ما أمكن من غربة النص الأصلي عن ذائقة واهتمام الجمهور المحلي. وهذا ما بدد الجهود النبيلة للفرقة الآتية من أقصى الجنوب السوري إلى مسرح العاصمة. حالها في ذلك حال معظم الفرق الآتية من الأطراف، والتي تشكو غالباً من الافتقار لرؤية فنية قادرة على إعادة إنتاج النصوص المعرّبة، وجعلها أكثر قرباً من هواجس ويوميات الجمهور.

وهذا ما اتضح في وجود مواهب أدائية عالية في العرض، وتقديمها مسرحية ذات نكهة أدبية، من دون العمل على توفير حلول فنية لافتة، بل بالتعويل أكثر على دسامة النص الذي كان خياراً درامياً شجاعاً، لكونه يطرح قضية الحرية، ويعتبر فن المسرح كآخر وسيلة من وسائل التعبير التي نجت حتى الآن من التضييق عليها.

المزيد من ثقافة