Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

3 أسباب وراء اعتزال داود عبد السيد الناطق باسم الشباب

 الرقابة الموجهة والهم التجاري الذي يسيطر على الإنتاج  وتراجع ذائقة الجمهور

السينمائي المصري داود عبد السيد (صفحة الفنان على فيسبوك)

أحدث خبر اعتزال المخرج المصري داود عبد السيد جدلاً واسعاً في الوسطين السينمائيين، المصري والعربي. كثر أبدوا انزعاجهم من توقف مخرج "الكيت كات" البالغ من العمر 74 سنة عن العمل، بعد مسيرة مهنية قدم خلالها أعمالاً تُعتبر محطات مضيئة في السينما المصرية، وكان آخرها "قدرات غير عادية" في عام 2015. منذ ذلك التاريخ، يعيش عبد السيد في ما يشبه الاعتكاف، ولا يتوانى عن الإعلان بشكل واضح وصريح، عن عدم قدرته على مواصلة صناعة سينما، لعدم تمكنه من التكيف مع الظروف الجديدة المفروضة على السينمائي في مصر. 

لو تعلّق خبر الاعتزال بأي مبدع آخر، لما كان وقعه على هذا النحو. لكن عبد السيد عزيز غال على قلوب كثير من المشاهدين الذين لا يترددون عن نعته بـ"شاعر السينما المصرية". هؤلاء يحبونه سواء كشخص أو كسينمائي. لنأخد مثلاً السينمائي الشاب عبد الوهاب شوقي الذي عمل أخيراً مساعد مخرج ليسري نصرالله. يقول شوقي إن عبد السيد هو أكثر مخرج مصري ترك فيه أثراً، فنضج "فكرياً وروحياً في صحبة أفلامه الأصيلة التي تعبر عنه وعن مجتمعه تمام التعبير. في نظره أن إعلان عبد السيد اعتزاله السينما صفعة مؤلمة للوطن والناس، وهذا يعني أن جزءاً كبيراً من جمال الحياة وذكرياتها ستصيبه بالمرارة، "إذا استمر هذا الوضع على ما هو عليه"، على حد تعبيره.

السبعيني الشاب

كلام شوقي غيض من فيض. فالكلام العاطفي هو الذي ساد في التعليقات المرافقة لخبر اعتزال عبد السيد الذي استطاع مخاطبة أجيال عدة من المشاهدين. فهو ربما من القلائل الذي تجاوزوا السبعين، ومع ذلك في مقدوره أن يكون ناطقاً باسم الشباب اليوم. فنه لم يخبُ مع الأيام ولم يصبح سينمائياً عجوزاً بورجوازياً يعيش في برجه العاجي. علاقته بالجيل الجديد قوية. حتى في توقفه عن السينما وفي اختياره الصمت، فإنه يعبّر عن الجيل الجديد وهواجسه. موجة التعاطف والحب لـ"الأستاذ داود" قادرة  وحدها على إعادته عن قراراه. هذا إذا كان الاعتزال فعلاً قراراً حقيقياً لا "حكي" مواقع إلكترونية مستعجلة. طبعاً، هناك مَن شكك بخبر الاعتزال، فقال إنه مجرد عنوان صحافي لجذب الانتباه، وفيه كثير من المغالطة والتضليل. فكل ما قاله الرجل خلال مقابلة هو، إن الوضع الإنتاجي في مصر يعاني أزمة لا مثيل لها. أزمات متعددة تمنع مَن هو في مثل وضعه أن يقدم أفلاماً تنتمي إلى سينما المؤلف لا السينما التجارية السائدة. فهناك أولاً الأزمة مع الرقابة التي تمنع الحرية عن الفنان في ظل وضع يد الدولة على كل شيء يتعلق بالإنتاج السمعي البصري. وهناك ثانياً الصراع مع أصحاب المال الذين يمسكون زمام الإنتاج في مصر ولا يبدون أي اهتمام بدعم السينما الجادة.

وهناك ثالثاً وأخيراً تراجع ذوق الجمهور الذي اعتاد على السينما الترفيهية. إذاً الأزمة في نظره تتشكل من ثلاثة أطراف: الدولة، وأصحاب المال والجمهور. ولعبد السيد مشكلات ومعاناة مع الأطرف الثلاثة. من الطبيعي أن تنشأ خصومة أبدية أو ظرفية بين السلطات السياسية والإنتاجية من جهة، وعبد السيد من جهة أخرى. فهو القائل في النهاية إن مصر تعيش "في صحراء حيث لا ماء ولا مطر ولا زرع، وذلك لأسباب سياسية لا اقتصادية". إلا أن مأخذ كثيرين على عبد السيد، هو أنه يحمّل الجمهور جزءاً من مسؤولية انهيار الذوق العام، إذ يقول في إحدى المقابلات: "تستطيع معرفة هل يوجد لدى الشخص هم أم لا من اختياراته، فمن يذهب ليشاهد أفلاماً مسلية مثل أفلام الأكشن، أو عن عظمة الشرطة في القبض على تجار المخدرات هم أناس ليس لديهم أي هم. في الماضي، كان لدينا أفلام لها أبعاد أخرى غير التسلية، مثل "السقا مات" لصلاح أبو سيف و "حياة أو موت" لكمال الشيخ، ولكننا نصنع اليوم أفلاماً أميركية في نسخة مصرية فقط لا غير، وهي أفلام منزوعة الدسم والهم”.

فن الحرية

الحرية عند مخرج "الصعاليك" و"البحث عن سيد مرزوق" هي الأوكسيجين الذي يتنفسه. فهو لطالما تحدث عن الحرية في أفلامه من وجهة نظر الإنسان العادي المسحوق، واضعاً إياه في ظروف سياسية واقتصادية واجتماعية تشكل نوعاً من أنواع التحدي للفرد. تصدى للاستبداد وناصر الفقراء وأنجز أفلاماً قليلة (عددها تسعة)، وكان يصنع فيلماً في كل مرة شعر فيها بالضرورة لقول شيء ما، ناقلاً صوت مَن لا صوت لهم إلى الشاشة، وطارحاً مواضيع غير مستهلكة لم يتم تناولها كثيراً في السينما المصرية. أحب السينما وعشقها مذ كان طالباً في المرحلة الثانوية واصطحبه ابن خالته إلى "استديو جلال" القريب من مسكنه في مصر الجديدة لمشاهدة تصوير أحد أفلام أحمد بدر. وتحول الفضول عشقاً، فالتحق بمعهد السينما ثم عمل مساعداً ليوسف شاهين في فيلم "الأرض" ثم مع كمال الشيخ في "الرجل الذي فقد ظله" ومع ممدوح شكري، ولكنه لم يستسغ إكمال المسيرة معه. 

لكن الفترة التي نشط فيها عبد السيد وقدم خلالها أعماله اللافتة، ولت إلى غير رجعة. الواقعية الاجتماعية الشديدة (أو السحرية) لم تعد مطلوبة في مصر اليوم، لأنها تظهر الأحوال على حقيقتها، فيما المطلوب هو تلميع صورة البلد والنظام الحاكم ونشر الإيجابيات، وهو الشيء الذي يتحدث عنه المخرج القدير تلميحاً فقط. فبات عبد السيد مثل عديد من السينمائيين العرب الذين نلتقيهم في المهرجانات. هم داخل السينما وخارجها في آن واحد. فعبد السيد الذي مجد الحرية في أفلامه محوط بمناخ غير مثالي للإبداع، وهو مناخ يقيد الفنان ويمنعه من العمل. هذا كله حض بعض السينمائيين ومنهم عبد السيد، على تبني نوع من خطاب “انهزامي” إذا صح التعبير، يستسلم بدلاً من التصدي. وهناك رأي قاس لأحدهم في هذا الشأن يقول: “سواء اعتزل أو لا، لا يمكن لهذا الموضوع أن يكون محل احتفاء أو حزن. فالرجل سبق أن قال كل ما يجب قوله في أفلامه السابقة وهذا يكفي. لا مكان لأمثاله في الظروف الراهنة. من أهم شروط أن تكون فناناً هو أن تجد موطئ قدم لك، سواء في المتن أو على الهامش أو حتى على هامش الهامش. المهم أن تعترف أن لك مكاناً خاصاً بك، وهذا ما ليس متوفراً لا عند عبد السيد ولا عند عديد من أبناء جيله الذين ينظرون إلى الحياة اليوم كما لو كانوا أشبه بآدم الذي طرد من الجنة”. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أتذكر جيداً عندما حاورتُ عبد السيد في مطلع القرن الحالي، يوم أنجز "مواطن ومخبر وحرامي"، كيف لمستُ لديه خطاباً نقدياً لا يخلو من التشاؤم كان معششاً فيه منذ تلك الأيام. لكن كان خطاباً واقعياً لا يجمّل الأشياء، بل يضعها على الطاولة كما هي، وهذا أحد الأسباب التي تمنعه اليوم من ركوب الموجة. قال، "يأتي فيلمي كصرخة احتجاج. في مصر حصل انهيار للطبقة الوسطى المحافظة على الثقافة والفن والتقاليد والأخلاق. وضربها يعني ضرب الطبقات كافة. ما حصل في مصر هو أن الطبقة الوسطى قد فسدت وأصبحت غير قادرة مادياً بسبب الإعلام والتلفزيون. هناك انهيار ثقافي في مصر وأيضاً في المجتمع العربي. فيلمي يتكلم عن انحدار الثقافة! بعض أغاني الفيلم تدل على فلسفة رخيصة وهابطة وجاهلة. أنا لم أدخل هذه الأغنية في الفيلم لغرض تجاري، بل لأشير إلى عقلية معينة تدعي أن على الفن أن يكون أخلاقياً. ليس للفن علاقة بالأخلاق! والأخلاق أمر يخضع للتعديل باستمرار. عندما نضع الفن في قوالب كهذه فذلك يعني أننا نرغب في قتله.

الأمواج التي تتوقف على الصخرة، على مرور الأيام تقوم بنحتها. والإنسان كذلك، كلنا نخضع لضغوط المجتمع الاقتصادية والسياسية. أنا أعرف أساتذة من الجامعة العربية يؤمنون بالعفاريت، وهم من المفروض أن يؤمنوا بالعلم التجريبي. فما هذا التناقض الحاصل؟ إنها نتائج انهيار العلم والثقافة والقيم الإنسانية، لأن الثقافة جزء من قيمتنا الإنسانية. إني لستُ ضد أي ذوق ولكن ضد أن يكون هناك فقط ذوق واحد، وأن تختصر السينما في أفلام كوميدية هابطة، وأن تنحصر الأغاني بأغاني عمرو دياب. أما المسرح التجاري فأصبح للسياح العرب الذين يأتون لقضاء عطلة الصيف".  

المزيد من سينما