Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

العالم في مواجهة التغيّر المناخي... الرعب والخلاص

تداعيات كارثية... فهل تسمع الصرخة قبل فوات الأوان؟

حرائق غابات كاليفورنيا (أ ف ب)

ازدادت وتيرة الظواهر المناخية المتطرفة في العالم، وضربت الفيضانات أوروبا وآسيا، وتعرّضت جنوب أفريقيا إلى الأعاصير المدمرة، واشتدت الرياح الموسمية في بنغلادش، وقضت الحرائق على مساحات واسعة من غابات اليونان وتركيا ولبنان والولايات المتحدة وكندا وأستراليا وروسيا وغيرها من الدول التي شهدت موجات حرّ غير مسبوقة، كما غمرت المياه مزيداً من الأراضي.

المسؤولية تقع على الدول الصناعية

من أكثر من 30 عاماً، يدرس العلماء ظاهرة "الاحتباس الحراري"، وقد أُبرمت اتفاقيات عدة من حينها، بعد أن تبيّن أن انبعاثات ثاني أكسيد الكربون المرتفعة جداً والناتجة من الاستهلاك الكبير للوقود الأحفوري منذ عام 1850، السبب وراء التغيّر المناخي الذي نشهد اليوم على تداعياته من خلال الأزمات المناخية التي تضرب مختلف دول العالم. ومن المتوقع أن تزيد حدتها ووتيرتها أكثر بعد في الأعوام المقبلة ما لم تُتّخذ إجراءات جدية في هذا الخصوص من قبل الدول، علماً أن المصدر الأكبر لهذه الانبعاثات هي الدول الصناعية، وثمة انتقادات حول الالتزامات التي تدعو دول تحمّلت تبعات ذلك طوال الأعوام الماضية، للتقيّد بها.

وتعتبر الدول الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة والصين، المسؤولة الأساسية عن النسبة الأعلى من الإجمالي العالمي من الانبعاثات. في المقابل، كانت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيّر المناخ والمنظمة العالمية للأرصاد الجوية التابعة للأمم المتحدة قد صنفت منطقة الشرق الأوسط التي يعيش فيها نحو نصف مليار شخص وتكاد الشمس لا تغيب عنها، على أنها الأكثر عرضة للخطر بشكل خاص، تحديداً أنها مركز الوقود الأحفوري في العالم وتعتمد في اقتصاداتها عليه، ما لم يعُد مؤاتياً للعصر. فالمطلوب وقف استخدامه، وفق ما ورد في التقرير.

مخاطر كثيرة وكوارث مع فقدان السيطرة على الوضع

موجات الحر التي تزداد حدة، والحرائق في الغابات، والاتجاه نحو التصحر والتغيير في النظام البيئي وموت النباتات والحيوانات وهجراتها الجماعية، وارتفاع منسوب البحر نتيجة ذوبان الجليد في القطبين، مع ما لذلك من مخاطر على المدن الساحلية، وخطر حصول فيضانات مدمرة، كلها من الأزمات المناخية التي بدأنا نشهد قسماً منها، ومن المتوقع أن تزيد أكثر بعد في الأعوام المقبلة. ويبدو واضحاً أن العالم أصبح أمام اختبار حقيقي في مواجهة هذه الكوارث المرتبطة بالتغيّر المناخي، لذلك يحذّر الباحثون من بلوغ نقطة اللاعودة مع ازدياد معدلات الجفاف والجوع والعطش والكوارث والهجرة الداخلية الضخمة غير المسبوقة بحلول عام 2050 بسبب نقص المياه وتراجع الإنتاج الزراعي وارتفاع مستوى البحر وغيرها من الآثار السلبية للتغيّر المناخي.

في "قمة المناخ 26" التي جمعت زعماء العالم في الرابع من نوفمبر (تشرين الثاني) 2021 في "غلاسكو"، رُفع سقف المطالب من الدول المشاركة في مسودة اتفاق جديدة، في ظل جدال حولها لاعتبار أن مسؤولية التغيّر المناخي تقع على مجموعة لا يستهان بها من الدول المشاركة. كانت هناك دعوة جدية في المؤتمر لتحرك الدول والتعامل بجدية مع قضية التغيّر المناخي وما نتج منها من أزمات، خصوصاً في عام 2021، إذ شهدنا تسارعاً واضحاً في وتيرتها وحدتها. وكان علماء في الأمم المتحدة قد أطلقوا صرخة مدوّية في تقرير لإنقاذ العالم من الاحتباس الحراري، أكدوا فيه على تأثير الإنسان في التغيّر المناخي نتيجة الانبعاثات المستمرة للغازات الدفيئة، ما يمكن أن يؤدي إلى تغيير في درجات الحرارة الرئيسة خلال حوالى عقد من الزمن، كما لم يستبعد المشرفون على التقرير ارتفاع منسوب البحر بنحو مترين مع نهاية القرن الحالي.

الجفاف أولاً وعناصر أخرى مساعدة

وفق ما يؤكده مدير برنامج التغيير المناخي والبيئة في معهد "عصام فارس" للسياسات العامة والشؤون الدولية في الجامعة الأميركية في بيروت نديم فرج الله، فإن الخطوة الأساسية التي على الدول القيام بها هي وقف الانبعاثات الغازية واستخدام الوقود الأحفوري لأن في ذلك كارثة حقيقية تهدد العالم بمزيد من الأزمات والكوارث التي لن يعود من الممكن السيطرة عليها والحد من تداعيتها، "قد لا تكون الأزمات المناخية والكوارث التي شهدناها أخيراً، ناتجة مباشرة من التغيّر المناخي. إنما هي ترتبط به في الواقع، كون الجفاف الحاصل في مختلف أنحاء العالم له الأثر الأكبر في حصول هذه الكوارث الطبيعية. أصاب الجفاف كاليفورنيا مثلاً بسبب التغيّر المناخي، وتسبب بموجات حر شديدة وتغيير في التساقطات ونمطها، فراوح المناخ بين الجفاف الحاد أحياناً والهطول الشديد للمطر، بخاصة في المناطق الساحلية، ما شكل عنصراً مسبباً لحرائق غير مسبوقة عام 2021 قضت على مساحات واسعة من غابات الولاية. في لبنان والمنطقة، يسود الجفاف من مدة طويلة وقد وصل إلى إيران وشمال سوريا، فتعرّضت المنطقة إلى جفاف حاد، وكل ما تتعرض له من كوارث مرتبط بهذا الجفاف بشكل خاص".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

فإذا كان الجفاف طبيعي ومقبول أحياناً، يمكن أن يؤدي إلى هذا النوع من الكوارث والحرائق مع ارتفاع درجات الحرارة بمعدلات زائدة وجفاف التربة والأعشاب والأشجار ومع زوال الرطوبة، كما أن البرق في مناطق مثل كاليفورنيا يمكن أن يسبب بذاته الحرائق إذا كانت الأرض جافة والأعشاب أيضاً، فتتوافر عندها العناصر التي تشكل الوقود لتشتعل الغابات.

في لبنان والمنطقة أسباب أخرى

في لبنان قد تكون للحرائق أسباب أخرى على رأسها الإهمال أو قلة الوعي، إضافة إلى العمران وشق الطرقات والتدخين وإشعال الفحم وحرق النفايات. فكلّها عوامل تلعب دوراً في الحرائق التي حصلت بوجود الجفاف المسيطر والحر الزائد، فيكون الوقود حاضراً للاشتعال أيضاً، علماً أنه مع التغيّر المناخي، ارتفع معدل الحرارة الدنيا في لبنان بحيث لم تعُد البلاد تشهد موجات برد قوية كما في السابق في الشتاء، كما باتت تشهد على تكرار للأزمات المناخية والأحداث، فمع مرور الأعوام، حصل تغيير أكبر في الطقس والمناخ مع ارتفاع درجات الحرارة وزادت هبّات الحر أكثر بعد مقارنة بهبّات البرد، ومن المتوقع أن تخف موجات الصقيع في مقابل زيادة موجات الحر في دول العالم.

أما في الجزائر وتونس والمغرب وتركيا واليونان، فالنظم الإيكولوجية متماثلة، ومعظم الحرائق الحاصلة فيها إما أنها متعمدة أو أنها ناتجة من إهمال، إنما في كل الحالات، يؤكد فرج الله أن العنصر الأساسي يبقى الجفاف الناتج من التغيّر المناخي، لكن لا بد من التوضيح أن ارتفاع الحرارة لا يسبب حريقاً إلا بوجود شرارة، باستثناء بلوغ الحرارة 100 درجة مئوية.

حتى إن حدة الفيضانات والأعاصير، تتزايد في العالم بسبب التغيّر المناخي، فمنطقة الشرق الأوسط لا تتعرّض لها، إنما هي تضرب جنوب شرقي الولايات المتحدة المعدّة جغرافياً ومناخياً لذلك، مثل كارولينا الشمالية وتكساس وفلوريدا. فازدادت حدتها وأصبحت تحصل بوتيرة أسرع، بحيث تعرضت لـ24 إعصاراً في الموسم ما يشكل سابقة. ومن المناطق الأكثر عرضة للأعاصير أيضاً جنوب شرقي آسيا، وقد زاد التغيّر المناخي من قوتها هناك ومن معدل تكرارها، فبلغت سرعة الرياح أحياناً 200 كيلومتر في الساعة، ما تسبب بأضرار كبرى وخسائر بشرية ومادية فادحة، كما في كل الدول التي شهدت مثل هذه الكوارث الطبيعية.

كما ظهر تأثير التغيّر المناخي أكثر بعد في شبه الجزيرة العربية التي تعرّضت أيضاً إلى أزمات مناخية غير مسبوقة، خصوصاً في مناطق غير معتادة على الأمطار شهدت أمطاراً غير مسبوقة.

صرخة للتحرك

ما يجب أن تدركه الدول وأيضاً الأفراد، أن العالم لا يملك ترف الوقت، فتُعتبر سياسات الدول مفصلية اليوم لمنع وقوع مزيد من الأضرار، بوقف الانبعاثات الغازية واستخدام الغاز الأحفوري وبتطبيقها تعهداتها بالحدّ من التلوث البيئي، هي المرة الأولى التي يتربع فيها الخطر البيئي على قائمة المخاطر العالمية، وثمة كارثة كبرى يقدِم عليها العالم مع ما لذلك من تداعيات على اقتصادات الدول وعلى مختلف النواحي الحياتية.

على الصعيد المحلي، تبيّن في دراسة أجرتها الجامعة الأميركية في بيروت على المدن الساحلية اللبنانية مدى تأثر القطاع السياحي فيها، مع تأثير الجفاف على القطاع وما يترتب عن ذلك من نفقات إضافية. كذلك بالنسبة إلى تأثير التغيّر المناخي في الصيادين لاعتبار أن دورة حياة السمك تتأثر وتتكسر القوارب الخاصة بهم بسبب العواصف. وفي مجال الإنتاج الزراعي يزيد الجفاف من الحاجة إلى الري ومن التكاليف الناتجة من ذلك وتبرز الحاجة لحفر آبار بتكلفة قد تصل إلى 20000 دولار أميركي للري. ومن الطبيعي أن تتأثر أيضاً مراكز التزلج في الجبال في حال عدم تساقط الثلوج، وتجف الأنهار أيضاً لأن المياه الجوفية لم تتغذَّ وتتضرر البنى التحتية جراء العواصف القوية غير المتوقعة، كما قد تتكسّر منشآت جراء ارتفاع موج البحر.

على صعيد الدول، أصدرت قمة المناخ تقريراً يحذر من تعرّض اقتصادات 65 دولة في العالم، على رأسها السودان، لآثار كارثية نتيجة التغيّر المناخي وقد تفقد نسبة 64 في المئة من ناتجها المحلي بحلول عام 2100 إذا ما ارتفعت درجة الحرارة بمعدل 2.9 درجة مئوية. وصحيح أن حصر الاحتباس الحراري بحدود 1.5 درجة مئوية يقلل إلى حد كبير من خسائر الدول، فهي ستفقد عندها نسبة 33 في المئة من مداخيلها. كما تبيّن أن ثلث دول العالم يحتاج إلى المساعدة في تعزيز القدرة على الصمود وتحمّل موجات الحر والجفاف والفيضانات والعواصف الناجمة عن الاحتباس الحراري المميت، وتقع ثماني من الدول الأكثر تضرراً في أفريقيا.

كما أتى في تقرير آخر أنه في حال استمرت السياسات العامة على ما هي عليه، خصوصاً في البلدان الصناعية، من المتوقع أن ترتفع درجات الحرارة بمعدل أربع أو خمس درجات في الأعوام المقبلة، ما يشكل كارثة حقيقية. أما في حال التزمت الدول التدابير التي يُفترض اتخاذها، فيمكن أن تقتصر الزيادة على 2.7 أو ثلاثة في المئة، أو أكثر بعد يمكن أن تنخفض إلى 2.4 في المئة مع ضرورة البدء من الآن باتخاذ الإجراءات كافة للاستثمار في هذا المجال.

ثمة مسؤولية كبرى على الدول، خصوصاً تلك المتقدمة منها التي لا بد لها من العمل على التنمية في الدول الأقل تطوراً، وهنا تبرز أهمية فصل السياسة عن التنمية في سبيل تحقيق المساواة في هذا الإطار، إنما لا يمكن الاستهانة أيضاً بمسؤولية الأفراد من خلال السلوكيات التي تسمح بالحدّ من الانبعاثات ومن استهلاك الطاقة والموارد.

المزيد من بيئة