"موسوعة تاريخ البصرة"... المدينة تعيد تكوين نفسها

أرخ الباحث السعودي من أصل عراقي أحمد باش أعيان لأحوالها السياسية والعسكرية والاقتصادية والإدارية والاجتماعية والثقافية

تتألف "موسوعة تاريخ البصرة" من أربعة أجزاء (اندبندنت عربية)

"معجم اللهجة البصرية" و"موسوعة شعراء البصرة" و"دائرة المعارف البصرية" و"البصرة في ذاكرة أهلها" و"الأوضاع السياسية في البصرة بعد الحرب العالمية الثانية" و"التاريخ الصحي لمدينة البصرة أواخر العهد العثماني"، وغيرها العديد من الكتب عن مدينة البصرة صدرت عن دور نشرٍ عربية وأوروبية في غضون السنوات القليلة الماضية، وبمجملها تشير إلى اهتمام متنام بتأريخ المدينة العراقية وتراثها، التي لا يبدو حاضرها أفضل من ماضيها، مع أن الظروف القاسية التي مرت عليها لم تفقدها كل بريقها وسحرها، فلا تزال تحتفظ بأنهارها وأهوارها وأسواقها وموانئها، فضلاً عن بعض بساتين نخيلها وبيوتها التراثية وأسرها العريقة.

موسوعة تاريخية

أحدث إضافة إلى المكتبة البصرية يجسدها كتاب "موسوعة تاريخ البصرة"، الذي صدر عن دار نشر في لندن، ويقع في أربعة أجزاء بواقع 1732 صفحة، والكتاب من تأليف الباحث السعودي من أصل عراقي أحمد باش أعيان، الذي ولد في البصرة في العام 1950، وهاجر مع عائلته إلى السعودية في العام 1963، وعمل في شركة "أرامكو" منذ العام 1984، إلى حين تقاعده في العام 2010. وهو ينحدر من أسرةٍ كان لها أثرها البالغ في الحياة السياسية والاقتصادية في البصرة، وكان والده برهان الدين باش أعيان (1915-1975) وزيراً للخارجية خلال العهد الملكي.

يغطي الكتاب الجديد بفصوله العشرة أحوال البصرة السياسية والعسكرية والاقتصادية والإدارية والاجتماعية والثقافية خلال العصر الأموي والعصر العباسي وفترة الغزو المغولي والفترة الصفوية الأولى والفترة العثمانية الأولى، ثم الفترة الصفوية الثانية، والفترة العثمانية الثانية إلى حين احتلال المدينة من قبل الجيش البريطاني خلال الحرب العالمية الأولى في العام 1914، كما تناول أوضاع البصرة خلال العهد الملكي من العام 1921 إلى 1958، ولم يتعمق في الفترة الزمنية التي تلت إسقاط النظام الملكي وقيام النظام الجمهوري، معتبراً أن "انقلاب 14 يوليو (تموز) 1958 شكل منعطفاً مفصلياً بعيد الأثر في مستقبل العراق عامة، والبصرة خاصة. فبعد عقودٍ من الاستقرار الأمني والمعيشي والازدهار الاقتصادي في البصرة خلال معظم فترة العهد الملكي أصبح الجو العام في المدينة بعد الانقلاب متوتراً، فيه ما فيه من خوفٍ ورعبٍ وشكوكٍ وأحقادٍ وكراهيةٍ وفوضى".

في مقدمة الكتاب أشار باش أعيان إلى أنه "في كثيرٍ من الحقب عبر التاريخ كانت البصرة من المراكز الهامة للدول العظمى والحضارات الرائدة التي قامت في العراق ومنطقة الخليج العربي وبلاد فارس. وبسبب موقعها المميز وثرواتها الطبيعية كانت مقصداً للاستيطان والتمدن لجماعاتٍ وأفرادٍ من شتى أصقاع العالم منذ العصور الغابرة، ابتداءً بالحضارة السومرية، ومروراً بالهجرات الآرامية والنبطية، وانتهاءً بالفتوحات الإسلامية"، مبيناً أنه "للسبب نفسه تعد البصرة هدفاً للطامعين والغزاة منذ أقدم العصور وحتى عهد قريب". وسرد في فصول لاحقة تفاصيل غزوات عسكرية وثورات وحركات تمرد أسفرت عن إزهاق أرواح عشرات آلاف البصريين.

ثورة الزنج

من أبرز الثورات وحركات التمرد الكبيرة التي حدثت في البصرة كانت ثورة الزنج التي قادها علي بن محمد (صاحب الزنج) أواخر عهد الخليفة العباسي الثالث عشر المعتز بالله خلال العام 869. ويروي باش أعيان في موسوعته التاريخية أن "صاحب الزنج دعا أهل البصرة إلى اجتماع في جامعها الكبير، بحجة أنه يريد أن يخطب فيهم. وبعدما امتلأ الجامع تم إغلاق الأبواب، وأمر رجاله بقتل كل من كان داخل الجامع، والذين يقدر عددهم بحوالى 120 ألف رجل، حتى أصبح الجامع بركة من الدماء. كما هدم صاحب الزنج وجماعته من دور البصرة 15 ألفاً".

على مدى 15 عاماً أحبط الثوار الزنج العديد من الحملات العسكرية لاستعادة البصرة قبل أن يُهزموا ويُقتل قائدهم في العام 885. ويذكر باش أعيان عن تلك المحاولات أن "أهل البصرة طلبوا من الخليفة العباسي الخامس عشر المعتمد إنقاذهم من الزنج، فكلف سعيد بن صالح بن الحاجب بقيادة جيش جرار أرسله من بغداد إلى البصرة، وعند وصول ابن الحاجب وجيشه إلى البصرة هاجمهم صاحب الزنج وهزم مقدمة الجيش وأسر قائدهم ابن الحاجب، ثم هاجم طلائع الجيش وفرقها، بعد ذلك كرر الخليفة المعتمد المحاولة في العام 871، عندما وجه بحملة عسكرية جديدة أوكل قيادتها إلى المنصور بن جعفر الخياط الذي سار إلى البصرة بسفن كبيرة، وعند اقتراب جيشه من البصرة خرج عليهم الزنج وأغرقوا سفنهم وقتلوا من كانوا عليها من العسكر، ثم أمر الخليفة المعتمد بحملة عسكرية أخرى بقيادة أحمد المولد، الذي ما إن وصل بجيشه إلى البصرة حتى هجم الزنج عليهم وهزموهم وقتلوا أكثرهم".

الحرب العالمية الأولى

عند تناوله أوضاع البصرة في أثناء احتلالها خلال الحرب العالمية الأولى ذكر باش أعيان معلومة لا تخلو من الغرابة تفيد بأن "القوات البريطانية بعد أن فرضت سيطرتها بأيامٍ قليلة، اقترح الضابط السياسي البريطاني أرنولد تي ولسن على حكومته توطين الآلاف من أهالي البنجاب في البصرة، باعتبار ظروف موطنهم الأصلي في الهند تتشابه مع ظروف جنوب العراق. وبرر مقترحه بأن العراق يقطنه قرابة المليون نسمة، ويمكن أن يستوعب 25 مليون نسمة".

سلط باش أعيان الضوء على شخصية طالب النقيب (1871-1929) كزعيم سياسي سطع نجمه في البصرة خلال تلك الفترة. إذ كان يحظى بنفوذ واسع خلال الأعوام الأخيرة من عمر الحكم العثماني في المدينة، وبسبب معارضته الاحتلال البريطاني اعتقلته القوات البريطانية بعد سيطرتها على البصرة ونفته إلى جزيرة بومباي. ولما عاد بعد خمسة أعوام شغل منصب وزير الداخلية في أول حكومة انتقالية تم تشكيلها في العام 1920، ثم ترشح لعرش العراق، وكان أقوى منافسٍ لفيصل الأول، إلا أن الحكومة البريطانية اعتقلته مجدداً ونفته مرة ثانية. وبعد عودته من منفاه في العام 1925 اعتزل العمل السياسي. وطالب النقيب هو جد رئيس مجلس الوزراء الكويتي السابق ناصر محمد الأحمد الصباح.

مدينة لا تموت

لم يخف المؤلف دهشته من قدرة البصرة على الانبعاث من الرماد والارتقاء بعد كل انحطاط. وقال إن "البصرة ابتليت خلال العصر العباسي بموجات متتابعة من الغزوات، إضافة إلى ظلم وفساد وعدوان الحكام والولاة، وهجمات العصابات الإجرامية، يضاف إلى ذلك ما أصاب المدينة من كوارث طبيعية رهيبة مثل الزلازل والعواصف والسيول والطواعين، وغيرها من الأوبئة، ناهيك عن الحرائق المفتعلة وغير المفتعلة، وقد ألحق ذلك كله أفظع أنواع الموت والهلاك والعذاب والتشريد بأهلها، والخراب والدمار بجوامعها ومساكنها، والحرائق والنهب بمكتباتها، والسلب والهدر بأموالها، ومن المدهش أن المدينة على الرغم من كل ذلك برزت واستمرت على مدى القرون الخمس من عمر الدولة العباسية كمركزٍ إقليمي، بل في بعض الفترات كانت مركزاً عالمياً للعلم والثقافة والآداب والفنون، وأنجبت طائفة كبيرة من الفقهاء والأدباء والشعراء والفنانين والعلماء في شتى ميادين وفروع الحياة"، معتبراً أن "قدرة البصرة وأهلها على إعادة تكوين أنفسهم وتجديد النسيج الحضاري للمدينة بعد كل كارثةٍ وواقعة كانت تحل بالمدينة هي أمرٌ مثيرٌ للإعجاب بحد ذاته".

جدير بالذكر أن "موسوعة تاريخ البصرة" اعتمدت على مصادر كثيرة، من ضمنها مخطوطات تحتفظ بها أسرة باش أعيان التي ينتمي إليها المؤلف. إذ تملك الأسرة مكتبة عمرها مئات السنين، وتضم كثيراً من المخطوطات والكتب النادرة. وقد أعلنت هيئة الآثار والتراث في البصرة أنها بصدد إنشاء مختبر متكامل داخل متحف البصرة الحضاري لصيانة وترميم المخطوطات بتمويل من الحكومة الفرنسية عبر منظمة الأمم المتحدة للتربية والتعليم والثقافة (UNESCO). ومن أهم أهداف تأسيس المختبر صيانة مخطوطات أسرة باش أعيان التي لم يبق أحد من أفرادها يعيش في البصرة.

المزيد من كتب