Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

رابعة ابتدائي تسلب الثانوية العامة احتكار "البعبع" في مصر

عدّل وزير التربية والتعليم نماذج الأسئلة المعتادة فثارت حالة من الهلع بين الأمهات

يرى البعض أنه يجب عدم المساس بثوابت التعليم الحفظ ونماذج الامتحانات والإجابات (أ ف ب)

أن تقلق الأمهات ويصيب الهم الآباء وقت التحاق الصغير بمدرسة جيدة في مرحلة رياض الأطفال أمر وارد. وأن تخاف الأمهات ويجاملهن الآباء بشيء من الخوف ومحاولة بث الطمأنينة في نفوسهن حين يتوجه الصغير إلى امتحان "الشهادة" الأول في حياته الدراسية ألا وهو الابتدائية (الصف السادس الابتدائي) أو الشهادة الثانية ألا وهي "الإعدادية" (الصف الثالث الإعدادي)، فهذا أمر محتمل.

وأن ترتعب الأمهات ويرتعدن وتسري قشعريرة الوجل، وتتغلغل مخاوف الوجس من مصير آلاف الجنيهات التي أهدرت في الدروس الخصوصية والأدوات المكتبية والشاشات الذكية لزوم التجهيز لامتحانات شهادة إتمام الدراسة الثانوية "بعبع" كل بيت و"أشكيف" كل طالب وطالبة المسماة بالثانوية العامة، فهذا ما وجدنا عليه آباءنا منذ اخترعوا الثانوية العامة.

لكن، أن يسري الهرج ويتغلغل المرج في أرجاء البلاد، ويتمكّن الخوف والقلق من قلوب الأمهات، وبالتبعية يُبدي الآباء ما تقدرهم عليه السماء من أمارات المجاملة بالخوف والمعاضدة بالقلق حول مستقبل الصغير المهدد بالضياع جراء مروره بمحنة المحن وفاجعة الفواجع ألا وهي الصف الرابع الابتدائي، فهذا هو الجديد الذي تنضح به منظومة التعليم وجهود تحديثها التي تقابل بمقاومة عتيدة ومناهضة شديدة.

حكاية أسئلة الامتحان

"والدة عبد الرحمن نقلوها للمستشفى صباح اليوم. قلبها لم يتحمل القلق جراء عدم فهمها مناهج عبد الرحمن وفقدانها القدرة على تحفيظه قبل الامتحان. "حسبنا الله ونعم الوكيل في من كان السبب".

رسالة "والدة عبد الله" على "غروب الماميز" الخاص بإحدى مدارس القاهرة نتج منها كماً هائلاً من الحسبنة والحوقلة على "حكاية أسئلة الامتحان التي تقيس نواتج التعلم". فبعد عقود من توارث منظومة تعليمية مدرسية قائمة على الحفظ والصم والخضوع لامتحانات تقيس السعة الاستيعابية لأدمغة الصغار وقدرتها على اختزان الكلمات والعبارات لسكبها على ورقة الامتحان، وبعد عقود موازية من المطالبة بتحديث منظومة التعليم وتغييرها لتصبح مواكبة للزمن ومناسبة لسوق العمل الذي يطلب للتعيين أدمغة قادرة على التفكير لا ببغاوات متمكنة من ترديد الكلمات كما سمعتها تتحدث "غروبات" الأمهات وسجالات المعلمين ومناقشات القائمين على أمر التعليم ومنصات التواصل الاجتماعي وقعدات المقاهي والمطاعم عن "مأساة" الصف الرابع الابتدائي.

ملامح المأساة تبلورت بعد أيام من بدء العام الدراسي الجديد 2021-2022. فلا صوت يعلو فوق صوت الصف الرابع ومناهجه والغرض من تعديل مفهوم التعليم في محاولة لتغيير عقيدة التعليم من الحفظ إلى الفهم وتعديل مسيرة التعلم من الحشو إلى القدرة على التفكير.

ثالوث الحفظ والصم والسكب

النظام الجديد للصف الرابع الابتدائي ضرب عرض الحائط بثالوث الحفظ والصم والسكب وعصف بمبادئ تحولت عبر سنوات من جمود التعليم وتحلل التعلم إلى ما يشبه "التابو"، لكن المشكلة تكمن في عدم فهم الأهل والمعلمين للمطلوب من التغيير. الأطراف الضالعة ترى أنه يجب عدم المساس بثوابت التعليم: الحفظ ونماذج الامتحانات والإجابات النموذجية.

مسّ وزير التربية والتعليم طارق شوقي مقدسات "نماذج الأسئلة" و"الإجابات النموذجية" و"الأمثلة الاسترشادية" فثارت حالة من الهلع، وسرت موجات من الفزع بين الأمهات وقطاع من المعلمين والمعلمات وكثيرين من طبقات الشعب المختلفة بين مندد بقرار التغيير ومعجب بفحوى التعديل.

 

القرار الوزاري "التاريخي" صدر يوم 21 سبتمبر (أيلول) الماضي في شأن نظام التعليم والمقررات الدراسية وأسلوب التقييم للصف الرابع الابتدائي. وسبب أنه تاريخي هو أنه تجرأ وعصف بثوابت الحفظ، ولم يأبه بجبهات الممانعة المقاومة للتغيير.

القرار الوزاري حدد المواد الدراسية المقرر تطبيقها على الصف الرابع الابتدائي بأنواعها من حكومي وخاص وغيرها وهي: اللغة العربية والعلوم والدراسات الاجتماعية والرياضيات واللغة الإنجليزية (Connect)، ومواد القيم واحترام الآخر، والتربية الدينية الإسلامية أو المسيحية، والمهارات المهنية، وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والتربية البدنية والصحية، والتربية الفنية، والتربية الموسيقية، وأنشطة "توكاتسو"، إضافة إلى اللغة الإنجليزية (Connect Plus)  للمدارس الرسمية والخاصة التي تدرس باللغة الإنجليزية.

يشار إلى أن "توكاتسو" منظومة تعليم يابانية تشير إلى مفهوم التنمية الشاملة للطفل، وتركز على بناء شخصية الطفل المتمثلة في سلوكياته ومهاراته وقيمه واتجاهاته بقدر الأهمية المخصص لتنمية معارفه ومعلوماته ومهاراته العقلية.

مهارات عقلية

ردود الفعل الأولى بعد صدمة القرار دار أغلبها في نطاق "وكيف يحفظ الصغار المهارات المهنية؟"، و"هل هناك نماذج استرشادية لمادة القيم واحترام الآخر؟"، و"هل الموسيقى والتربية البدنية مدرجتان في المجموع؟" وغيرها من الأسئلة التي تدور في دائرة واحدة لا ثاني لها، ألا وهي اكتناز الدرجات والتعرف إلى الطريقة المثلى للحصول على الإجابات النموذجية لمساعدة الصغار على حفظها، ومن ثمّ صمّها، وأخيراً سكبها على ورقة الامتحان.

لكن، ورقة الامتحان وما أُعلِن في شأنها قضى على ما تبقى من أمل لدى الفريق الممسك بتلابيب الحفظ والصم والسكب، وأدت إلى حرب ضروس وهلع غير مدروس. "امتحانات الصف الرابع الابتدائي ستكون عبارة عن امتحانات قصيرة مدتها 25 دقيقة. الأسئلة ستستهدف قياس فهم التلاميذ مخرجات التعلم المستهدفة من المقررات المدروسة، ولن يُطلَب من الطلاب في الامتحانات تسميع الدروس. فهذا الامتحانات لن تكون لقياس الحفظ، بل قياس مخرجات التعلم، ومدى اكتساب الطالب المهارات والمعارف".

مزيد من الرعب

كلمات الوزير طارق شوقي التي تفوه بها بغرض طمأنة جموع الأهالي المرعوبين والمجزوعين أدت إلى نتائج عكسية تماماً. لكن النتائج العكسية كشفت العَرَض وشخّصت المرض. كلمات شوقي الدالة على أن الغرض من التغيير في الصف الرابع الابتدائي هو تغيير مفهوم التعليم وتسييره نحو التعلم واكتساب المهارات والمعارف والتدريب على طريقة التفكير فتحت أبواب المطالبة بـ "نماذج استرشادية" و"إجابات نموذجية"، لا سيما أن الامتحانات على الأبواب.

رد الوزير: "لا يوجد (نماذج استرشادية) في نظام التعليم الجديد، لأننا نربي الطلاب على التعلم لا التعوّد على أنماط امتحانية، مثلما كان يحدث في الماضي. امتحانات الشهر هي في حد ذاتها أمثلة من طرق التقييم، مثلها مثل الأنشطة في الكتب الجديدة. نُعلّم الأطفال كيف يفكرون وكيف يتعلمون".

هرج بالغ ومرج هائل عمّ أرجاء كل بيت مصري فيه طالب في الصف الرابع الابتدائي. وتواترت الأسئلة من قبل أولياء الأمور، لا سيما الأمهات سائلات طالبات مستجديات "نماذج امتحانات" على الأقل، لتدريب الأبناء والبنات قبل اليوم المشهود، وهل هي أسئلة Multiple choice اختيار من إجابات متعددة، أم مقالية؟!

ويرد شوقي مجدداً: "الأسئلة قصيرة متنوعة، ونرجو من أولياء الأمور أن يتذكروا أن الهدف من تقييمات أبنائهم في الصف الرابع الابتدائي هو قياس مستوى الطلاب حتى نعرف ما ينقصهم ونساعدهم بناء على التقييمات، وليس لإعطائهم مزيداً من الدرجات".

روع الأمهات وأعصاب الرجال

شرح منظومة الدرجات فاقمت حالة السجال وفجّرت ينابيع السؤال بدلاً من أن تهدئ من روع الأمهات وتهدئ من أعصاب الآباء. فالدرجات باتت ألواناً. اللون الأزرق يعني أن الطالب أحرز بين 85 ومئة درجة، وأنه فاق التوقعات في اكتساب المعارف. والأخضر يعني إحرازه بين 65 و85 درجة، وأنه امتلك المعارف والمهارات المطلوبة. والأصفر يعني أنه أحرز بين 50 و65 درجة، وأنه في حاجة إلى بعض الدعم، في حين اللون الأحمر يعني درجات بين الـ 50 والدرجة الواحدة، وتوضح أن الطالب لم يتقن المعارف والمهارات ويحتاج إلى كثير من الدعم.

وعلى الرغم من شيوع طريقة التقييم هذه في عديد من أنظمة التعليم الأجنبية في المدارس الخاصة والدولية في مصر، وكذلك الجامعات الخاصة التي يحلم بالالتحاق بها ملايين الطلاب وذووهم، إلا أنها قوبلت بما يشبه الانهيار العصبي الجماعي.

ويتدخل الوزير مجدداً لشرح المقصود بتدريب الصغار على التفكير والفهم بدلاً من الحفظ والصم، أي أن عليه أن يتبع خطوات التفسير العلمي حتى يرد على الأسئلة. مبدئياً التفسير العلمي ينقسم إلى ثلاث خطوات رئيسية: الفرض والدليل والتعليل.

الفرض عبارة عن جملة ترد على سؤال: هل تستطيع الشرح، والدليل يؤكد صحة الفرض، بالاستناد إلى الأنشطة التي قام بها التلميذ من قبل، والتعليل هو التبرير حيث وجود رابط بين الفرض والدليل.

مثال على ذلك، لو تحدثنا عن القوة والحركة، سيكتب التلميذ في الفرض إن الأجسام لا تتحرك إلا بوجود قوة غير متزنة تؤثر فيها. وفي الدليل سيستعين التلميذ بمجموعة الأنشطة التي أداها في هذا الشأن، التي تؤكد صحة فرضه. أما التعليل فيتمثل في أن القوة هي السبب في حدوث الحركة.

"إيموجيهات" متضاربة

هنا توالت "إيموجيهات" الغضب والكدر والصدمة والبكاء مع قليل من السعادة والبهجة والقلوب والورود الحمراء الممتنة للشرح. ولا تنقطع محاولات شرح معطيات التغيير في الصف الرابع الابتدائي، وتفسير المرجو من أولياء الأمور، حتى لا يتسببوا في انتقال عدوى الهلع إلى صغارهم.

شوقي وجّه نصيحة إلى أولياء الأمور بمتابعة الشروح الواردة في قناة "مدرستنا"، حيث "جودة الشرح وتوضيح المقصود من التغيير في أسلوب التعلم. وناشد المعلمين وأولياء الأمور التسجيل لحضور ورش عمل تشرح فلسفة مناهج الصف الرابع الابتدائي، مثل الرياضيات والعلوم كي تسهل عليهم مهمة التعامل مع الصغار. وتمنى على الجميع أن يعطوا الفرصة للصغار لخوض التغيير بدلاً من الحكم عليها قبل بدئها. ولم تفته الإشارة إلى موجات التشكيك والهجوم على كل ما هو جديد، وذلك "بهدف تصدير انطباع بالصعوبة وعدم ملاءمة المناهج للمرحلة العمرية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ما بدأ شكوى تويترية عادية من إحدى الـ "ماميز" (أمهات) طلاب الصف الرابع الابتدائي انتهى صراعاً مريراً بين فريقي مقاومة التغيير ودعمه. فقد أرفقت الأم تعليقاً منها على مسألة حسابية مقررة على ابنها تتطلب قدراً من التفكير المنطقي، وكتبت "دي (أي هذه) مسألة في الصف الرابع الابتدائي، أنا مُحاسبة ودماغي لفت فيها (أي واجهتها صعوبة) طب العيل أبو ربعه (أي الصف الرابع الابتدائي) ده هيفهمها إزاي حسبي الله ونعم الوكيل في اللي كان السبب".

السبب في موجة السخرية الرهيبة التي تعرضت لها الأم "المحاسبة" هو الأخطاء الإملائية الفادحة التي ارتكبتها، وهو ما قوّى شوكة المؤيدين لخطوات التطوير والتغيير التي تتبعها وزارة التربية والتعليم لتعديل عقيدة التعلم في التعليم المدرسي في مصر.

واتخذ الكثيرون من الأم مثالاً للبرهنة على حتمية تغيير عقيدة التعليم بعد عقود من التحجر وتخريج الملايين من "أنصاف المتعلمين" إلى سوق البطالة والبطالة المقنعة. لكن، مثل هذه الحروب بين الفرق المتناحرة على الصف الرابع الابتدائي لا تحول دون حالة الانهيار العصبي الجماعي لملايين الأمهات.

ملامح الانهيار تبدو واضحة من خلال "هاشتاغات" الاستغاثة التي توجهها الأمهات إلى كل من هبّ ودبّ، عله يتدخل لإعادة منظومة التعليم إلى ما كانت عليه قبل مسألة التعلم لا التعليم، واكتساب المعارف لا الحفظ، وبناء الإمكانات لا تخزين المعلومات. الأمهات المرعوبات يغردن ويدوّن ويستغثن من وزارة التربية والتعليم ووزيرها بـ "النائب العام" و"يونيسيف" و"رئيس الجمهورية" و"النائب العام" و"مجلس النواب".

أفضل ما أنجزته الوزارة

مجلس النواب شهد تحركاً ملموساً، عدد من النواب طالبوا باستدعاء وزير التربية والتعليم طارق شوقي لسؤاله عن "سبب صعوبة المناهج"، وهي الشكوى التي وصلت بعضهم من عدد كبير من المواطنين.

وعلى الرغم من أن عديداً من النواب الذين يقترحون استدعاء الوزير لاستجوابه يقولون إنهم لم يطلعوا على المناهج، لكنهم لسان حال الناخبين والناخبات الذين لجأوا إليهم لمساعدتهم وإنقاذ أبنائهم وبناتهم من براثن المناهج المعدلة للصف الرابع الابتدائي.

النائبة أمل سلامة تطالب بمحاسبة واضعي المناهج التي وصفتها بأنها "تفوق بكثير قدرة التلاميذ على الاستيعاب والتفكير، وتتعدى المرحلة السنية الموجهة إليها". النائبة مي غيث رشدي قالت إن مناهج الصف الرابع "من أصعب المناهج الدراسية في كل السنوات المدرسية"، وأن "التعديلات صعبة على المعلمين أنفسهم، وكثيرون منهم لم يستوعبوها، فما بالنا بالطلاب الذين لا تتعدي أعمارهم عشر سنوات؟".

نحو 25 طلب إحاطة تقدم بها نواب برلمانيون لكشف الغمة عن طلاب الصف الرابع الابتدائي وأهلهم ومعلميهم. وقد نجم عنها استدعاء مجلس النواب للوزير لمناقشته، ومعرفة المزيد عن غياهب الصف الرابع الابتدائي.

اتصال فردي بين النائب البرلماني عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي فريد البياضي والوزير شوقي في شأن شكاوى الأهل والمعلمين من الصف الرابع الابتدائي أسفرت عن تأكيدات لا ريب فيها من الأخير على أن "مناهج التعليم الجديدة، لا سيما الصف الرابع الابتدائي هي أفضل ما أنجزته الوزارة بكل المقاييس العلمية العالمية".

المقاييس العلمية العالمية تحتم وجود أحد أضلع المنظومة التعليمية في حرب الصف الرابع الضروس. المعلمون والمعلمات الذين خفت صوتهم هذه المرة على غير العادة. الحرب المكتومة بين المعلمين والوزارة ترتكز على الرواتب والمكافآت، وفي القلب منها مسألة الدروس الخصوصية الحرجة، التي باتت مصدر الدخل الرئيسي لقطاع عريض من المعلمين، وهو ما يؤجج حدة الحرب كلما اقتربت الدولة ممثلة في وزارة التربية والتعليم من المساس بها.

آخر حرب ضروس بين الجبهتين: الوزارة والمعلمين كانت عند بدء تعميم "التابلت" وسيلة للشرح والامتحان والدرس في الصف الأول الثانوي في العام الدراسي 2018-2019. وقتها اشتعل المعلمون غضباً من فكرة التابلت على رغم أنه لم يتزامن وتغييراً في المناهج أو تعديلاً في المحتوى. فقط تغيرت منصة التدريس وأضيفت منصات إلكترونية تفاعلية لمساعدة كل من المعلم والطالب على الشرح والفهم، وهو ما تسبب في خوف المعلمين من أن يؤثر التابلت سلباً في دخلهم من الدروس الخصوصية.

من جهة أخرى، عانى المعلمون بشكل واضح جراء عدم فهمهم للتغيير المنشود في الصف الأول الثانوي عبر أسئلة امتحانات تقيس فهم الدروس وليس حفظها.

حرب مكتومة جديدة

اليوم، تتكرر ملامح الحرب المكتومة مجدداً، حيث تأرجح معلمو الصف الرابع الابتدائي بين التسليم بأن المناهج الجديدة أكثر إثارة وتشويقاً ومواكبة لمتطلبات العصر وصعوبتها وكثافتها وعدم التمكن من طريقة التدريس بغية التدريب على الفهم وتراكم المعرفة، وليس التدريب على حل أسئلة الامتحانات وحفظ المقرر لسكبه على ورقة الامتحان.

نسبة كبيرة من المعلمين لا تعرف سوى شرح المنهج بطريقة تمكن الطلاب من الحفظ، وتدريبهم على الاحتفاظ بالمعلومات في ذاكرتهم بغرض استعادتها يوم الامتحان، لتحقيق غاية المنى والمراد، ألا وهي سكب أكبر كم ممكن من المعلومات الخام على ورقة الأسئلة.

البعض يتفنن في ذلك عبر تحويل المنهج إلى أغنية أو إجبار الطلاب على كتابة فقرات بعينها مرات ومرات أو تلخيص المنهج في نقاط لسهولة التذكر وليس لسهولة الفهم.

الشكوى العامة السائدة بين معلمي الصف الرابع الابتدائي، لا سيما معلمي اللغة العربية والعلوم والرياضيات والدراسات الاجتماعية، هي صعوبة تلخيص المناهج في نقاط "ليسهل على الطلاب حفظها". فعدد الصفحات كبير، ونوعية المعلومات مختلفة عن المتعارف عليه، والمشكلة الأكبر هي أن المعلمين أنفسهم تعلموا بالطريقة التي يتبعونها مع طلابهم ولا يعرفون سواها.

الطريف والمحزن هو أن العديد من المعلمين يتبرعون هذه الأيام بالتدوين عبر "فيسبوك" لمساعدة طلاب الصف الرابع الابتدائي وذويهم بتقديم "مراجعات للمنهج الامتحان لا يخرج عنها" على رغم أنه يفترض أن الفكرة في التغيير هو الخروج عن إطار الأسئلة المتوقعة والإجابات النموذجية.

تعليقات أولياء الأمور تصلح كذلك لمعرفة أبعاد المعضلة: "نريد مراجعة لموضوعات التعبير ضروري جداً"، و"أين نماذج الامتحانات حتى نحفظ الأولاد"؟ وغيرها من مطالبات الأهل بنماذج الامتحانات والإجابات النموذجية، والكثير من محاولات المعلمين لإمدادهم بالمطلوب!

الحفظ أسلوب حياة

التدريب الكافي المفتقد للمعلمين، مع تجذر ثقافة الحفظ على حساب الفهم والتحصيل بين أولياء الأمور والمعلمين وجميعهم نما وتعلم في كنف بيئة الحفظ التعليمية، مع المبالغة في عدد المناهج (من خمسة إلى 13 مادة) وكثافة المعلومات غير المعتادة وتمكن فكرة اكتناز الدرجات لا اكتساب المعارف والمهارات من الغالبية قفزت بعداد الشكاوى المقدمة لمنظومة الشكاوى الحكومية إلى نحو 14 ألف شكوى في شهر واحد من مناهج الصف الرابع الابتدائي.

واليوم، يقف طلاب وطالبات الصف الرابع الابتدائي في منافسة شرسة مع طلاب وطالبات الصف الثالث الثانوي الذين يرون أقرانهم الصغار وقد سحبوا منهم سجادة الهلع وسلبوهم حق الانتفاع الأوحد والمزمن لـ "بعبع" التعليم المدرسي، فصار البعبع اليوم "بعبعين" بعبع رابعة ابتدائي وبعبع الثانوية العامة.

وبقي طرف في المعركة، طلاب وطالبات الصف الرابع الابتدائي. أحمد حاتم طالب في الصف الرابع الابتدائي يقول إنه لا يوجد مشكلة في المناهج التي يدرسها باستثناء الكمية الكبيرة جداً من المعلومات، التي يحاول المعلمون أن "يثبتوها في دماغنا". لكن زميلته روان سالم تجد المناهج صعبة جداً "خصوصاً أن ماما تجد صعوبة في شرحها وتحفيظها لي".