Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مصر نجحت في الثانوية العامة رغم وباء كورونا وطاعون الدروس الخصوصية

النظام التعليمي يستعد لرياح التغيير بعد عام دراسي انتحاري

إحدى لجان الثانوية العامة في مصر (رويترز)

رفِعت النتائج، وسكنت المكائد، احتبست الاعتراضات، وهدأت الانتقادات وعمت الزغاريد أرجاء البلاد بنسبة 81.5 في المئة بعد أشهر الآهات وأسابيع "الهبد" وأيام "الرزع" في الثانوية العامة الأصعب في تاريخ مصر. وللمرة الأولى منذ ما لا يقل عن ستة أشهر شهدت "غروبات الماميز" هدوءاً ولو كان مؤقتاً و"مجموعات حل مشكلات التعليم" سكوناً ولو لحين.

وحين اعتمد وزير التربية والتعليم والتعليم الفني طارق شوقي نتيجة امتحانات الثانوية العامة للعام الدراسي الاستثنائي الانتحاري الفدائي 2019-2020، ساد أروقة المعارضين والمنددين والمنتقدين سكون ثقيل، بينما عم دهاليز المؤيدين والمعضدين والداعمين صخب هادر وطبل وزمر فرحة وابتهاج بإنجاز الامتحانات دون تأجيل أو تعديل أو إذعان لدعاة الإلغاء خوفاً على الطلاب والطالبات من وباء العصر وحفاظاً عليهم من طاعون هذا الزمان.

بقايا التربية وأطلال التعليم

عصر الدروس الخصوصية الذي ضرب التعليم في مصر في مقتل منذ ما يزيد على ثلاثة عقود، ثم مضى قدماً داهساً بقايا التربية وأطلال التعليم ليحل محل منظومة المدرسة، ويتغلغل إلى غالبية البيوت المصرية وجد نفسه مع اعتماد النتيجة وتصريحات الأوائل في مهب رياح نظام تعليم جديد يواجه معارضة شرسة ومقاومة أكثر شراسة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي هذا الصدد، هدأت شراسة "غروبات الماميز" على "واتس آب" إذ شهدت فتوراً مفاجئاً لحظة اعتماد النتيجة ومهاتفة الأوائل. فقد ارتفعت نسبة النجاح هذا العام مقارنة بالعام الماضي. وامتلأت قائمة الطلاب والطالبات الأوائل بمدارس حكومية وليست خاصة أو دولية. وفي هذا الإطار، جاءت تصريحات الأوائل حافلة بعبارة نزلت كالسهام المارقة والسموم الحارقة على مافيا الدروس الخصوصية: "توقفت عن الدروس الخصوصية بسبب كورونا" "اعتمدت على القنوات التعليمية وبنك المعرفة الإنترنت خوفاً من التجمعات في الدروس الخصوصية".

الدروس الخصوصية في مهب الريح

يذكر أن الدروس الخصوصية التي يعدها كثيرون ظاهرة عنقودية انتشرت انتشار النار في هشيم التعليم، ولكنها فقدت نفسها هذا العام بفعل إغلاق المدارس في منتصف العام الدراسي وبفضل كورونا المستجد. الريح العاصفة التي أتت بها كورونا دون أن تعلم قلبت موازين القوة في العام الدراسي الأهم والأكثر إثارة للفزع والوجل. فبعد أشهر طويلة من الكر والفر بين مراكز دروس خصوصية ومدرسين خصوصيين وطلاب وطالبات يتسللون ليلاً للحاق بالدرس وأولياء أمور باتوا يعتنقون مبدأ الدرس الخصوصي باعتباره فرضاً لا سنة وواجباً لا مندوباً رغم وطأة فيروس قاتل من جهة، وقرارات حكومية بالإغلاق وقوات شرطية لضبط وإحضار من يخرق الحظر وقرارات وزارية ونصائح رسمية بالاعتماد على القنوات التعليمية والمنصات الإلكترونية، انتصرت الأخيرة يوم إعلان النتيجة. لكنه ليس انتصاراً بالضربة القاضية، حيث العبرة في نظام الثانوية العامة الجديد الموعود ومدى تمسك وزارة التربية والتعليم ووزيرها العنيد بخطة الإصلاح والتطهير.

تطهير "فيسبوك"

تطهير من نوع آخر تزامن واعتماد النتيجة، حيث أفسحت تدوينات "فيسبوك" الطريق أمام كم هائل من "الحمد والشكر لك يا رب" و"كان فضل الله عليك عظيماً" و"عظم الرب العمل معنا وصرنا فرحين" و"أخيراً نجحنا" حيث إشهار نجاح الأبناء والبنات رغم أنف الوباء، وبالعند في الدروس الخصوصية التي قاوم مؤيدوها عقد الامتحانات وتجيش داعموها على أمل إلغاء العام الدراسي وتأجيله للعام المقبل.

ولأن الأرقام لا تكذب والنسب لا تتجمل، فقد جاءت الإحصاءات المعلنة من قبل وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني لتكون بمثابة إشهار انتصار وإعلان تقدم كبير في عقر دار المناوئين. فقد بلغ مجموع عدد المتقدمين لامتحانات الثانوية العامة 660 ألفا و300 طالب وطالبة، حضر منهم 601 ألف و280 طالباً وطالبة، وهو ما يدحض ما كان يثار على "غروبات الماميز" ومجموعات حل مشكلات التعليم على "واتس آب" والتي رجحت أن يتقدم غالبية الطلاب بطلبات تأجيل الامتحانات للعام التالي خوفاً من كورونا.

قوى مناطحة للوزارة

كورونا والنتائج المعلنة لامتحانات الثانوية العامة وضعت كذلك هذه المجموعات العنكبوتية على المحك. هذه الظاهرة العنقودية التي نمت خلال السنوات العشر الماضية وتشعبت وتوغلت حتى أصبحت قوى مناطحة للوزارة وكل ما يصدر عنها من إجراءات أو قرارات أو تحركات. "غروبات الماميز" حولت ملايين الأمهات إلى خبيرات في التربية وجهابذة في التعليم من أمام الشاشات. وقد لعب عدد غير قليل من هذه المجموعات دوراً كبيراً في نشر الإشاعات الخاصة بكورونا وذلك عبر نشر وتداول كل ما يثار من أخبار عن الإصابات دون التحقق من المصادر ومصداقيتها.

مصداقية "الهبد والرزع" في الثانوية العامة للعام الدراسي 2019 -2020 خضعت بشكل غير مسبوق للتسييس والاستقطاب اللذين ضربا أغلب فئات المجتمع المصري وطبقاته في أعقاب أحداث يناير (كانون ثاني) 2011. نسبة غير قليلة تعاملت مع ملف الثانوية العامة المنعقدة في كنف كورونا باعتبارها ساحة لإعلان النصر على الفريق السياسي الآخر. المعارضون للنظام المصري الحالي اعتبروا انعقاد الثانوية العامة "عملية قتل منظمة لشباب مصر وفتياتها"، و"حلقة في سلسلة الفشل والإخفاق". المؤيدون اعتبروا انعقاد الامتحانات "وساماً على صدر النظام المصري" و"إضافة جديدة إلى قائمة الإنجازات والنجاحات".

الأولى تدفع ثمن التسييس

 قالت الطالبة علا أحمد التي أحرزت تفوقاً مبهراً بتقلدها المركز الأول على الجمهورية في شعبة الأدبي (409 درجة بنسبة 99.7 في المئة)، إن "سبب تفوقها هو والدها ووالدتها". كما وجهت الشكر للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي على رؤيته وتوجهاته في تطوير منظومة التعليم، مهدية نجاحها له ووصفته بأنه "أب لكل طالب مصري". وهنا تلقف كلماتها مغردون سخروا منها بشدة، ووصفوها بأوصاف تتراوح بين النفاق والتدليس، وهو ما دفع الفريق المضاد إلى الدفاع عن الطالبة المتفوقة والهجوم التغريدي على منتقديها والساخرين منها مع التأكيد على دور الرئيس في إصلاح منظومة التعليم وإنجاح الامتحانات الأصعب في تاريخ الثانوية العامة.

وفي شأن آخر، وبينما التسييس يمضي قدماً على الشبكة العنكبوتية، يجني آخرون الأرباح من بيزنس إعلان النتيجة. خطوط الهواتف التي تتعطل وأثير العنكبوت الذي يتعقد وهجوم ما لا يقل عن 600 ألف طالب وطالبة وذويهم وأصدقائهم في وقت واحد في محاولات حثيثة للحصول على النتيجة يفتح أبواب الرزق لآخرين - عشرات  وربما مئات المواقع والمنصات الإلكترونية - تقدم خدمة الحصول على النتيجة، وهو ما يحقق لها أرباحاً طائلة ويسميه البعض "بيزنس النتيجة".

النتيجة الرسمية وحيدة

والنتيجة هي أن أحداً لا ينتظر إعلان النتيجة رسمياً صباح اليوم التالي في مدارس الجمهورية. فما هي إلا دقائق من اعتماد طارق شوقي للنتيجة وإعلان أسماء 43 طالباً وطالبة يمثلون الأوائل على مستوى الدولة، حتى تواترت التهاني والتبريكات على صفحات التواصل الاجتماعي، وهو ما يعكس حصول الكثيرين على نتائجهم دون انتظار القنوات الرسمية.

رسمياً، تلقت الإدارة العامة للشؤون القانونية في وزارة التربية والتعليم الفني 1074 قضية وشكوى خاصة بالامتحانات. وقال الوزير شوقي إن "أغلب الشكاوى تتعلق بالغش عبر الهاتف المحمول، والغش العادي، والنشر على وسائل التواصل الاجتماعي". وأشار إلى أنه تم توقيع عقوبات عدة على الطلاب المخالفين أثناء الامتحانات، "فتم إلغاء الامتحانات في جميع المواد ولمدة عامين متتاليين لـ85 طالباً بالإضافة إلى إحالتهم للنيابة العامة. وتم إلغاء الامتحانات في جميع المواد لمدة عام لـ214 طالباً وإحالتهم إلى النيابة العامة. وتم إلغاء امتحان 455 طالباً في مادة واحدة مع السماح لهم بدخول امتحان الدور الثاني".

وداعاً "تشاو مينغ"

يشار إلى أن مصر واجهت منذ ما يزيد على عقد ظاهرة تسريب امتحانات الثانوية العامة ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعي فيما بات يعرف بـ"تشاو مينغ" نسبة إلى أشهر الصفحات التي تخصصت في نشر الامتحانات المسربة. لكن تقلصت الظاهرة بشكل لافت في العامين الأخيرين، ليرحل تشاو مينغ، ويبقى "بعبع" الثانوية العامة مضافاً إليه هلع كورونا ورشة تسييس مع قليل من الصخب العنكبوتي وكثير من نوايا الإصلاح التي ستمضي قدماً في العام الدراسي المقبل رغم أنوف مقاومي التغيير ومعارضي التجديد.

المزيد من متابعات