Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

احتمالات "الانقلاب" في أوكرانيا محاولة للفت الأنظار عن قضايا الداخل

اشتعال خلافات أعضاء الفريق الواحد

الرئيس الأميركي جو بايدن ونظيره الأوكراني فلاديمير زيلينسكي (أ ف ب)

تتصاعد حدة التصريحات والاتهامات من جانب الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي في حق موسكو يوماً بعد يوم. فبعد إعلانه عن أن الحرب الشاملة مع روسيا وشيكة، عاد زيلينسكي ليعلن اتهامه لموسكو بتدبير انقلاب حدد له الأول أو الثاني من ديسمبر (كانون الأول) 2021 موعداً، فيما عقد مؤتمراً صحافياً استمر لما يزيد على خمس ساعات كشف فيه عن تفاصيل ما وصفه بـ"المخطط الروسي للانقلاب". قال إن بين يديه تسجيلاً يؤكد تورط عدد من ضباط الأجهزة الأمنية الأوكرانية في الإعداد لهذا "الانقلاب"، بالتعاون مع الملياردير الأوكراني رينات أحمدوف، الذي طالما حظي بدعمه وتعاونه منذ ما قبل تحقيقه الفوز في الانتخابات الرئاسية الماضية.

مخطط الانقلاب

وقال زيلينسكي إن مخطط الانقلاب من إعداد أحمدوف. وعاد الرئيس الأوكراني ليقول "إن أحمدوف يتم جره إلى الحرب ضد الدولة الأوكرانية، وسيكون ذلك خطأه الكبير. لا يمكنك القتال ضد بلدك. أنا لست يانوكوفيتش (الرئيس الذي أطاحته "الثورة البرتقالية" في فبراير "شباط" 2014). وأضاف زيلينسكي أنه "لن يهرب إلى أي مكان"، في إشارة إلى الرئيس الأسبق فيكتور يانوكوفيتش، الذي لاذ بالفرار إلى روسيا، حيث يقيم حتى اليوم.

ومن الغريب في هذا السياق أن زيلينسكي عاد في اللقاء نفسه ليقول "إنه لا يصدق احتمالات مشاركة أحمدوف في التحضير للانقلاب".

وحول احتمالات الحرب قال "إن أوكرانيا مستعدة لتصعيد الصراع مع روسيا، وإن مثل هذا الاحتمال يمكن أن يكون كل يوم، وإن كان يعتقد في أن ما يجري تداوله من معلومات بهذا الشأن لا يعدو محاولة من أجل الترهيب عبر عديد من المنصات الإعلامية، التي تقول باحتمالات اشتعال الحرب". وفي محاولة لإلقاء تبعات ما تصفه موسكو بـ"الهيستيرية" الإعلامية، توجه زيلينسكي إلى الرئيس الروسي بوتين يناشده التصريح علانية بأنه لا ينوي غزواً واسع النطاق لأوكرانيا، بقوله "دعنا نقول هذا علناً إن روسيا لا تستعد لغزو واسع النطاق لأوكرانيا".

ولعل المتابع مفردات زيلينسكي وأسلوبه الخطابي يقول بقصور شديد في أداء "رئيس الدولة القائد الأعلى للقوات المسلحة" حسب تقديرات مراقبين في موسكو. وذلك من منظور مقارنته بأسلافه، بمن فيهم الرئيس السابق بيتر بوروشينكو، الذي حظي بشهرة ومكانة يقولون اليوم في أوكرانيا إنهما تفوقان كثيراً ما يتمتع به الرئيس الأوكراني الحالي لدى الأوساط المحلية والأوروبية.

وقد كشف اللقاء الأخير الذي عقده مع عدد محدود من الصحافيين وممثلي وسائل الإعلام المحلية والأجنبية عن أنه لم يستطع بعد التخلي عن مهنته الرئيسة كفنان ساخر بدأ مسيرته من "حلقات الهواة"، وهو ما لا يستطيع المواطن الأوكراني نسيانه، وما يعزون إليه الكثير من إخفاقاته وقصور سياساته التي تقف في صدارة أسباب ارتباك الأوضاع السياسية واشتعال الخلافات داخل أعضاء الفريق الواحد، ممن خرج بعضهم ليرفع راية التحدي والمعارضة لرئيس الدولة على شاشات التلفزيون.

ومن هؤلاء أرسين أفاكوف، وزير الداخلية، الذي سبق وأعلن استقالته احتجاجاً على سياسات الدولة، وعاد ثانية ليلوح بانتقاداته كثيراً من الأوضاع الراهنة. ونقلت صحيفة "فيدومستي" الروسية عن أفاكوف الذي طالما كان أحد أهم أركان النظام السابق، انتقاداته ما يعصف بالبلاد من أزمات اجتماعية واقتصادية، ومنها أزمة الطاقة التي قال إنها تدفع إلى ضرورة التفكير في مدى جدوى بقاء الحكومة الحالية في كييف. وأشار أفاكوف إلى أن الفترة الأخيرة شهدت تغيير خمسة وزراء، فضلاً عن تغيير وزير الاقتصاد كل ثلاثة أشهر، على حد قوله.

تبعية القيادة الأوكرانية

ويذكر المراقبون الضجة، التي تعالت في أعقاب احتدام الصراع الداخلي بين أعضاء الفريق الواحد، وما نجم عن إطاحة رئيس مجلس الرادا دميتري رازومكوف، الذي طالما كان محسوباً على زيلينسكي. وثمة ما يشير إلى أن ذلك يمكن أن يكون تفسيراً لما أشارت إليه نتائج استطلاع للرأي حول انحياز 43 في المئة من مواطني أوكرانيا إلى تأييد إجراء الانتخابات الرئاسية المبكرة.

وينقل المراقبون ما قالته يوليا تيموشينكو، المعروفة تحت اسم "أميرة الثورة البرتقالية"، وزعيمة حزب "باتكيفشينا" المعارض، حول أن "هذا البلد لا يحكم نفسه"، في إشارة إلى ما يتردد في الأوساط المحلية والعالمية حول "تبعية القيادة الأوكرانية لما يصدر لها من تعليمات من وراء المحيط".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ونقلت صحيفة "فيدومستي" عن تيموشينكو تصريحاتها حول أن "فوضى الكوادر وتكرار تغيير القيادات يشيران إلى أن الدولة ليست مسؤولة عن نفسها. وما تواجهه من عواقب بالغة المأساوية يكشف عن أكبر قدر من عدم المهنية، وعدم المسؤولية، ما يجعلنا نقول، إنها ليست سلطة بل هي شكل من أشكال تصرفات الهواة".

ومن اللافت في هذا الصدد أن خلافات أعضاء الفريق الواحد، وانفراط كثير من "عقود" الأمس، جاءا مواكبين لعودة عدد من أهم رموز الماضي إلى صدارة الساحة السياسية، ومنهم الرئيس السابق بيتر بوروشينكو، ورئيسة الحكومة السابقة "أميرة الثورة البرتقالية" يوليا تيموشينكو، ووزير الداخلية السابق أفاكو.

ويزيد من حدة التوتر الراهن تقارب هذه الشخصيات واتفاقها غير المعلن حول عجز الرئيس الحالي، وما يشوب سياساته من قصور قد يفسّر ما كشفت عنه نتائج استطلاع الرأي حول ضرورة الانتخابات الرئاسية المبكرة.

وفيما يواصل الرئيس الأوكراني محاولاته الرامية إلى حشد مختلف الجهود من أجل استمالة الإدارة الأميركية وحلف الناتو إلى جانبه في مواجهته مع روسيا، تحسباً لاحتمالات اشتعال الحرب "الساخنة" بين الطرفين التي قال إنها "واردة مع كل يوم جديد"، دحضت موسكو ما يقوله زيلينسكي حول وجود المخطط الانقلابي، وقالت إن الرئيس الأوكراني يحاول صرف الأنظار عن متاعبه في الداخل، وفشل سياساته على صعيد تنفيذ ما أعلنه من تعهدات إبان الحملة الرئاسية الانتخابية.

ومن هذه التعهدات يشير المراقبون إلى "تحقيق التسوية السياسية للأزمة الأوكرانية، واستعادة شبه جزيرة القرم، فضلاً عن تحسين الأوضاع المعيشية ومراعاة الحريات ومنح منطقة الدونباس وضعية خاصة، وإجراء الانتخابات النيابية في الداخل".

هل يتخلى بايدن عن زيلينسكي؟

وعلى الرغم من أن زيلينسكي حاول التخفيف من وطأة هذه التقديرات بإعلان "أنه نجح في الوفاء بتعهداته الانتخابية بنسبة 30 – 35 في المئة"، فإن التصريحات التي أدلى بها الرئيس الأميركي جو بايدن حول "تقديراته ومدى تأييده أوكرانيا"، تقول باستعداد واشنطن للتخلي عن تأييدها زيلينسكي. وكان الرئيس بايدن اكتفى في هذا الصدد بقوله إنه يؤيد وحدة أراضي وسيادة أوكرانيا، من دون الإشارة إلى موقفه من زيلينسكي.

وفسر المراقبون ذلك بقولهم إن بايدن يعني بعدم الإشارة إلى اسم رئيس الدولة أنه "على استعداد لتأييد أي رئيس يمكن أن يخلف زيلينسكي شريطة الحفاظ على وحدة الأراضي الأوكرانية"، التي يقصد بها استعادة أوكرانيا القرم وفرض سيادتها على المناطق "الانفصالية" في جنوب شرق أوكرانيا.

ويدرج الكثيرون من المراقبين في موسكو وأيضاً في أوكرانيا، استمرار تلويح زيلينسكي بخطر الحشود الروسية في المناطق الحدودية المتاخمة لأراضي جنوب شرق أوكرانيا، ضمن محاولات الرئيس الأوكراني الرامية إلى لفت أنظار الداخل عما يعيشه المجتمع من أزمات، واستدرار تعاطف الخارج الذي وقع في شرك الحملات الإعلامية المضادة لروسيا، التي تتزايد حدتها يوماً بعد يوم على وقع ما يتردد بشأن تكثيف موسكو حشودها العسكرية، وتزايد احتمالات غزو الأراضي الأوكرانية. وذلك ما تتفق فيه كييف مع مخططات وسياسات الإدارة الأميركية، حتى إن هناك في موسكو من يقول "إنه لو لم تكن روسيا موجودة على الخريطة السياسية لتعين عليهم اختراعها".

قمة افتراضية مرتقبة

وكان وليام بيرنز، رئيس الاستخبارات المركزية الأميركية، قد تطرق في أعقاب زيارة قام بها لموسكو إلى احتمالات اندلاع الحرب، في توقيت مواكب لتصريحات مماثلة صدرت عن يانس ستولتنبرغ، الأمين العام لحلف الناتو، ثمة من ربط بينها وبين الحديث عن "قمة افتراضية" عبر "الفيديو كونفرنس"، بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والأميركي جو بايدن يبحث الجانبان احتمالات عقدها قبل نهاية العام الحالي.

ولم تكن موسكو لتغفل كل هذه التصريحات، وما يصدر عن الجانب الأوكراني من استفزازات سواء في حوض البحر الأسود، أو على صعيد المواجهة العسكرية في منطقة الدونباس بجنوب شرق أوكرانيا.

وفي هذا الصدد أكد ديمتري بيسكوف، الناطق الرسمي باسم الكرملين، مواقف بلاده بسلسلة من التصريحات قال فيها "إن الهيستيرية التي يجري حالياً تأجيجها من قبل كل من وسائل الإعلام الأنجلوساكسونية والأوكرانية بدعم من جانب الساسة الأوكرانيين بقيادة رئيس الدولة، نعتبرها غير مقبولة على الإطلاق".

ومضى ليعرب عن قلق بلاده من أن "هذا التأجيج يمكن أن يمثل محاولة لإخفاء أوكرانيا استعداداتها لحل قضية دونباس بالقوة، الأمر الذي سيكون من الجنون الكامل". وثمة ما يشير إلى أن ما أدلى به بيسكوف من تصريحات يستهدف "قطع الطريق" أمام ما تستهدفه أوساط الناتو في اجتماع وزراء خارجية بلدانه، الذي يبدأ أعماله في ريغا عاصمة لاتفيا يوم 30 نوفمبر، ويتضمن جدول أعماله حسب تصريحات يانس ستولتنبرغ، الأمين العام للحلف، بحث المسائل المتعلقة بـ"زيادة روسيا من تعداد قواتها في أوكرانيا ومحيطها".

وفي الوقت الذي يواصل فيه "الناتو" تحذيراته لروسيا من مغبة ما وصفه الأمين العام للحلف بتكثيف حشودها العسكرية على الحدود الأوكرانية، أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن استعداده للوساطة بين روسيا وأوكرانيا.

غير أن موسكو سارعت لتؤكد ما سبق وأعلنته في أكثر من مناسبة حول أنها ليست طرفاً مباشراً في الأزمة الأوكرانية، فيما أعلن ديمتري بيسكوف، أن "اتفاقات مينسك" هي الأساس الوحيد للمفاوضات حول التسوية في أوكرانيا.

احتمالات وساطة أردوغان

وفي معرض التعليق على احتمالات وساطة أردوغان، أكد كثيرون من "معلقي" البرامج السياسية على شاشات القنوات الروسية الإخبارية أن أردوغان وعلى الرغم من علاقاته الطيبة مع الطرفين روسيا وأوكرانيا، يظل طرفاً غير مقبول لأداء دور الوساطة في مثل هذا الصراع، الذي سبق وأعرب عن انحيازه إلى أحد طرفيه منذ أقدم على تكثيف تعاونه العسكري مع أوكرانيا وإمدادها بأحدث الطائرات المسيرة التي تستخدمها القوات المسلحة الأوكرانية في مواجهتها العسكرية ضد جمهوريتي لوغانسك ودونيتسك غير المعترف بهما في جنوب شرقي أوكرانيا، فضلاً عن تكرار تصريحاته التي يرفض فيها الاعتراف بضم روسيا شبه جزيرة القرم، التي أعلنت تركيا أكثر من مرة عن طموحاتها لاستعادتها بوصفها "أراضي تركية كانت تابعة للإمبراطورية العثمانية" في القرن التاسع عشر.

وإضافة إلى ما سبق الإشارة إليه، يتداول مراقبون في العاصمة الروسية ما قد يندرج تحت "الغضب المكتوم" المشوب بكثير من التحفظات إزاء ما يصدر عن مصادر تركية من تصريحات مدعومة "بخرائط جغرافية" تقول إن لتركيا حقوقاً في مناطق روسية، تحديداً في مقاطعة ألطاي في جنوب شرقي روسيا، تدرجها السلطات التركية داخل خريطة لأراضي "الدولة الطورانية" القديمة في عدد من مناطق آسيا الوسطى.

وتظل الأنظار مشدودة إلى ريغا في انتظار ما يمكن أن يسفر عنه اجتماع وزراء خارجية بلدان "الناتو" من قرارات بشأن الأزمة الأوكرانية، واحتمالات تداعياتها على الصعيدين المحلي والإقليمي.

المزيد من تقارير