Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"سالب واحد" مسرحية مصرية تواجه صدمة الولد المعاق

 عندما تعيش الاسرة على الخشبة مأساة يومية تنتهي في الموت

من المسرحية المصرية "سالب واحد" (الخدمة الإعلامية للفرقة)

في عرض "سالب واحد"، الذي يقدم على مسرح الهناجر، تتم معالجة قضية إنسانية مهمة وشائكة، بنعومة شديدة، ومن دون نصائح على طريقة "قل ولا تقل"، أو "افعل ولا تفعل".

أدرك صناع هذا العرض أنهم بصدد عمل فني لا دعائي، وحققوا في ساعة وخمس عشرة دقيقة فقط، هي مدة العرض، ما لم تستطع تحقيقة ندوات ومقالات ومؤتمرات، فقط لأنهم آمنوا بالقضية التي هم بصددها، وأعملوا خيالهم في معالجتها، كتابةً وتمثيلاً وإخراجاً، هكذا جاء عرضهم، على الرغم من قتامة قضيته، مبهجاً، وممتعاً، ومؤلماً، في آنٍ واحدٍ.

يتناول العرض قصة طفل وُلد بإعاقة ذهنية وجسدية، وفشلت معه كل طرق العلاج، حتى إنه لا يردد سوى كلمة واحدة: "هنروح فين يا بابا"، الأمر الذي جعل والديه يضيقان به، بخاصة الأب، الذي فكر في النهاية في إخراجه من البيت، لتموت الأم من هول الموقف الذي انتهى إليه الأب. وقد تأثر كاتب نص العرض محمد عادل، بدرجة ما، برواية "أين نذهب يا بابا" لـلكاتب جان - لوي فورنييه، التي ترجمها أيمن عبدالهادي، وصدرت عن الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 2019، وتدور حول رجل أنجب ولدين مُعاقين، يردد أحدهما "توماس"، سؤاله الدائم، والذي لا يملك سواه: "أين نذهب يا بابا"، من دون أن يحظى بإجابة لطيفة من والده، وإن اختلف السياق والمعالجة في نص العرض.

ظلت مشكلة الأب والأم مع ابنهما المعاق في إصرارهما على أن يفهمهما الابن، لا أن يفهماه هما ويدركا احتياجاته النفسية. ظلا على اعتقاد أنه بمثابة عقاب إلهي لهما، محنة لاختبار قدرتهما على الصبر والعطاء، لذلك سارا في طرق خاطئة لمعالجته، في حين أن مجرد اقتراب طفل آخر منه ودعوته إلى اللعب معه تحرك في داخله مشاعر الطفولة وتغير حالته من البؤس الشديد إلى السعادة المفرطة.

هي رسائل وإشارات بسيطة ودالة يبثها العرض بنعومته الشديدة، بعيداً عن الخطب والمواعظ، التي لا تجد في الغالب آذاناً صاغية.

منهج تعبيري

العرض، الذي أخرجه عبدالله صابر، يشير منذ مشهده الأول، إلى وعي هذا المخرج، وإلى المنهج الذي يلتزم به لتقديم رؤيته، وهو منهج يستند إلى التعبير، لا التصريح، وهو ما وسم مفردات العرض جميعاً، التمثيل والاستعراض والموسيقى والديكور والأزياء.

الديكور الذي صممه عبدالرحمن خالد جاء تعبيرياً صرفاً، هو منظر واحد ثابت، بيت قائم على الهشاشة والاضطراب والعجز والألم، هكذا يمكن قراءته. مفردات كثيرة متداخلة ومتنافرة، مفردات أو بقايا، أغلبها متداعٍ، وبلا قيمة، لكنها، مجتمعة معاً، تعبر عن عالم شديد القسوة، متقطعة أوصاله، غير مترابط، غير قادر على التواصل والتفاهم.

في وسط كل هذه المفردات ثمّة أسلاك كهربائية متداخلة هي الأخرى، تُضاء وتُطفأ وتتغير ألوانها بحسب حالة الطفل، وكأنها تعبر عما يجول داخل رأسه، بل كأنها مخ الطفل نفسه. الإضاءة صممها المخرج، وجاءت لتكون مفردة أساسية وفاعلة في الدراما، ومساهمة في تلقي العرض وفك شيفراته، وكانت عنصراً تمثيلياً مضافاً، إذا جاز التعبير، يسهم في شحن طاقة العرض وزيادة أثره.

سوء الفهم

وسمت التعبيرية أيضاً الملابس (صممتها نوران الشيمي)، فالأب والأم يرتديان ملابس سوداء، وعلى الصدر، وبلون ذهبي، ما يشبه القيود، وكأنهما، في حالة حزنهما الدائم، وعدم قدرتهما على التواصل مع الطفل، مسجونان خلف سوء الفهم وسوء التصرف تجاه الابن، الذي جاءت ملابسه طفولية، وفيها خطوط متداخلة أيضاً كأنها ذلك العقل الذي يعاني عدم فهم الآخرين له، بينما جاءت ملابس الراوية كما لو كانت ملاكاً شفافاً على قدر كبير من التعاطف مع حالة الطفل، بل والتماهي معه كنقطة ضوء وسط عتامة مفرطة.

يبدأ العرض برقصة للأب والأم في بداية زواجهما، وهما في مستوى أعلى، وفي المستوى الأسفل الطفل جنيناً، وهو يرقص فرحاً بالحياة التي سيخرج إليها، ثم تتحول رقصته في طلاقتها وانسيابيتها، بعد الولادة، إلى رقصة مقيدة بالعجز والألم. وقد نجحت المصممة مي رزيق في السير على المنهج التعبيري نفسه، لتشكل استعراضاتها لبنة مهمة في بناء العرض، وكذلك الموسيقى التي وضعها أحمد حسني التي عبرت بشكل جيد عن أجواء العرض، وبخاصة أنها جاءت حية معتمدة على الوتريات كالكمان والتشيللو، فضلاً عن البيانو.

رهافة التمثيل

أفصح العرض عن طاقات تمثيلية هائلة، فقد لعب أحمد عباس دور الطفل المعاق ذهنياً وجسدياً، برهافة وحساسية شديدتين، وبتوازن دقيق في الفعل ورد الفعل، وهو دور مركب وصعب يلزمه خبرة ووعي شديدان، وإلا فقد تأثيره، وأثار الضحك بدلاً من إثارة الألم والشجن. هو قد قرأ الشخصية من باطنها، وليس من ظاهرها، وتفهّم أزمتها ودوافعها، وظل طوال العرض محافظاً على توازنه هذا، ليذكرنا بنجوم كبار لعبوا شخصية المعاق ذهنياً أو جسدياً في السينما العالمية، على اختلاف الإعاقة لدى كل منهم، أمثال ليوناردو دي كابريو، وشون بن، وسام ورثينغتون، وسواهم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أما يارا المليجي، التي حصلت عن دورها في هذا العرض على جائزة أفضل ممثلة صاعدة في المهرجان القومي للمسرح، فقد لعبت دور الراوية المتعاطفة مع أزمة الطفل، والتي تتوحد به في المشهد الختامي للعرض. لعبت الدور بصفاء نادر، وحرفية عالية دلت عليها قدرتها في نهاية العرض على التماهي مع الطفل لتصير مثله تماماً، في مشهد أبرز إمكاناتها كممثلة تمتلك قدراً كبيراً من الموهبة والوعي. وهذا المشهد تحديداً ينم عن ذكاء الكاتب والمخرج، فكأن هذا التحول الذي حدث للراوية يخبرنا، وفق المنهج التعبيري المتبع في العرض، أنها كانت بمثابة عقل الطفل نفسه الذي يبثنا أشواقه وآلامه.

ولعبت سالي سعيد دور الأم المضطربة بين مشاعر الأمومة ومشاعر اليأس وخيبة الأمل، وتحولاتها في علاقتها بالابن ما بين الشفقة والخوف والملل، بوعي، وسلاسة تظهر فهمها طبيعة الشخصية وما يمور في داخلها من مشاعر متناقضة. وكذلك مصطفى رشدي في دور الأب القاسي الذي كان ينتظر ابناً يكون سنداً وامتداداً له، ولم يتحقق أمله فيه.

جرعة الكوميديا

أدرك المخرج، بوعي شديد، ضرورة تخفيف جرعة القتامة التي سيطرت على العرض، فأفسح مساحة للكوميديا التي تمثلت في شخصيات المعلم والطبيب والدجال، التي جلبها لعلاج الابن. والشخصيات الثلاث أداها عبدالرحمن محسن، وهو طاقة كوميدية هائلة، وكان أداؤه بمثابة البلسم الذي أسهم في ترطيب نفوس المشاهدين، واستبدل بدموعهم، التي انهمرت بالفعل، ضحكات خففت كثيراً من وطأة الألم الذي سيطر على أجواء العرض.

"سالب واحد" تعني – بحسب ما جاء في العرض - صفراً، كائناً لا وجود أو فائدة له، هكذا يتعامل معه المجتمع، هكذا يعتبره عالةً عليه، وتنتابه الرغبة دائماً في التخلص منه، أو على الأقل الانصراف عنه، واعتباره كماً مهملاً، لكن العرض، بقدرته على التعبير جمالياً عن هذا "السالب" يوقظ فينا حساً إنسانياً شفيفاً، ويجعلنا نعيد النظر في كيفية تعاملنا مع تلك الفئة، ونسعى إلى فهمها، لا أن نجبرها هي على فهمنا.

المزيد من ثقافة