Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

فريدريش دورنمات شغلته العدالة الغائبة والصدفة الوجودية

مدينة برن السويسرية تسعيد ابنها الكاتب العالمي في الذكرى المئوية لولادته

الكاتب السويسري فريدريش دورنمات (مركز دورنمات السويسري)

تلقى أعمال الكاتب السويسري دورنمات منذ الخمسينيات إقبالاً كبيراً من القراء ونجاحاً لدى النقاد. ملايين النسخ بيعت من أعماله التي تُرجمت إلى نحو أربعين لغة. أحبّ القرّاء فلسفته، وخياله، وسخريته اللاذعة، وقدرته على تناول أسئلة الإنسان الكبرى بأسلوب قصصي مشوق، وأُعجبوا بهوسه بموضوعين لا يفارقانه في معظم أعماله: العدالة وعجز القانون عن تحقيقها، وأثر المصادفة على حياة الإنسان. وربما جذبهم أيضاً تحليله العميق للنفس البشرية، ووصفه للغرائز المحركة للإنسان، وأمتعتهم المقاطع العديدة في أدبه التي يحتفي فيها بالولائم، واصفاً ما يُقدم فيها من طعام وشراب. من تلك المقاطع يستشف القراء عشق الكاتب للطعام الجيد والشراب المعتق والسيجار الكوبي الفخم، بل وربما إفراطه في ملذات الطعام والشراب، وهو ما أدى إلى بدانته وإصابته بأمراض السكري والقلب. كان دورنمات (5 يناير- كانون الثاني 1921 – 14 ديسمبر- كانون الاول 1990) ينوي القيام برحلة حول العالم "للهرب" من سويسرا، ومن الاحتفالات التي ستُقام له بمناسبة عيد ميلاده السبعين، لكن أمراض البدانة أودت بحياته قبل ذلك بثلاثة أسابيع.

شاعر الكوارث

يمكن أن نطلق على دورنمات لقب "شاعر الكوارث البشرية"، الكاتب الذي سلط الضوء على الأعماق الإنسانية المظلمة، والذي تنبأ بالجنون العالمي المدمر، مثلما نقرأ في قصته المريعة "الحرب الشتوية في التيبت" التي تصف العالم بعد انتهاء الحرب العالمية الثالثة. قصص دورنمات ومسرحياته لا تمنح الأمل الكاذب، بل تفتح عين القارئ على اتساعها ليرى العالم كما هو، أو ربما أبشع مما هو؛ يرى القارئ أنه – مثلا – يسير في نفق لا نهاية له، ولا ضوء في آخره (قصة "النفق"). منذ أعماله الأولى يبدو دورنمات كاتباً حكيماً، شيخا يتأمل في أحوال العالم، ويتلذذ بتصوير متاهاته وشروره؛ كاتباً يؤمن بأن السخرية هي الوسيلة الوحيدة لتحمل هذا العالم المجنون.

كل هذا جعل من درونمات كاتباً فريداً في الأدب الألماني الحديث والمعاصر، لا يملّ القراء والنقاد من العودة إليه مرة بعد أخرى. وهكذا كان مرور مئة عام على مولده مناسبة لإقامة مؤتمر دولي في العاصمة برن، بالقرب من مسقط رأسه شتالدن، وغير بعيد عن نوشاتيل، مقر إقامته خلال العقود الأربعة الأخيرة من حياته. كان من المقرر إقامة المؤتمر العلمي في شهر يناير، تزامناً مع ذكرى مولد دورنمات في الخامس من يناير (كانون الثاني) قبل مئة عام، لكن جائحة كورونا أطاحت بخطط المنظمين. وبعد تأجيل وتسويف، عُقِد المؤتمر في المكتبة الوطنية في برن تحت عنوان: "الحقيقة كتخييل، والتخييل كحقيقة"، وتولى تنظيم المؤتمر الأرشيفُ السويسري الذي يحفظ تراث دورنمات وتركته الأدبية، وشارك فيه نخبة من المتخصصين في أدب دورنمات ومن مترجميه، مثل الناقد المعروف بيتر فون مات، والباحث المتخصص في أدب دورنمات أولريش فيبر، والكاتب السويسري لوكاس بيرفوس، والفرنسي ماتياس إينار، والمترجم الأميركي جويل أجي، والكاتبة السويسرية والمترجمة إلى الإيطالية آنا روشا، وكاتب هذه السطور عن المترجمين العرب. أظهر المؤتمر بوضوح أن أعمال دورنمات لم تتقادم، بل ما زالت تُقرأ على نطاق واسع، وما زالت تُترجم، وما زال الباحثون يعكفون على دارستها وتحليلها، ويكتشفون الجديد فيها، لا سيما في أعماله المتأخرة التي لم تحظ بنصيب كبير من الشهرة، لكنها مهمة لأنها تقدم مفاتيح مهمة لفهم أعمال دورنمات.

القرية في أدب دورنمات

بالقرب من برن، في شتالدن في ريف إمنتال، ولد دورنمات ابنًا لقس بروتستانتي كان سبباً في نفور الابن من المسيحية، وربما جعله يصور رجال الدين على هذا النحو الكاريكاتوري (في قصة "الخسوف" مثلا – والعجيب أن ابن دورنمات أصبح قساً مثل جده). بعد أن بدأ دراسة الفلسفة والأدب والعلوم الطبيعية، ترك الجامعة قبل أن يتم الدراسة، ثم تأرجح فترة بين الفرشاة والقلم، إلى أن تفرغ للكتابة النقدية ثم الإبداعية، من دون أن يهجر الفن التشكيلي.

الأجواء القروية والمسيحية حاضرة بقوة في معظم أعمال دورنمات، بالرغم من أنه كاتب كوني يناقش قضايا كبرى تهم القراء في كل أنحاء العالم. هذه الأجواء السويسرية القروية نجدها واضحة في قصة "الخسوف"، وهي القصة التي قُدمت في افتتاح أعمال المؤتمر، وألقاها الممثل السويسري هانزبيتر مولر، ورافقه بالعزف على الفلوت ماتياس تسيغلر.

وتعدّ قصة "الخسوف" – المترجمة إلى العربية في مجموعة "السقوط" عن دار الكتب خان – هي البذرة التي نمت منها مسرحية "زيارة السيدة العجوز" التي أسست شهرة دورنمات عالمياً. وربما ظلت "السيدة العجوز" تشغل الكاتب حتى وفاته، فكتب للمسرحية عدة صياغات قصصية، نُشرت آخرها عام 1990. في القصة يعود "السيد العجوز" إلى قريته ومسقط رأسه لينتقم من خطيبته السابقة التي هجرته وتزوجت بآخر، ويتناول دورنمات فيها، مرة أخرى، موضوعه الأثير والمحوري: العلاقة بين العدالة والقانون، ويسلط الضوء على غرائز إنسانية أزلية، مثل الرغبة في الانتقام والتشفي، وكذلك النهم والطمع الذي لا يعرف شبعاً. سطوة المال هنا تهزم الجميع، حتى المدعو ماني الذي يريد العائد قتله، يوافق على خطة الجريمة مقابل أن يحصل على مليون ليؤمّن مستقبل عائلته. يقول دورنمات في القصة: "قال ماني ... إنه، مثل كل سكان القرية، بحاجة إلى المال، ليس غبياً حتى لا يدرك ذلك، حتى إذا كلفه الأمر حياته، وعلى كلٍ فالحياة لم تعد تعرف طعم الفرحة منذ زمن طويل، عليهم بتنفيذ الأمر، أفضل شيء أن ينفذوا اقتراح هيرمنلي تسوربرُغن، الآن، على الفور. ثم جلس ماني، وواصل الفلاحون احتساء "الأحمر"، ولزموا الصمت."

"سبّاك أفكار"

يصف درونمات نفسه بأنه "سبّاك أفكار" أو "مصمم أفكار"، الفكرة هي التي تقوده، لا اللغة على سبيل المثال، ولا السيرة الذاتية على وجه الخصوص؛ ويسخر من غيره من الكتاب الذين "يستعرضون حياتهم بلا خجل" ويعرون ذواتهم في الأدب، ويتهكم على من يجعل حياته الشخصية النبع الأول والأخير لأدبه، وهو بلا شك يقصد هنا قرينه الشهير ماكس فريش الذي كانت تربطه به علاقة وثيقة، تختلط فيها الصداقة بالغيرة المهنية، والعداوة الصريحة.

يقول دورنمات عن نفسه إنه يجد صعوبة في التعامل مع الأفكار التي يهتدي إليها، ولهذا فالرسم مهم جداً بالنسبة إليه، فالصور هي التي تساعده على التعبير عن الأفكار: "ليست الأفكار هي التي تقود خطاي إلى الصور، بل الصور هي التي تقودني إلى الأفكار." ولعل المسرح كان بالنسبة إليه حلقة الوصل بين الرسم والكتابة.

ولأنه كان يتلاعب بالأفكار، و"يسبكها"، لم يكن يرضى بسهولة عما يكتبه، بل كان يكتب صيغاً مختلفة للعمل الواحد، تصل إلى عشر صيغ أحياناً، قبل أن يدفع بالصيغة الأخيرة إلى المطبعة. وعندما يكتب تمثيلية إذاعية مثل "العطل"، فإنه يحولها إلى قصة اعتبرها هو من أفضل ما كتب، وهي في رأيي كذلك، ويغير من أحداثها، لا سيما نهايتها، وبعد مرور سنوات يضيف إلى القصة ويحذف، ثم يحولها إلى مسرحية. ولا عجب في ذلك، فـقصة "العطل" تناقش أسئلته الأثيرة: ما العدالة؟ وما حدود مسؤولية الفرد؟ وما دور المصادفة في حياة الإنسان؟ في "العطل" تُقام محاكمة رمزية لشخص يدعى ترابس، مندوب مبيعات متجول، ناجح وثري، ثم نكتشف، ويكتشف ترابس نفسه، أنه ارتكب جريمة قتل، أو دفع رئيسه إلى الموت دفعا ليستولي على مكانه في الشركة، بعد أن حل محله في فراش الزوجية. تنتهي التمثيلة الإذاعية باستمرار ترابس في حياته من دون أن يشعر بأي تأنيب من ضميره، أما في القصة فقد جعله دورنمات يشنق نفسه عقاباً على ما ارتكبه.

الفن حيث لا يتوقعه أحد

في حديث صحافي قال فريدريش دورنمات ذات مرة إن أسوأ ما يمكن أن يتخيله هو أن يمر بمكتبة تعرض كتاباً يضم مقتطفات من أدبه تحت عنوان "العزاء والسلوان لدى دورنمات"! ثم أضاف: "ستكون هذه نهايتي ككاتب". وربما يكون دورنمات برع في القصة البوليسية تحديداً من أجل ذلك. غير أنه في قصصه البوليسية يسخر من كتّاب هذا الجنس الأدبي لأنهم "يمارسون الاحتيال"، كما يقول في روايته "الوعد"، ليس فقط لأن المجرمين في هذه القصص ينالون دوماً عقابهم، "فهذه الأسطورة الجميلة ضرورية بالتأكيد من الناحية الأخلاقية. إنها من الأكاذيب التي تقوم عليها دعائم الدولة، مثل القول الورع الشائع: الجريمة لا تفيد". ما "يغيظ" دورنمات في ما يكتبه زملاؤه هو منطقية الأحداث، وعدم وجود مكان للصدفة في أعمالهم: " لا تلعب الصدفة في رواياتكم أي دور، وإذا بدا شيء كأنه صدفة، فإنكم تطلقون عليه القضاء أو القدر؛ منذ قديم الأزل وأنتم – أيها الكتاب – تضحون بالحقيقة من أجل القواعد الدرامية. حان الوقت كي ترسلوا هذه القواعد إلى الجحيم!".

والطريف أن دورنمات لم يختر الرواية البوليسية طواعية، بل لجأ إليها تحت وطأة الحاجة إلى المال. آنذاك كانت زوجته الحامل ترقد في المستشفى، ثم عانى هو من نقص حاد في نسبة السكر في الدم، فنُقل هو أيضاً للمستشفى. كانت تكاليف العلاج باهظة، لذلك راح يتصل بعدد من الناشرين عارضاً عليهم مشاريع قصصية مختلفة لم يكن كتب منها حرفاً، وذلك حتى يدفعوا له عربوناً يستطيع به أن يسدد بعض ديونه. وهو ما حدث. وعندما تعاقد على نشر روايته الأولى "القاضي وجلاده" مسلسلة، حصل الكاتب الشاب على 500 فرنك سويسري. وعندما عاد بالنقود إلى المنزل، ظنت زوجته أنه سرق المال!

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

"كيف يستطيع الفنان أن يبدع في عالم متخم بالثقافة؟" – هكذا تساءل دورنمات في مطلع حياته الأدبية، وكانت إجابته: "لعل أفضل شيء أن يكتب روايات بوليسية، وأن يبدع الفن حيث لا يتوقعه أحد. على الأدب أن يغدو خفيفاً، وألا يزن شيئاً على ميزان النقد الأدبي المعاصر، فهذا هو السبيل الوحيد كي يكتسب وزناً من جديد." برواياته البوليسية – مثل "الوعد" و"الاشتباه" و"القاضي وجلاده" - ارتقى دورنمات بالقصة البوليسية "الخفيفة" إلى منزلة الأدب "ثقيل الوزن"، أو هبط بالفلسفة كي تكون قصة مشوقة، وأبدع الفن حيث لا يتوقعه أحد.

دورنمات بالعربية

شهدت سنوات الستينيات والسبعينيات ترجمة عدد كبير من مسرحيات دورنمات، مثل "زيارة السيدة العجوز" و"علماء الطبيعة" و"الشهاب" و"زواج السيد مسيسبي" و"رومولوس العظيم" و"هبط الملاك في بابل". ومثلت مسرحيات عديدة على خشبات المسارح في عواصم عربية مختلفة. لكن قصص دورنمات ورواياته لم تلق اهتماماً مماثلاً في تلك الفترة، وظلت كذلك حتى مطلع هذه الألفية عندما نقلتُ إلى العربية عدة أعمال له، مثل "العطل"، و"السقوط" و"الوعد".

وكان يوسف إدريس من الكتاب العرب المبهورين بدورنمات، وعندما قام برحلة إلى سويسرا في مطلع الثمانينيات، زار دورنمات في بيته في نوشاتل، ثم كتب عن ذلك اللقاء مقالة نُشرت في كتابه "الأب الغائب" بعنوان "لقاء حافل مع درونمات"، عبّر فيها عن إعجابه بموهبة دورنمات "وقدرته على خلق الأسطورة الحديثة التي يُحرِّك بها الواقع الآسن ويجعل منه فنّاً عظيماً".

ويذكر إدريس في مقاله إنه وجه الدعوة إلى دورنمات ليزور مصر، وهو ما حدث فعلاً. وأتذكر جيداً هذه الزيارة في عام 1983 (إذا لم تخني الذاكرة). آنذاك أقام معهد غوته في القاهرة ندوة مع الكاتب السويسري الكبير، تقاطرنا عليها – نحن طلبة الأدب الألماني في القاهرة – لنستمع إلى قطب الأدب السويسري والألماني، لكن صدمتنا وخيبتنا كانتا كبيرتين، إذ إن دورنمات تحدث بلهجة أهل برن الثقيلة، البعيدة تماماً عن اللغة الألمانية التي كنا ندرسها في أروقة الجامعة. لكن هذا الإحباط لم يمنعني من الاقتراب من أعماله ودراستها، وترجمتها فيما بعد.

المزيد من ثقافة