Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عودة الحياة لورش الخياطة مؤشر لإحياء أحد قطاعات الصناعة اللبنانية

هذه المهنة لا تحتاج إلى كثير من التمويل ويتوقع انتعاشها أكثر في حال تم رفع سعر الدولار الجمركي

تصدق مقولة "مصائب قوم عند قوم فوائد" مجدداً، لوصف حال القطاعات الإنتاجية التي بدأت في الاستجابة لأزمة الاستيراد وشح الدولار. وهذا ما ينطبق تحديداً على ورش الخياطة والتطريز التي بدأت تستعيد جزءاً من عافيتها بعد سنوات من التقهقر. وتدخل الخياطة ضمن المهن التي لا تحتاج إلى تمويل كبير أو بنية اقتصادية هائلة، كما تنتمي إلى قائمة الحرف الصغيرة التي يتوقع أن يزداد الطلب عليها في حال رفع الدولار الجمركي على الملابس الذي ما زال على سعر 1500 ليرة للدولار الواحد، في وقت سيصل إلى مستوى السوق عند تحريره.

وفي هذا السياق تفرض الموضوعية التأكيد على أن مهنة الخياطة لم تغب بالكامل عن المشهد اللبناني، ولكنها طوال العقدين الماضيين تحولت إلى مهمة "تصليح الملابس الجاهزة" التي يطلب الزبون بعض "الروتوش" عليها من تقصير أو تضييق.

ربات المنزل

تحفل الذاكرة اللبنانية بصور ربات الأسر اللواتي يعملن خلف ماكينات الخياطة، وكانت مهنة الخياطة والتطريز من صلب الوظيفة المنزلية، ولكن ما إن شهدت الأسواق المحلية اجتياحاً للملابس المستوردة القليلة الثمن حتى استغنت العائلة اللبنانية عنها، وإما ركنتها جانباً في إحدى زوايا المنزل أو قامت ببيعها، ومن احترم تاريخ وأمجاد الماكينة الساحرة جعلها قطعة أثرية ضمن قائمة الأكسسوارات التراثية.

اليوم يبدو أن هناك شيئاً تغير، فقد عادت بعض النسوة للخياطة في منازلهن، واللافت عودة عدد كبير من السيدات لامتهان حرفة الخياطة، في ظل زيادة كبيرة للطلب على "تفصيل وخياطة ملابس المناسبات"، إضافة إلى البدلات الرجالية والعرائسية وملابس العمل وغيرها.

تقول فاطمة حسان السيدة التي امتهنت الخياطة منذ 30 سنة، "ظننا لسنوات أن مهنة الخياطة ماتت بسبب انعدام الطلب عليها، وتحولنا إلى تصليح بعض الملابس واضطررت إلى تحويل المحل إلى مكان لبيع ثياب النوم الجاهزة والمستوردة"، إلا أنه خلال الفترة الماضية عاد الطلب على التفصيل والخياطة من الأصناف كافة مثل الفساتين والعباءات وحتى ملابس النوم. وتعزو فاطمة السبب إلى بحث الزبون عن التوفير، فالملابس المستوردة أصبحت غالية الثمن لأنها تحتسب بالدولار وعلى سعر الصرف الرسمي، "الناس يريدون التوفير حتى ولو دولار واحد لأنه يساوي الفرق الكبير، فما بالك إذا كنت أمام بدلة تساوي كثيراً".

اليد العاملة رخيصة

تشعر فاطمة بالحنين إلى زمن ورش الخياطة التي تعمل من دون كلل أو ملل، وتتفاءل بأن الفترة المقبلة ستعيد الحرفة إلى سابق عهدها بعد أن ضيقت متاجر الملابس الجاهزة الرخيصة على عمل الخياطين، وشكلت أزمة الدولار انعطافه في حياة هذه الحرفة، وأسهمت اليد العاملة الرخيصة في تفعيلها، وعلى سبيل المثال، فإن كلفة تفصيل وخياطة البدلة هو 100000 ليرة لبنانية أي حوالى خمسة دولارات، وبالتالي فإن الزبون هو من يتحكم في ثمن القطعة لأنه يختار نوعية القماش.

كما يمكننا التأكيد أنه لم تعد كلفة اليد العاملة الوطنية هي العائق في سبيل تطور الصناعات والحرف التي تعتمد على الجهد والفن والإبداع، وإنما العامل الأساس هو "تسعيرة انقطاع الكهرباء والاضطرار إلى الاشتراك بالمولدات الخاصة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتشير فاطمة إلى أن "العامل اللبناني يريد أن يعيش ويؤمن اللقمة لعائلته، ولكن صاحب العمل مضطر لزيادة التسعيرة لتغطية كلفة تأمين الكهرباء، ولكن على الرغم من ذلك، ما زالت الأسعار منخفضة جداً مقارنة بالبضائع المستوردة".

وتوضح فاطمة أثر الدولار على الملابس المستوردة والخياطة، وتقول إن كلفة تركيب السحاب الجرار للجاكيت الولادي حوالى 20 ألف ليرة، ما دون الدولار على سعر الصرف الحالي أي نحو 22800 ليرة لبنانية، لذلك فالأهل لا يترددون في دفع المبلغ لإعادة الحياة إلى سترة ابنهم الصغير، أما في السابق عندما كان سعر صرف الدولار 1500 ليرة، كان موقف الأهل مختلفاً، فكانوا يفضلون شراء جاكيت جديد لأن كلفته كان نحو 14 دولاراً، في وقت كان ثمن القطعة الجديدة 20 دولاراً تقريباً.

عودة الورش للعمل

وعادت الحياة تدب في محال الخياطة على الرغم من كل الصعوبات، وخلال التجوال بالأسواق القديمة في طرابلس اللبنانية (شمال لبنان)، يتضح وجود العديد من السيدات اللواتي نقلن ماكينات الخياطة إلى مدخل المحال من أجل إتمام عملهن تحت نور الشمس في ظل الانقطاع المستمر للكهرباء، كما عادت ورش الخياطة تنشط في محاولة لتغطية حاجة السوق المحلية وتحديداً في منطقة جبل محسن (إحدى مناطق طرابلس) المشهود لها في مجال صناعة الملابس والبدلات.

وتستفيد ورش الخياطة من خبرات ومهارة بعض الخياطين من الجنسية السورية، كما راحت توسع نطاق عملها ليشمل أنواع الملابس كافة بما فيها تلك التي كانت تستورد من الخارج مثل الملابس الداخلية والسباحة وأطقم الرياضة.

وفي زيارة لإحدى الورش المتوسطة الحجم، يتبين أن هناك إقبالاً متزايداً على خدمات الخياطة، ويتنوع الزبائن من عسكري يود إصلاح سترته، إلى مواطن اشترى من "البالة" بنطال رياضة يود تضييقه، إضافة إلى شاب يود تفصيل بدلة عرسه، وبين هذا وذاك، أصحاب محال تجارية يأتون للاطمئنان على إنجاز طلبياتهم من الكنزات والعباءات والسترات وخلافها.

الصناعة هي أساس النهضة

يشكو محمد عكام (خياط سوري)، وهو مدير إحدى ورش الخياطة من نقص اليد العاملة اللبنانية في مجال الخياطة، ويطالب الحكومة اللبنانية والمنظمات غير الحكومية إلى تكثيف جهودها لتدريب الشباب لإعداد يد عاملة ماهرة لأن "الخياطة لها مستقبل كبير، وتؤمن دخلاً دائماً للعاطلين من العمل، وتقيهم شر الحاجة والفقر".

في عام 1988 دخل محمد عكام عالم الخياطة في حل (سوريا) في عمر ثماني سنوات، وانتقل إلى لبنان عام 2009 ليعمل في مجال الخياطة وتصليح الملابس، ويؤكد أن الطلب ازداد خلال الفترة الماضية على الخياطة بعد أن كان يقتصر على التصليح في الأغلب، إذ بدأ بتفصيل البيجامات وملابس الرياضة والملابس الداخلية النسائية وبدلات الأعراس وغيرها من الأصناف.

ويتحدث عكام عن الحاجة إلى مزيد من العمال "لأن التاجر لم يعد بإمكانه استيراد البضائع من الخارج، فالبضاعة اللبنانية أصبحت أرخص من الأجنبية سواء كانت تركية أو صينية أو حتى سورية، بسبب تراجع كلفة اليد العاملة وما كانت تشكله من ضغط على إجمالي الإنتاج، كما أن القماش المستخدم أصبح وطنياً"، ويقترح عكام دعم الدولة والجهات الدولية أيضاً لعملية تجهيز المصانع لأنها الأعلى كلفة.

المزيد من تقارير