Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"الشغف" حال دون اندثار مهنة حياكة الجاكار في طرابلس اللبنانية

يُفاخر بأنه بعد 57 سنة لا يزال قادراً على الإبداع والتفنن في هذه الصناعة والحرفة التراثية

في آخر شارع الكنائس، يكمل داوود "روتين" حياته اليومي الذي بدأه منذ ستة عقود. يفتح محله القديم، يتفقد خيوطه، يصلح "آلات السنجر"، ويشارك في "حلقة الشطرنج" تحت أشعة الشمس. من خارج السياق، وبصورة مفاجئة، تصدُر من داخل الفبركة المعتمة أصواتاً غير مألوفة، ما هي إلا لحظات حتى نكتشف آلة أشبه بهيكل الماكينات الوترية، نسأل عنها، فيجيب أنها "ماكينة الجاكار الأصلية". يقوم داوود بتركيب الخيوط، نظم الآلة، ونقش الرسوم. قبل أن ينتقل لتحريك المقبض اليدوي أفقياً، ذهاباً وإياباً. وما هي إلا لحظات حتى تظهر النتيجة "لوحة من قماش الصوف الملوّن". يُغازل داوود قُطب نسيجه، ويُفاخر بأنه بعد 57 سنة لا يزال قادراً على الإبداع والتفنن في هذه الصناعة والحرفة التراثية، ليحافظ على تقليد التكامل بين "كاتالوغات النسيج" وآلات الجاكار.

الحائك الأخير

وما انفك داوود يوماً عن مراقصة ماكينات الخياطة التي تزدحم بها فبركته. واظب على مهنته إلى أن اكتسب لقب "حائك الجاكار الأخير"، لا يسعده كثيراً هذا اللقب فهو "آخر همه"، لأن ذلك يشي برحيل معظم الحرفيين في هذا الميدان التقليدي، إضافة إلى كونه لم يعد هناك أناس يتفننون ويتقنون العمل اليدوي. كما أنه لم يسعَ يوماً لاحتكار "سر المهنة"، فهو لعب دور "المعلم" لمئات السيدات في مختلف المناطق اللبنانية.

يدافع داوود عن الماكينة التي أحدثت ثورة في عالم الأسرة، فقد اعتاشت من هذه المهنة مئات العائلات التي تعلمت بناتها التريكو من طرابلس، القبة، أبو سمرا، الميناء"، كما أعالت السيدات الأرامل وعوائلهن. ففي زمن التريكو، كانت أجرة حياكة الكنزة "عشر ليرات"، وهو مبلغ كافٍ لتأمين الحد الأدنى من المعيشة، فكيف الحال إذا ما أحيك أكثر من قطعة يومياً. وهذه الآلة عجّلت الإنتاج، وزادت الدخل مقارنة مع "الصنارة" التي تستغرق حياكة الكنزة الواحدة مدة أسبوعين.

طوّر داوود أدواته الحرفية، فهو اجتاز مرحلة الحياكة والإصلاح، إلى التصميم ونقش الرسوم على "الكنزة الصوفية". ويُفاخر بأنه أنتج عدداً كبيراً من الكنزات بنقوش متناسقة وجميلة مع الفرو الثمين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

"صديق سنجر"

علاقة وثيقة تربط داوود بماكينات "سنجر" Singer، لذلك يعمد إلى شراء الماكينات القديمة وتجديدها، ويعرضها للبيع من أجل تحقيق الحد الأدنى من الدخل. كما يشكل مرجعاً لجميع أصحاب مالكي "سنجر" في طرابلس والمحيط، يقصدونه بحثاً عن "إعادة إحياء آلات الخياطة القديمة". فهذه الآلات شكلت إنقلاباً في نمط الحياكة والخياطة، ولا يمكن لأي آلة كهربائية أن ترقى إلى روحية "الغرزة اليدوية".

تأتي النساء بصورة يومية إلى محل داوود، ويحاولن الاستفادة من خبرته في الخياطة وإصلاح الماكينات. يقرأ داوود في الإقبال على إصلاح الماكينات بأنه "لم يعُد بالإمكان شراء آلة جديدة التي يتم تسعيرها بالدولار الأميركي، على غرار الآلات الكهربائية الأخرى".

ذاكرة مدينة

ويعود داوود في الذاكرة إلى أوائل ستينيات القرن الماضي، عندما قادته الصدف إلى العمل لدى "شركة سنجر" في منطقة التل – الوسط التجاري لمدينة طرابلس. استمر داوود في العمل عند "سنجر" لمدة 20 عاماً، تعلم إصلاح ماكينات الخياطة. وفي عز الحرب الأهلية، أسس عمله الخاص، حيت افتتح فبركته عام 1983، وشهد على مرحلة "تقهقر الصناعة اللبنانية"، وصولاً إلى محاولة معاندة الأقدار مع ارتفاع الدولار الذي حال دون إمكانية شراء المواد الأولية، ويقول داوود "أصبح إنتاج الكنزة الصوف مكلفاً للغاية، لأن سعر كبكوب الصوف بات ثمنه 15 ألف ليرة، وتحتاج إلى ما لا يقل عن ستة كباكيب لإنجاز الكنزة لتصل إلى عتبة 90 ألف ليرة، ناهيك عن التعب الجسدي والوقت الذي يحتاج لإنجازه".

مواسم الخير

وعايش داوود حقبة التعايش بين أتباع الديانات السماوية في منطقة الزاهرية وشارع الكنائس. ويتندر على أيام شهر رمضان "الذي كانت نكهته مختلفة عن سائر الأشهر"، وكان الحرفيون يعملون من "الصباح حتى منتصف الليل"، أما الآن فقد افتقد الناس رهجة المواسم، ولم يعُد يعرف من رمضان إلا "سفرة الإفطار" لدى المسلمين.

يتحسر الحرفي على زمن مضى، عندما كان محله يعج بالفتيات، وكُنّ يملأنه بطبقتيه، ليتعلمن الحرفة ويعملن في مجال الحياكة. فتلك الحقبة شهدت على خروج المرأة إلى سوق العمل والإنتاج، وكانت تؤمن نفقات "عملها وتعليمها". ويشهد على انتهاء حقبة من حقبات مجد لبنان، فالمواطن لم يعُد بإمكانه شراء الجديد، لذلك يتجه الفقراء ومتوسطو الدخل إلى دنيا الملابس المستعملة، أو شراء الملابس ذات الجودة المنخفضة.

المسيرة مستمرة

ويحاول داوود الصمود والاستمرار، فقدر كبار الحرفيين في لبنان، بذل الجهد المتواصل ومعايشة رحيل جيل كامل من الإنجازات. فهو يعتقد أنه "خلال الحرب كانت الأيام أفضل، كان هناك عمل وإنتاج ومدخول"، كما يستذكر كيف عاشت منطقة الزاهرية سنوات من الأمان، و"تحت الصواريخ والقصف كانت تستمر الحركة التجارية، أما الآن فيفرضون عليك الإقفال من دون تقديم المقابل".

بالمحصلة، تُواجه مهنة حياكة الجاكار مصيراً مماثلاً لمصائر الحرف التقليدية التي ما زالت حاضرة في أحياء طرابلس القديمة، فاستمرار هذه الحرف يتصل ببقاء حرفييها على قيد الحياة، واستمرار شغفهم بها.

المزيد من منوعات