Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تتخوف الحكومة المغربية من تجريم الإثراء غير المشروع؟

سحبت قانوناً من البرلمان يتناول المسألة وبررت ذلك بإدخال تعديلات إضافية إليه

رئيس الحكومة المغربية عزيز أخنوش (أ ف ب)

أثار سحب الحكومة المغربية مشروع تعديل القانون الجنائي جدلاً واسعاً، حيث اعتبر جانب من المعارضة وفعاليات المجتمع المدني أن الخطوة تناقض الخطاب الرسمي للدولة، الذي يتبنى محاربة الفساد منذ أعوام، باعتبار أن مشروع التعديل يضم بنداً يجرم الإثراء غير المشروع.

وكان مصطفى الرميد، وزير العدل السابق والقيادي في حزب العدالة والتنمية، قد أحال مشروع تعديل القانون الجنائي في 24 يونيو (حزيران) 2016 إلى البرلمان، وذلك تماشياً مع مخرجات نقاشات هيئة الحوار الوطني حول إصلاح منظومة العدالة، التي فرضتها مطالب الاحتجاجات التي شهدها المغرب عام 2011 في سياق موجة "الربيع العربي".

وينص الفصل "8 - 256" من مشروع القانون الجنائي على أنه "يعد مرتكباً لجريمة الإثراء غير المشروع، ويعاقب بغرامة من 100 ألف إلى مليون درهم (من حوالى 10 آلاف إلى 100 ألف دولار)، كل شخص ملزم بالتصريح الإجباري بالممتلكات طبقاً للتشريع الجاري العمل فيه، ثبت بعد توليه الوظيفة أو المهمة أن ذمته المالية أو ذمة أولاده القاصرين الخاضعين للتصريح، عرفت زيادة كبيرة وغير مبررة انطلاقاً من التصريح الذي أودعه المعني بالأمر بعد صدور هذا القانون، مقارنة مع مصادر دخله المشروعة، ولم يدل بما يثبت المصدر المشروع لتلك الزيادة". 

عرقلة تعديل القانون 

تُتهم كل من المعارضة والأغلبية الحكومية بالحيلولة دون اعتماد تعديل القانون الجنائي مخافة تطبيق بند تجريم الإثراء غير المشروع. 

ويشير المحامي عبد الصمد الإدريسي إلى "العرقلة المتتالية طيلة سنوات لمشروع القانون 10.16 الذي يقضي بتغيير وتتميم القانون الجنائي المعروض على البرلمان منذ عام 2016، التي مارستها فرق من الأغلبية والمعارضة على حد سواء، والتي لم تكن تخفي سبب رفضها للمصادقة عليه، المتمثل أساساً في الفصل 8-256، المتضمن لمقتضيات تُجرم الإثراء غير المشروع". 

ويضيف أن رئاسة مجلس النواب أعلنت بشكل مفاجئ سحب هذا المشروع بطلب من الحكومة، من دون أن توضح السبب، موضحاً أن الأمر أثار نقاشاً كبيراً على مواقع التواصل الاجتماعي مخافة أن يكون ذلك مقدمة لإلغاء الفصل المثير للجدل والمخيف لكثير من سياسيي أحزاب "الكفاءات".

ويؤكد المحامي المغربي أنه من حق أي حكومة، من الناحية الدستورية والقانونية، أن تعرض على البرلمان مشروع القانون الذي تراه مناسباً وبالمضامين التي تراها.

توضيح حكومي

في توضيحها للأسباب، أشارت الحكومة المغربية إلى أنها تسعى إلى تعديل القانون برمته وليس بشكل جزئي. وأكد مصطفى بايتاس، الوزير المنتدب في العلاقات مع البرلمان، والمتحدث الرسمي باسم الحكومة، أن سحب المشروع يهدف إلى تعديله في شموليته وإخضاعه لنقاش وطني.

وقال إن المشروع كان يتضمن تعديلات على مقتضيين اثنين أو ثلاثة، غير أن المنظومة الجنائية تتطلب إدخال تعديلات على مجموعة أخرى من المقتضيات بالنظر للمتغيرات الكثيرة التي استجدت.

وأشار إلى أن التشريعات القانونية الوطنية، بما في ذلك دستور المملكة والقانون الداخلي لمجلسي البرلمان، تتيح للحكومة إمكانية سحب مشاريع قوانين قديمة وتعويضها بأخرى جديدة.

محاربة الفساد ليست أولوية

لكن بعضاً من منظمات المجتمع المدني تعتبر سحب المشروع إشارة من الحكومة الجديدة إلى أن مكافحة الفساد ليست من أولوياتها. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويوضح رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام، محمد الغلوسي، أن مشروع التعديل شهد خلافات بين مكونات الحكومة السابقة حول بعض القضايا ومن ضمنها تجريم الإثراء غير المشروع، الذي من شأن تجريمه وإعادة النظر في قانون التصريح بالممتلكات أن يشكل لبنة أساسية في مكافحة الفساد والرشوة، وهو ما كان ينتظره الرأي العام، مشيراً إلى أن الحكومة الحالية سارعت إلى سحبه، وهو ما يشكل إلتفافاً على مطالب المنظمات الحقوقية. 

ويقول إن "سحب المشروع وتجميد الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد (2015-2025)، فضلاً عن كون البرنامج الحكومي لا يتضمن ما يفيد بالرغبة في التصدي للريع والفساد، يشكل مؤشراً إلى أن الحكومة لا تعنيها قضية محاربة الفساد والرشوة، على الرغم من خطورة ذلك على البرامج أو السياسات العامة الموجهة للتنمية". 

ويعتبر الغلوسي سحب المشروع "رضوخاً لبعض المراكز والمواقع القوية المستفيدة من واقع الريع والفساد، التي ليست لها مصلحة في إصلاح ديمقراطي حقيقي يؤسس لفصل السلطات والتوزيع العادل للثروة، مع ربط المسؤولية بالمحاسبة". 

فراغ قانوني

يوضح النائب البرلماني عن حزب العدالة والتنمية (المعارض) رضا بوكمازي، أن "الأصل في تجريم الإثراء غير المشروع هو تدخل تشريعي لمعالجة مظاهر الاختلال التي تعرفها منظومة التصريح الإجباري بالممتلكات، على اعتبار أنها لا تعاقب أي تحول مالي كبير وغير مبرر لكل ملزم بالتصريح".

ويشير إلى أن محاربة الفساد لا يمكن لها أن تتحقق ما دام القانون غير قادر على إيقاع الجزاء على كل من نهب المال العام من دون ثبوت جريمة الاختلاس أو الغدر، أو استعمل موقعه لمراكمة الثروات بشكل غير مشروع، سواء عبر تضارب المصالح أو الرشوة أو غيرهما من الأشكال غير القانونية، مضيفاً أنه بسبب هذا المقتضى الذي يبدو بسيطاً بقيت العقوبة في حدود المصادرة والحرمان من الأهلية لكل من تمت إدانته بالإثراء غير المشروع، بعيداً من العقوبات السجنية.

يشار إلى أن الفساد يحرم خزانة المغرب من حوالى 50 مليار درهم (ما يعادل 5 مليارات ونصف مليار دولار) سنوياً، أي حوالى 5 في المئة من الناتج الداخلي الخام، منها 27 مليار درهم بسبب الرشوة والاختلاسات في الصفقات العامة.

المزيد من تقارير