Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"قلق الأمسيات" الفائزة ببوكر تسبر أحزان الريف

يحذر الأب البروتستانتي ابنته من قراءة الروايات التي تغضب الخالق

الروائية ماريكا لوكاس رينفيلد الهولندية الفائزة بجائزة بوكر  (صفحة الكاتبة على فيسبوك)

يقول البسطاء من أهل القرى في جنوب مصر تحسراً على من تغرّب عن موطنه ولم يعُد إليه: "الغربة شربته". وفي سياق آخر، قد تدعو الأم الغاضبة على ابنها أو شخص آخر: "إذهب لعلّ الغربة تشربك". وبلغتهم المحكية: "روح إن شاء الله الغربة تشربك". هكذا يخاف أهل القرى من المدينة ويخشون أن "تشرب" أبناءهم، فلا يعودون إلى قراهم مرة أخرى. هذا الواقع القائم في الريف المصري لا تختلف صورته عما يظهر في الريف الهولندي ونظرة أهله إلى المدينة. وهذا ما تكشفه الروائية الهولندية ماريكا لوكاس رينفيلد، في روايتها الفائزة بجائزة البوكر البريطانية "قلق الأمسيات" (دار العربي- ترجمة محمد عثمان خليفة). ويتجلى في تحذير الأب لأطفاله من النزوح إلى المدينة... "كل من فكّر يوماً في تحدي الجسر وتجاوزه لم يعُد بعدها أبداً".

أمنية قاتلة

تروي أحداث "قلق الأمسيات" الطفلة "ياس" التي تعتقد أنها قتلت أخاها "ماتياس" حين دعت الله في ليلة عيد الميلاد أن يأخذ أخاها "ماتياس" هذا لأنه ذهب في رحلة للتزلج على الجليد ولم يصطحبها معه. يموت "ماتياس"، متجمداً خلال تلك الرحلة، فتتغيّر حال الأسرة على الأقل في عقل "ياس" التي تعيش عقدة الذنب وهاجس أن تفقد أياً من أبويها أو شقيقيها. وسط هذا العالم القاتم، تحكي الرواية عن أدق التفاصيل في حياة أسرة هولندية تحيا في الريف عبر وعي طفلة في طريقها إلى المراهقة.

ترفض أن تخلع معطفها الأحمر منذ غياب "ماتياس"، وعندما تعرف أن والديها سيجبرانها على خلعه، تقرر أن تنهي حياتها بأن تدخل نفسها في مُبرّد في قبو المنزل وهي تعلم أنه يُفتح مرة واحدة فقط كل عام بحسب ما أخبرتها أمها... "لو سقط أحدكم فيه فلن نراه مرة أخرى حتى عيد الميلاد المقبل". تفتح "ياس" باب المُبرّد الثقيل ثم تدخله وتغلق على نفسها راغبة بالموت تجمداً كما حدث لأخيها.

حزن قروي مقيم

يسيطر الحزن على رحيل "ماتياس" على الجو العام للرواية ككل. فهو الحدث الذي تنبثق منه كل الأحداث. حزنٌ لا يفنى، وذلك طابع أهل القرى بسبب بطء وتيرة سير الزمن فيها، على عكس المدن. فوجود كثير من الوقت للتفكير في الراحلين يزيد من وقع الفقد على النفوس. ذلك ما تبرزه الرواية وتؤكده أحداثها. لم يستطِع أي من أفراد الأسرة نسيان الأخ الأكبر المتوفى. كان لذلك كبير الأثر على أنفسهم، فلم يستطيعوا تجاوزه على الرغم من محاولاتهم المتكررة لجهة عدم الإتيان على ذكره. الأب اعتراه الحزن الشديد على فقدان أكبر أبنائه. والأم نحُلَ جسدها وقلّ طعامها، وتضاءل اهتمامها بأبنائها الثلاثة الآخرين. "ياس" تحاول جذب انتباه أبويها. تتمنى أن تحضنها أمها أو أن تلمسها. تعمل على ابتكار حيل كي يحدث ذلك ولو عن طريق الخطأ. وهكذا تنقل الرواية صورة للحزن كما يليق بالقرى... "إن الحزن لا ينمو ولكن مساحته داخلك تكبر"، تقول الساردة.

الطابع الديني

تكشف الرواية التي تدور تفاصيلها في مزرعة عن الطبيعة المتدينة للقرويين بذكر اقتباسات كثيرة من الكتاب المقدس، وبإبراز حرص الوالد على الذهاب إلى القداس يوم الأحد، وامتحان أبنائه في ما قاله القس. الأب يرى أن كل أصناف الغناء والموسيقى المستحدثة "شر وفسق". حين يرى ابنته تقرأ ينهرها، واصفاً ما تقرأه بالهراء، معتبراً أن من الأفضل لها أن تقرأ الإنجيل.

يرى أن قراءة الروايات "تُغضب الرب". تفاصيل صادقة وصادمة تنقلها ماريكا لوكاس رينفيلد، عن الريف ورؤية المزارعين للعالم، التي لا يبدو أنها واحدة، سواء في الشرق أو الغرب. ذلك العالم خبرته رينفيلد جيداً، فهي نشأت في مزرعة في ريف هولندا، وذكرت في مقابلات لها أن روايتها تنقل أحداثاً من حياتها الحقيقية، ومنها وفاة أخيها الأكبر عندما كانت في الثالثة من عمرها، وأن أسرتها لم تكُن تسمح لها بقراءة الروايات، بخاصة الكتب التي تتحدث عن السحر. كما أن المؤلفة ذات الثلاثين سنة، ما زالت تعمل في مزرعة ألبان ولم تغادر الريف.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولا تنسى الكاتبة أن تبرز وباء "جنون البقر" الذي ضرب العالم في العقود المنصرمة، وكيف أثّر ذلك فيهم، بخاصة أن دخلهم جلّه قائم على تربية الأبقار وبيع ألبانها، وتكشف عن مدى تعلق المزارعين بدوابهم وغضبهم من السلطة التي انتزعت أبقارهم وأعدمتها بعد أن استشرى فيها الوباء، باعتبار أن ذلك ينطوي على مأساة جديدة تعصف بالأسرة.

سرد على لسان طفلة

نجحت رينفلد في التحدي الذي وضعته لنفسها في طريقة السرد التي اختارتها لروايتها في جعلها على لسان طفلة ترسم العالم كما يتراءى لها، أو بحسب تلقّيها الساذج للمعلومات وإخضاعها لخيالها الجامح ورؤيتها البريئة للعالم. وعي محدود في معرفته، يجعلها تراه بصورة مجازية أو ميتافيزيقية. وتعبّر الساردة عن ذلك مثلاً حين تتوجّس من أن زهد أمها في الطعام قد يفضي بها إلى الموت، وأن والدها سيترك المنزل بعد ذلك ولن يعود إليه مجدداً. تظن أن والديها يخبئان في القبو يهوداً خوفاً عليهم من بطش النازيين. ذلك يجعل المعلمة في المدرسة تخبر والديها في اجتماع الآباء بأن ابنتهما لديها خيال جامح وأنها ابنة عالم غير واقعي من السهل تفكيكه، ثم إعادة بنائه من جديد في صورة أخرى. عاقبتها المدرسة لأنها أدّت التحية النازية وهتفت "يحيا هتلر"، بأن طلبت منها أن تكتب بعد انتهاء اليوم الدراسي: "لن أسخر من التاريخ، كما أنني لا أسخر من الرب". فالرواية جلها تدور في عقل طفلة ترى أنها مثل "شمشون"، لكن قوتها ليست في شعرها بل في معطفها الذي ترفض أن تخلعه، لأنها إن خلعته ستصبح لعبة في يد الموت وستصيبها الأمراض.

هذه الرواية مليئة بالأحداث والتفاصيل الصادمة، مثل العنف ضد الحيوانات وسِفاح ذوي القربى ومشكلة الفتاة في التبرز واجترار الموت، إلا أنها تكشف عن أسرة أصابها التفكك ووصلت إلى الهاوية، ليس بسبب الحزن وحده، لكن لأنهم لم ينجحوا أساساً في التعبير عن هذا الحزن، مما زاد من وطأته.

المزيد من ثقافة