Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الهولندية هيلا هاسه تسترجع الصراع الإستعماري في "البحيرة السوداء"

الصداقة تنقلب إلى عداوة عرقية انتصارا للهوية الأصلية

الروائية الهولندية الراحلة هيلا هاسه (دار الكرمة - القاهرة)

تحظى الكاتبة الهولندية هيلا هاسه (1918 - 2011) بمكانة عالمية مرموقة، تجلت في حصدها العديد من الجوائز والتكريمات من دول أوروبية وآسيوية وأفريقية، وترجمة أعمالها إلى لغات عدة.

وتعد هاسه من رائدات الأدب الهولندي الحديث. بدأت مع الشعر عام 1945 ثم انتقلت إلى الرواية عام 1948 مع "أوروخ" التي ترجمتها، أخيراً، من الهولندية إلى العربية السورية أمينة عابد تحت عنوان "البحيرة السوداء (دار الكرمة- القاهرة). وهذه الرواية التي تعد أول عمل لهاس يترجم إلى العربية، تحظى بمنزلة متميزة في قائمة أعمالها، إذ كانت مقررة في المدارس في هولندا، وحظيت بمراجعات نقدية جيدة في أغلب اللغات التي ترجمت إليها، وأعيدت طباعتها أكثر من خمسين مرة عقب وفاة مؤلفتها، وتحولت إلى فيلم عام 1993 بعنوان الرواية الأصلي "أوروخ".

تدور أحداث الرواية في جزيرة جاوة الإندونيسية أو الهند الشرقية، حيث ولدت هاس. وقد تناولت الكاتبة تلك المنطقة الجغرافية في عدد من أعمالها ومنها "الهند الشرقية"، و"خدش الصخرة"، و"العين الرئيسية"، و"سادة الشاي".

تحكي رواية "البحيرة السوداء" عبر راوٍ، ولد في جاوة لأب صاحب مزرعة ومصانع عدة، علاقته بخادم يدعى "ديبو" من السكان الأصليين، ويدعى أوروخ. ابن السيد والخادم ولدا في اليوم ذاته، وعاشا الطفولة والمراهقة لا ينفصل أحدهما عن الآخر، بخاصة بعد موت والد أوروخ غرقاً في البحيرة السوداء وهو ينقذ السارد. رداً للجميل يرسل والد الراوي الفتى أوروخ إلى المدرسة ليتعلم. ولكن ما أن يصل الصديقان إلى مرحلة الشباب حتى تتحول صداقتهما إلى عداوة، إذ أصبح أوروخ ينظر إلى صديقه القديم بوصفه مستعمراً جاء لنهب خيرات بلاده ويطالبه بالخروج من إندونيسيا لأنها لم تعد بلاده.

انسلاخ عن الهوية

قد تكون نظرية "أدب ما بعد الاستعمار" هي المدخل الأمثل لدراسة رواية "البحيرة السوداء"، كما فعل إدوارد سعيد في كتابه "الاستشراق"، حين حلل أعمالاً لكل من بلزاك وبودلير وغيرهما، معتبراً أنها غذَّت مقولة تفوق الأوروبيين على غيرهم من الشعوب. فهذا النموذج ظاهر تماماً في رواية "البحيرة السوداء" حيث يذكِر والد الراوي ابنه دوماً بأنه أوروبي ولا يليق به أن يصادق أحد أبناء سكان البلد الأصليين. يطالبه بأن يحضر معه من مدرسته من يشاء من زملائه الأوروبيين، ويتشاجر مع أمه لأنها تتركه يذهب إلى بيت أوروخ، لأن ذلك يجعله عاجزاً عن أن ينطق كلمة صحيحة بالهولندية ويحوَّله إلى جاوي خالص. وتمثل اللغة هنا ركيزة أساسية للهوية؛ لذا يحرص الأب على استقدام مدرس خاص يعيد ضبط لغة ابنه الهولندية، ويتعامل بعنصرية مع أبناء البلد يلخصها قوله لابنه وهو ينهاه عن صداقة الجاوي أوروخ: "يجب أن تفهم يا بني أنك أوروبي"، صـ 63.

ومن أهم القضايا التي ناقشتها نظريات ما بعد الاستعمار مسألة الهوية، وفي هذا الجانب تحيل رواية "البحيرة السوداء" من قبيل التشابه، إلى عملين روائيين عربيين الأول هو "قنديل أم هاشم" ليحيى حقي التي صدرت عام 1940، ورواية "موسم الهجرة إلى الشمال" للطيب صالح (1966)، ففي العملين البطلان هما من يتحدثان عن تجربتهما مع المستعمر، بينما في رواية هاس جاء السرد من وجهة نظر ابن المستعمر الذي أصبحت هويته هجيناً بين البلد الذي ولد وترعرع فيه، وبين بلاد والديه التي لم يرها لكنه ينتمي إليها. ويظهر أوروخ في "البحيرة السوداء" وهو المقابل لشخصيتي "إسماعيل" في "قنديل أم هاشم"، و"مصطفى سعيد" في "موسم الهجرة إلى الشمال".

 

يعاني الأشخاص الثلاثة حالاً من التشظي في هوياتهم. فهم يسعون إلى الانسلاخ من هوياتهم الأصلية والاندماج في الهوية الغربية الأوروبية المستعمرة لبلادهم، والافتتان بها في قاعدة لخَّصها ابن خلدون في مقدمته بأن المغلوب مولع بتقليد المنتصر. يعاني أوروخ ابن جزيرة جاوة من هذه الإشكالية وبسبب التعليم الذي تلقاه يشعر بأن أسرته الحقيقية غير كفء له. تخلى عن ملابسه التقليدية وارتدى الملابس الأوروبية. هجر لغته الأم إلى اللغة الهولندية. انسلخ عن عرقه وأنكره أمام زملائه في المدرسة، ويقول إنه من عِرق مختلط: أوروبي وجاوي. يتعالى على أهله ويرفض زيارتهم. وهو الموقف ذاته الذي يتبناه بطل رواية يحيى حقي الذي يتشابه مع أوروخ أيضاً في أنهما درسا الطب ورفضا الطب الشعبي القائم على خرافات تؤدي إلى القتل أكثر مما تشفي من العلل والأمراض. فعند عودة إسماعيل من ألمانيا بعد إنهائه دراسة الطب، يشعر بالعار من المحيط الاجتماعي الذي نشأ فيه ويهجره إلى حين. ويتشابه أوروخ مع بطل "موسم الهجرة إلى الشمال" في أن هناك أفراداً من المستعمرين تبنوا عملية إكمال تعليمهما لما يتمتعان به من ذكاء ومقدرة على التحصيل والفهم.

عودة إلى الأصل

يتشارك الأبطال في الروايات الثلاث في أن الهوية التي استلبت منهم جراء انبهارهم بالمستعمر سرعان ما تعود ويكتشفون زيف رؤيتهم القديمة. فمصطفى سعيد يهرب من أوروبا ويعود ليعيش كرجل عادي في إحدى قرى السودان ويتزوج من أهلها، وإسماعيل يتماهى مع الحي الشعبي المصري ويتفهم طقوس أهل بلده وعاداتهم وتقاليدهم ويعيش على طريقتهم. أما أوروخ فينقطع عن صديق طفولته ويهجر الملابس الأوروبية، وهو ما يصفه السارد بقوله: "لقد اختفى الشاب الرشيق بأحذيته القماشية الأميركية، وقمصانه البراقة، وحل محله الشاب من أهل البلدة ذو النظرة الجادة، الناضج بوعي جديد، وعي ينسجم هذه المرة انسجاماً كاملاً مع ذاته"، صـ 117. ويعود الفضل في ذلك إلى صديقه عبد الله، الذي انخرط معه في التيارات القومية والمدارس المتمردة التي بدأت عملية التذمر ورفض الهولنديين لكونهم مستعمرين ارتكبوا بحق أصحاب الأرض كثيراً من الجرائم وتعمدوا تجهيلهم ومنعهم من تطوير أنفسهم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتجري في رواية "البحيرة السوداء" عملية التحول من هوية إلى أخرى لأبطالها الرئيسيين حيث الراوي الذي ولد وعاش مع أسرة جاوية وتعلم لغاتها واختلط بها حتى أصبح من أهلها، ولا تفضحه سوى بشرته البيضاء. يتحول إلى هولندي يدرس الهندسة ويشارك مع جيشها في الحرب العالمية الثانية. أما أوروخ، فقد كانت حركته عكس حركة صاحبه ما جعل صداقتهما تتحول إلى عداوة تجعله يرفع السلاح عليه ويطلب منه مغادرة بلاده.

وفي الختام فإن الرواية، وإن نقلت الأحداث بعين سارد ينتمي إلى المستعمرين، فإنها أغفلت كثيراً من الجرائم التي ارتكبها هؤلاء المستعمرون في حق أبناء البلدان المحتلَّة مسلطة الضوء على فكرة الصداقة في حد ذاتها والظلم في أن يطرد الإنسان من المكان الذي ولد ونشأ فيه.

المزيد من ثقافة