Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الهولندي سيس نوتبوم يتأمل في وحدة الكائن ومصيره

شخصيات رواية "طقوس" تطرح أسئلة جوهرية لا أجوبة لها

الروائي الهولندي سيس نوتبوم (اندبندنت عربية)

تحمل لنا ترجمة الروايات أعمالاً أدبية وأسماء أدباء من العالم، ما يستدعي الإعجاب والتأني لبعضها. ومن هذه الروايات المترجمة إلى العربية، والصادرة حديثاً عن دار "منشورات الجمل"، رواية بعنوان "طقوس" للكاتب الهولندي سيس نوتبوم ذي المكانة الأدبية العالية في بلاده والعالم 180 كتاباً، التي تتوالى ترجمة بعضها إلى العربية.

للوهلة الأولى، تبدو حكاية الشخصية المحورية في رواية "طقوس" باسم "إني وينثروب" الرجل المولع بالفنون، وصاحب الأسهم، والمنتحر في أمستردام، إثر خساراته الفادحة في سوق الأسهم، حكاية عادية ومألوفة، ولا تستوجب الاهتمام. ولكن سرعان ما تتكشف للقارئ، لدى توالي المشاهد في الفصل الأول من الرواية (الفاصل الموسيقي)، خصوصية اللغة القصصية والروائية؛ هي خصوصية متأتية من إصرار الروائي على اعتبار المناخ الاجتماعي والفني و"الطقوسي" عنصراً مكوناً في الشخصية الروائية المحورية، وغيرها من الشخصيات، ومحفزاً لها على القيام بما تدفعها إليها هذه المناخات.

ولعل هذا الإصرار المفعم بالجدية والعمق والانتقائية في تناول الموضوعات الإنسانية الكبرى، مثل الحب، والزواج، والدين والطقوس، والموت والكمال وغيرها، مضافاً إليه توشيحات التهكم والفكاهة خلال النسيج القصصي المتقن وصفاً وسرداً وتعليقاً، هو ما يطبع أسلوب الكاتب نوتبوم، ويقربه من بعض الكتاب الخالطين الخفة مع ثقل المأساة الإنسانية، نظير ميلان كونديرا .

شخصية نموذجية

إذاً، يرسم الكاتب سيس نوتبوم في روايته "طقوس" ملامح شخصيته النموذجية هذه - أي إني وينثروب - ملمحاً إثر ملمح؛ فيشرع في وصفه، أولاً، على أنه مولع بالفنون، ومنها الموسيقى، وأن عشقه امرأته "زيتا" وزواجه منها، في قصر العدالة في مدينة "برينسينخراخت"، إنما كان بدافع تقديره العالي للأصوات التي يتكون منها اسمها واسمه على السواء "تعرف أن الأصوات الغريبة التي تشكل اسميهما قد رفعتهما فوق بقية العالم وعزلتهما عنه..." (ص: 25).

إلا أن الأمور ما بين الزوجين لا تلبث أن تسوء، فيقرر الانسحاب من تلك العلاقة الغرامية، بينه وبين عشيقته وزوجته التي لطالما دعاها "أميرة ناميبيا"، ما دام يحسب الحياة نادياً غريباً بعض الشيء، وقد صار عضواً فيها بالصدفة، ويمكن له الانسحاب منها ومن الزواج تالياً متى تسنى له ذلك، ومن دون أي شروح.

ولما كان الزمن المستعاد صيف عام 1963، فقد مضى "إني" يستحضر النساء اللاتي عرفهن وتركن أثراً في حياته، لا سيما تلك المسماة "بيترا"، المقيمة غرب أمستردام، لعلهن ينسينه زوجته "زيتا". إلا أن طيف زوجت بقي يلح عليه، ويخمد كل ذكرى، ولا يدع (الطيف) شيئاً وراءه سوى الفوضى العارمة، وهبوط حاد في أسعار البورصة التي كان مساهماً فيها، إلى كونه هاوياً للتحف والرسوم القديمة والنفيسة.

وأتقدم مع الراوي إلى القسم الثاني المعنون "أرنولد تادس"، وفيه يعالج الكاتب "سيس نوتبوم" مسألة التربية الدينية المسيحية التي أنكرها "إني"، بعد أن كان تشربها في طفولته إبان مكوثه في مدرسة داخلية ومعاونته الكاهن الكاثوليكي في خدمة القداس.

وفيه يكشف الروائي أيضاً لقاءً، يلتبس على القارئ تصنيفه ووصفه بالواقعي أو المتخيل، بينه وبين أرنولد تادس "أكثر الأشخاص وحدة في هولندا" (ص:55)، لا بل أكثر وحشة من "إني".

وفي أجواء من الخيبة الشديدة القتامة، تعبر عمة الراوي به أمكنة فاقدة هويتها الأولى، لتعرفه بأحد أقاربه، أرنولد تادس. وفي الأثناء، تروي له مسار انطفاء عائلته، موتهم انتحاراً أو اندحاراً تحت وطأة العوز وعبادة المال، الخطيئة المميتة لدى الكاثوليك، على ما تنقله له عمته "أبوك، عمك جوس، عمك نود، عمك بيير، عمتك كلير، كلهم إما أموات أو معدمون. إنك لا تملك شيئاً باستثناء ما يمكن أن تحصل عليه من جدتك في يوم ما..." (ص:63).

التعبير عن الذات

ولكن اللقاء بين إني وأرنولد تادس لم يجر على ما اشتهته العمة تريز؛ إذ أفصح "إني" لهذا الصهر ولعمته المتمسكين بأهداب المعتقد الكاثوليكي بأنه بات لا يؤمن، وبأن اهتماماته في مكان آخر. وعلى الرغم من ذلك التباين في الرؤى بين الراوي والقس تادس، فقد سكب له المشروب، وطلب منه أن يصف له طعمه، ومن ثم سأله عن جامعته، فقال إنه "لم يحصل على الثانوية، وطرد من أربع مدارس" (ص:74)، فيفهم القارئ، أن هذا اللقاء حصل للراوي في إحدى سنوات مراهقته، لما سدت في وجهه السبل، وكان بحاجة ماسة إلى المال.

وإذ راح أرنولد يستنطق الشاب "إني" عن معتقداته، انفتح للأخير باب التعبير عن ذاته، فأقر بأنه إنما ينتمي إلى مذهب اللاأدرية الوجودية، قال "وذات يوم فكرت في نفسي: إن المنظر الطبيعي، أي منظر طبيعي، لنقل هذا بعظمته الموضوعية، يستحضر فكرة الله وبمستطاعه، بالطبع، وبنحو جيد على حد سواء، أن يستحضر غيابه". (ص:90).

 

ولما سأله تادس عما إذا كان عرف والده، أجابه بأن أباه الذي عرفه في عمر العاشرة، وقد تطلقت منه والدته، وتزوج من مربية الأطفال، كان قد "قتل في ذلك الشتاء في القصف الجوي على لاهاي" (ص:102)

وظل الجدال محتدماً بين تادس، المشبع بالعقيدة السكولاستية العامرة بالأدلة المبرهنة على وجود الله، والشاب "إني" ذي الروح المثخنة بجراح الوجود، واليتم، والخيبة من المثل، وانعدام الشفافية.

ولئن كان الحوار لم يفض إلى عودة الشاب "إني" إلى إيمانه، فإن عمته خصصت له مبلغاً من المال، في حين تناهى إليه خبر موت القس "أرنولد تادس" جامداً حتى الموت، "في موقع لا يبعد كثيراً عن كوخه" (ص:147).

صراع الأجيال

أما القسم الثالث من الرواية، وهو بعنوان "فيليب تادس" فيتناول فيه الراوي نفسه "إني وينثروب" وقد بلغ الأربعين من عمره، حدث لقاؤه بالصدفة مع "فيليب تادس" ابن المتوفى أرنولد تادس، والحوار الشائق الذي جرى بينهما حول أمور كثيرة انتهت بانتحار فيليب تادس، وإحراق جثته. ويبدأ القسم بحكاية الحمامات الثلاث التي كانت تلملم الطعام لحظة دهس دراجة نارية إحداها، ونزول راكبتها الشابة وحملها، في صحبة الراوي، المصادف مروره من هناك، إلى حيث يمكن لهما دفنها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبعد انتهائهما من مراسم الدفن، تردفه الفتاة العشرينية خلفها، على الدراجة إلى منزلها، حيث تطارحه الغرام بأريحية ظاهرة. وعندئذ تنكشف له هذه الهوة الكبيرة بين قيم جيله والأجيال اللاحقة، سواء في تطلبها الجنسي، أو في نظرتها إلى الموسيقى، أو في تجاوبها السريع مع الآلات العصرية، قال لها "هل لي أن أراك مجدداً في يوم ما؟- "لا، لدي عشيق" (ص: 161).

وبالعودة إلى اللقاء الذي جرى بين "إني" وفيليب تادس، فقد شاءت الصدف، أو الروائي، أن يكون إني مولعاً بالتحف الفنية، لا سيما منها الشرقية اليابانية، وكان زميل له شريكاً في هذا الهوس، ويلتقي بفيليب الذي كان يجهل أباه، فيعرفه إني على بعض جوانب شخصيته، ويتعرف بالمقابل على شخصية فيليب القلقة، وغير المتوازنة عاطفياً، والعبثية الميل، والتائقة إلى التحرر من ذاتها، عبر الانتحار. وهذا ما جرى له.

كلمة حق تقال، في هذا الحشد الانطباعي وتداخل خيوط السرد والوصف والتعليقات المتصلة بالدين المسيحي، والحرية الشخصية، والهوس بالفنون، والمداورات الأسلوبية الذكية، والإيحاءات المتضمنة في التواريخ وغيرها، إن هذه الرواية للكاتب الهولندي سيس نوتبوم هي من الذرى الأدبية التي يحتفى بها. ولئن تبدى بعض الوهن في المستوى الأدبي العالي، عبر الترجمة إلى العربية التي أنجزها الشاعر العراقي علي عبد الأمير صالح، فإن الجهد المبذول، من قبله، لحفظ بلاغة المضمون ومناخاته، جدير بالتنويه والاعتبار.

ولمن أراد المزيد من روايات نوتبوم فهنا بعض العناوين: "فيليب والآخرون" (1954)، و"البحارة من دون شفاه" (1958)، و"الفارس مات" (1963)، و"طقوس" (1980)، و"أغنية الوجود والظهور" (1961)، و"في جبال البلاد الواطئة" (1984)، و"البودا خلف السياج" (1986)، و"الحكاية التالية" (1991)، و"يوم الموتى" (1998)، و"خسران الجنة" (2004)، و"مطر أحمر" (2008)، وغيرها كثير.

المزيد من ثقافة