Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

اعتصام القصر يطيل أمد أزمة الشراكة الانتقالية في السودان

الشرطة تتصدى للمعتصمين بالغاز المسيل للدموع وتفتح شارع النيل

بينما كان يُعتقد انتهاء الاحتكام إلى الشارع السياسي وبلوغ الأزمة السودانية ذروتها، مع نهاية مواكب (الطوفان) التي انتظمت كل أنحاء البلاد، الخميس الماضي، لتثبيت الثورة وتحصين التحول الديمقراطي ضد أي محاولات انقلابية، يبدو أن الطرف الآخر في "مجموعة ميثاق التوافق الوطني"، يعتبر أن المعركة بالنسبة له لا تزال مستمرة، من خلال إبقاء اعتصامهم أمام القصر الجمهوري الذي يدخل يومه الثامن قائماً حتى تتحقق مطالبهم.

على الرغم من تعدد جلسات ودعوات الحوار الدولية والإقليمية والمحلية، فإن أفق الأزمة لا يزال قاتماً من دون بوادر الانفراج، ويعتبر مراقبون أن استمرار اعتصام القصر يبقى دليلاً وشاهداً على استمرار أزمة السياسة المستفحلة مع غياب أي حلول لحالة التشظي التي ضربت مفردات مكوناتها السياسية على مستوى المكونين العسكري والمدني في مجلس السيادة، ومع الحرية والتغيير الحاضنة السياسية للحكومة الانتقالية، وكذلك داخلها هي ذاتها.

تمدد واختناق

على أرض الواقع، تمددت مساحات اعتصام القصر حتى كاد يبتلع وسط الخرطوم ومركزها التجاري ويغلق المداخل إلى أكثر من 8 وزارات، كما يتسبب في إضعاف الحركة التجارية، وشلل واختناقات حركة المرور، الأمر الذي استدعى تغيير اتجاهات عدة طرق مجاورة، ودفع بقوات شرطة مكافحة الشغب صباح اليوم وللمرة الأولى، إلى التصدي بإزالة المتاريس من تحت كوبري الملك نمر على شارع النيل الذي بات المتنفس الوحيد لحركة المرور شمال وسط الخرطوم، وأطلقت قوات الشرطة الغاز المسيل للدموع وطاردت مغلقي الشارع من المعتصمين.

في غياب أي بوادر لفض أو رفع الاعتصام، تتصاعد حدة الاتهامات من منصته، وتتزايد وتيرة حرب الوسائط الإلكترونية بالمقاطع المصورة والصوتية الساخرة والمتندرة من ضعف حشد الاعتصام الخيام الفارهة الفارغة، وتلك التي تظهر المعتصمين وهم يتدافعون على الوجبات، وعلى وجه الخصوص المقاطع التي تظهر لحظات توزيع الموز على المعتصمين بواسطة شاحنة صغيرة، ما أدى الى انتشار مصطلح "اعتصام الموز"، على نطاق واسع على وسائل التواصل الاجتماعي.

وظل الاتهام الأبرز الذي يطارد الاعتصام، هو أنه يمثل غطاءً للإسلاميين من فلول النظام البائد، الوصف الذي بات ملازماً له من قبل الطرف الآخر ومؤيديه، الذي تتطابق مطالبه وشعاراته مع مطالب المكون العسكري، ويدعمون توجهاته. وأول من أمس أدى المعتصمون صلاة الجمعة يتقدمهم مناوي وجبريل والتوم هجو، مع وصول عدد من الحشود الداعمة للاعتصام من بعض الولايات، وتحول منبر الاعتصام إلى ساحة ساخنة تدخل موجة جديدة من حرب الكلام والوثائق والأسرار، بين أصدقاء الأمس وأعداء اليوم.

تبرؤ وهجوم

من جانبها تنفي مجموعة ميثاق التوافق الوطني، أي صلة لها بفلول نظام البشير المخلوع، وكلما ارتفعت وتيرة هجمات الاستخفاف وحملات التهكم الالكترونية من الاعتصام يسعى منظمو الاعتصام للرد على ذلك بالمزيد من التحشيد باستقبال مؤيدين إضافيين من العاصمة والولايات، والتصعيد من منصة الاعتصام، والتمديد لمساحات داخل الخرطوم المختنقة بالأساس.

وتحولت منصة الخطابة بميدان الاعتصام التي يتناوب على الخطابة فيها قيادات المجموعة الميثاق إلى محطة لانطلاق هجمات كثيفة وقاسية تكشف مدى حدة الخصومة وحجم الصدع بين الفريقين، أبرزها الاتهامات بالفساد والاستئثار بالسلطة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وطالب اركو مني مناوي، حاكم إقليم دارفور، رئيس حركة تحرير السودان، من منصة الاعتصام ضرورة إنهاء ما سماه بـ"اختطاف الفترة الانتقالية". وهاجم وزير المالية جبريل إبراهيم رئيس حركة العدل والمساوة، من ذات المنصة الطرف الآخر قائلاً، "عندما كنا نقاتل في الأحراش كان الذين يتهموننا بأننا من الفلول يتاجرون مع المؤتمر الوطني المحلول، ويقيمون المعلومات لصلاح قوش رئيس استخبارات المخلوع البشير".

وكان الهجوم الأشرس هو الذي شنه علي عسكوري، المتحدث باسم مجموعة ميثاق التوافق الوطني، على رفقاء الأمس وأعداء اليوم، متهماً إياهم بالفساد ومتحدياً كل من هاجمهم بالاسم أن يقاضوه إذا كانت اتهاماته كاذبة، مستنكراً وصف المعتصمين بأنهم فلول نظام البشير، موجهاً ذات الاتهام للطرف الآخر.

وشدد عسكوري، "على استمرار الاعتصام حتى تحقيق مطالبهم بإقالة الحكومة الحالية وتوسيع قاعدة المشاركة"، مشيراً الى "أن هناك 4 تنظيمات فقط تنفرد بالسلطة وأقصت بقية الحرية والتغيير التي تضم أكثر من 70 تنظيماً، ما خلق واقعاً مختلاً في تكوين السلطة التنفيذية"، متهماً ما سماه بـ"مجموعة الاختطاف"، "بعدم الرغبة في تشكيل المجلس التشريعي ومحاولة الانفراد به لكن مساعيها لم تنجح"، مطالباً "بتشكيل مجلس تمثل فيه كل القوى الثورية وإصدار قانون الانتخابات وتشكيل المفوضية الخاصة بها وإجراء التعداد السكاني اللازم".

الحرية والتغيير تحذر

في الأثناء، حذرت قوى إعلان الحرية والتغيير مما سمته بـ"انقلاب زاحف" في السودان، وقال ياسر عرمان القيادي بالحرية والتغيير في مؤتمر صحافي، "إن الأزمة الحالية مصنوعة، بدءاً من إغلاق شرق السودان وصولاً إلى تنظيم اعتصام القصر الجمهوري بواسطة فلول النظام البائد، المؤيدين للجيش".

في السياق ذاته، يقول التوم هجو، رئيس مسار الوسط القيادي بمجموعة الميثاق، "لا مجال للمقارنة بين مواكب الخميس (دعم الحكم المدني) التي تقف خلفها الحرية والتغيير المجلس المركزي، فهناك بعض الأحزاب لا تملك أي جماهير وسط تلك الحشود، أما اعتصام القصر فيتسم بكونه حشداً نوعياً ممثلاً فيه كل أنحاء السودان، الأقاليم والإدارات الأهلية، إلى جانب التمثيل القطاعي لمختلف الفئات التي تعاني أشد المعاناة بسبب ضعف وفشل الحكومة الحالية، ما يجعله يمثل استفتاءً شعبياً يدعم مطالب حل الحكومة وتوسيع المشاركة في الفترة الانتقالية".

وعلى الرغم من مواكب الخميس ومليونيات الطوفان التي اعتبرها الطرف الآخر حاسمة في مسيرة التحول الديمقراطي، لكن هجو ما زال متمسكاً بمطلب حل الحكومة بل ويستعجل رئيس الوزراء بالاستجابة لذلك، معتبراً أي تأخير سيفاقم من العواقب.

ونفي رئيس مسار الشمال أي اتجاه لرفع الاعتصام، بل الاتجاه لتوسيعه وزيادة حجمه بالمزيد من تدفقات المؤيدين من مختلف ولايات السودان كل يوم بما يزيد تمدده على مساحات جديدة تنوء بها الخرطوم تماماً. وأضاف هجو، "الكرة الآن في ملعب رئيس الوزراء، إذا لم نتفق أو تتحقق مطالبنا، وبما أننا في الطرفين غير مفوضين انتخابياً، فسنقترح الذهاب إلى انتخابات مبكرة لحسم الأمر".

جذب المظاليم

وفيما يبدو أن الاعتصام بات مصدر جذب لأصحاب المظالم تجاه الحكومة تبنت منظمة مبادرة أيادي الخير من على منصة الاعتصام حل مشكلة 800 من الطالبات الجامعيات عجزن عن سداد رسوم الداخليات، من خمسة آلاف (11.35 دولار أميركي) إلى 25 ألف جنيه (56.75 دولار) في الشهر. وهي منظمة تقول إنها تهتم بقضايا الطالب الجامعي والشباب والعمل مع الجهات المتخصصة في إيجاد حلول عاجلة لكل مشكلة.

ورداً على ما تناقلته وسائط التواصل الاجتماعي عن المتحدثين في منصة اعتصام، مهدداً باجتياح الخرطوم بالسلاح، أصدرت حركة تحرير السودان بياناً تبرأت فيه من أن يكون المتحدث أحد منسوبيها، مؤكدة "أنها ظلت تطرح مبدأ الحوار والوفاق، ضمن برنامجها السياسي ومشروعها الوطني، ولديها منصة متزنة في ساحة اعتصام القصر الجمهوري تطرح فيها قضايا وطنية وفكرية، وأن المتحدث المشار إليه، لا يمثلها من قريب أو بعيد، معلنة رفضها وإدانتها للعنف بكل أشكاله". وأضاف البيان، "أن آراء ومواقف الحركة تعلن عبر قنواتها الرسمية المتمثلة في المتحدث الرسمي والأمين الإعلامي، إضافة إلى مواقعها الرسمية في منصات التواصل الاجتماعي".

 اقتحام وتوترات

وفي مؤشر على تصاعد التوتر، دان التجمع الإعلامي لدعم الانتقال السياسي في السودان، محاولة اقتحام مجموعة متفلته لمبنى وكالة السودان للأنباء، واستخدامها العنف المادي واللفظي لإرهاب الصحافيين والإعلاميين بغرض منع انعقاد مؤتمر مُعلن لقوى الحرية والتغيير بالوكالة.

واستنكر التجمع الإعلامي، ما وصفه بالسلوك غير المسؤول، ومن يقفون وراءه، مطالباً السلطات المتخصصة باتخاذ الإجراءات القانونية ضد مخططي ومنفذي هذه العملية الفوضوية، منادياً بتوفير الحماية اللازمة للصحافيين. كما حاولت مجموعة أخرى، ادعت أنها من منبر إعلام اعتصام القصر، اقتحام مقر وزارة الثقافة والإعلام، وثبتوا لافتات تخصهم، ودونوا كتابات أخرى على حوائط الوزارة، تطالب بإقالة وزير الإعلام، متهمين الوزارة بالانحياز لما سموه بمختطفي الثورة قبل أن تنجح مفاوضات تمت معهم بمغادرة المبنى.

بدورها، أصدرت وزارة الثقافة والإعلام بياناً دانت فيه محاولة اقتحام مقر وكالة السودان للأنباء بعد ظهر أمس، وأيضاً محاولة مجموعة أخرى إغلاق المدخل الجنوبي لمبانيها للحيلولة دون أداء الوزارة لمهامها بعد أن تم إغلاق المدخلين الشمالي والشرقي للوزارة منذ بداية الأسبوع الماضي جراء تمدد اعتصام القصر.

تحريض وتعدٍ

وجاء في بيان الوزارة، "نلاحظ تزايد التحريض على الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون من قبل فلول النظام البائد وآخرين وصلت مرحلة التهديد باقتحام مقرها، وإن تزامن هذه الأحداث وتسارع وتيرتها يعد استهدافاً واضحاً من قبل مجموعات تسعى لتعطيل عمل مؤسسات الدولة والتعدي على الحريات العامة المكفولة للجميع".

وأكدت الوزارة، إيمانها واحترامها للحريات بما في ذلك حق الاعتصام السلمي فإن ذلك الإقرار بهذا الحق لا ينبغي أن يتعداه للتغول على حرية الآخرين وإعاقة عمل مؤسسات الدولة. ودعا البيان إلى وقف هذا المسلك المنفلت المخرب للديمقراطية المشوه للحريات وحثت الأجهزة الأمنية للقيام بدورها في حماية المقار والمؤسسات الحكومية وضمان استمرارها في أداء عملها ومهامها من دون تعطيل أو تخريب وتطبيق القانون على كل منتهك.

ومنذ مطلع أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، تعاني قوى "الحرية والتغيير" التي نظمت وقادت التظاهرات التي أطاحت نظام الرئيس المعزول عمر البشير انقساماً وخلافات حادة هي الأعمق منذ تكوينها في يناير (كانون الثاني) 2019. وفي الثامن من سبتمبر (أيلول) الماضي، وقعت قوى سياسية وحركات مسلحة، إعلاناً سياسياً في العاصمة الخرطوم تحت عنوان "الإعلان السياسي لوحدة قوى الحرية والتغيير وقضايا الانتقال وبناء دولة المواطنة المدنية الديمقراطية"، ما حرّك مكونات أخرى داخل "الحرية والتغيير" للإعلان عن ميثاق وطني لوحدة قوى إعلان "الحرية والتغيير" (منصة التأسيس)، تم توقيعه في الثاني من هذا الشهر.

المزيد من تقارير