Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

نسوة صموئيل بيكيت ليس لديهن ما يتكلمن عنه على المسرح

الثلاثية الشهيرة في رؤية إخراجية سورية مفتوحة على عبثية الحرب

المرأة الغارقة في ظلام المسرح (اندنبدنت عربية)

دمج المخرج إبراهيم جمعة بين ثلاثة نصوص لصموئيل بيكيت (1906- 1989) مستعيداً أكثرها تعبيراً عن الانقراض الجسدي والنفسي لدى الكائن الإنساني، وأتت ضمن اقتباس حر عن ترجمة لأسامة غنم. النصوص هي "الأيام السعيدة" و"روكابي" و"ليست أنا"، وجاءت هذه الأخيرة عنواناً للعرض الذي قامت الممثلة توليب حمودة بأدائه دون توقف لمدة خمسة وأربعين دقيقة. قُدمت هذه المونودراما عبر ثلاثة مستويات من الفرجة أرادها المخرج ضمن حيز مكاني محدد على مسرح الحمراء في دمشق، جاعلاً الخشبة هذه المرة مكاناً للعرض وتموضع كراسي الجمهور في آن واحد، وأغلق بقية الفضاء بواسطة ستائر سوداء كتيمة، وذلك عملاً بمقولة بيكيت الشهيرة، "الظلام جزء أصلي من المسرح".

هذا الخيار الفني مهد بقوة لتشكيل مناخ مغاير في التلقي لدى الجمهور، وقلص عدد مقاعده بعد التخلص من كراسي الصالة، ذاهباً نحو فضاء أقرب إلى المكان البديل منه إلى عروض الصالات المغلقة. المخرج الذي صمم هذه السينوغرافيا بنفسه، وظف دهليز الكواليس كممر إجباري للمتفرجين نحو فضاء الفرجة واللعب معاً، خالصاً إلى نمط من عروض نخبوية شبه مفتوحة على شرائح أقل تنوعاً، وأكثر تركيزاً على طبقة من المهتمين والنقاد والمشتغلين في مجال الفنون المسرحية. ويمكن تبرير هذه الانتقائية نظراً الى طبيعة نصوص بيكيت الصعبة، التي تنزع في مجملها إلى تقديم شخصيات نوعية، وذات مواصفات نفسية وجسدية خاصة.

امرأة في التراب

ولئن نجح المخرج جمعة في تحديد الفئة المستهدفة من العرض، وتمكن من هندسة فضاء مختلف عن السائد والتقليدي، إلا أنه تعاطى بارتجال غير محسوب مع نصوص أبرز كتاب مسرح اللامعقول، ففي مسرحية "الأيام السعيدة" التي بدأ العرض معها، نطل على ملامح من شخصية "ويني" المرأة التي يظهر جذعها العلوي، فيما نشاهد بقية جسدها غارقاً في تلة من التراب، فنراها تستيقظ مع رنين منبه الساعة، وتقوم بغسل أسنانها، وتسوية هندامها، وتلاوة صلواتها، فهي امرأة مدفونة تحت الركام، وتحاول إخفاء عاهتها الجسدية والنفسية، والانتصار عليها بمزاولة العادات اليومية.

هذه الشخصية في نص بيكيت الأصلي هي امرأة في الخمسين من عمرها، وزوجها "ويللي" في الستين من عمره، وبحسب عقيدة بيكيت، فإن الإنسان لا يموت عند موته، بل إنه يشرع في الموت منذ زمن طويل. ففي منتصف عمره يكون نصف ميت ونصف حي، وهذا ما حاول بيكيت تصويره في "الأيام السعيدة"، ورمز إليه من خلال غرق تلك المرأة في التراب، فنصفها الأسفل في القبر، ونصفها العلوي فوق التراب، أي في الحياة.

من هنا كان أداء ممثلة شابة لهذا الدور غير موفق، وبعيد عما رمى إليه الكاتب، حيث شطب العرض السوري شخصية الزوج الستيني شبه العاجز، وأخفى إكسسواراً مهماً هو المسدس الحربي، الذي كانت الزوجة "ويني" تضعه في حقيبتها إلى جانب قلم أحمر الشفاه وفرشاة الأسنان والنظارتين وزجاجة الدواء. فالمسدس في النص الأصلي كان دليلاً على تفكير الزوجة المشلولة في الانتحار، بينما في النسخة السورية تم ابتسار عديد من الدلالات التي أكدها بيكيت في نصه، ومنها أيضاً إكسسوار المظلة التي تسقط من يد الزوجة، فيعيدها الزوج إليها بصعوبة ضمن أجواء من العزلة والعدمية، والشعور العميق باللاجدوى من حياة تستمر بعد الخمسين، لتصير مجرد تكرارات تكتنفها العاهة الجسدية، والفصام المزمن إزاء الأشخاص والوقت، والضجر من سلوكيات يومية تبدأ بمنبه الساعة، مروراً بقراءة صفحة الوفيات، وتنتهي ليلاً بتناول المنومات.

الفم وحده

المقطع الثاني من العرض (إنتاج مديرية المسارح والموسيقى) جاء عن نص "لست أنا" وهي المسرحية التي كتبها بيكيت عام 1972 إثر سفره إلى مراكش، وهذه المسرحية تختزل كل أعضاء الجسد البشري إلى عضو واحد هو فم يملأ خشبة المسرح. شفتان وفكان لامرأة في الستين من عمرها يتحركان، ويتحرك معهما اللسان في حركة متسارعة تلفظ مفردات خاطفة، وتروي قصة امرأة ولدت نتيجة علاقة غير شرعية من أبوين مجهولين، لتبصر النور بعد ثمانية أشهر من الحمل، فنكتشف أنها كانت مجرد ثمرة لاتصال آلي.

هذه الطفلة المجهولة النسب سوف تصل إلى العقد السادس من عمرها دون أن تعرف الحب، أو أن تدرك معنى اللذة. وهنا يتكرر خطأ المخرج في إسناد هذا الدور لفتاة شابة.

بدّل العرض السوري من مونولوغات النساء الثلاث لتصبح على لسان ممثلة تؤديها بالمحكية الشامية، وبعيداً من قراءة عميقة لمسرح الكاتب العبثي، الذي قدم في نصوصه تلك الصعوبة التراجيدية في التعبير عن الذات، واقتناص الحقيقة الفعلية في تلك العملية الدائمة من التجدد والتخريب التي يحدثها عبور الزمن على إنسان ما بعد الحرب العالمية الثانية.

الكلام والإشارة

هكذا افتقدت هذه المونودراما السورية إلى تصوير عجز الكلمات والتعابير في مواجهة عالم فاقد للإنسانية، وحياة تقلصت، وانتهت إلى نوع من الاحتضار المشهدي. فشخصيات بيكيت النسائية هنا تحاول أن تنوجد بالكلام والإشارة، لا بالثرثرة الإيقاعية للكلمات. فليست مشكلة هذه الشخصيات أنها تتكلم، بل مشكلتها أن ليس لديها ما تتكلم عنه، وهي بذلك تطلعنا أكثر فأكثر على عدم الجدوى لديها من أي كلام، وعدم الفائدة من أي نقاش منطقي، حيث لا منطق يحكم هذا العالم سوى العبث، والشعور العميق بالعزلة والتسليم بالمصير.

تماماً كما هي الحال في مسرحية "ليست أنا" التي أفاد فيها صاحب "نهاية اللعبة" من امرأة مراكشية رآها يوماً تنتظر ابنها العائد من المدرسة، ولا يبين منها إلا فمها، لكونها كانت ترتدي لباساً محافظاً وفقاً للتقاليد. تصور هذه المسرحية سيرة امرأة تتحدث عن امرأة أُخرى، لكنها في الواقع تتحدث عن سيرتها الشخصية، وليس أمامها على المسرح سوى ملامح كائن يرتدي ما يغطي به رأسه كلياً، وليس له ملامح تُعرف، لتنهال من فمها عبارات مفككة الأوصال ظاهرياً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولكن يُفهم منها أن هذه المرأة ولدت قبل الأوان، وأُهملت ووضعت في ميتم، ومن ثم تمت تربيتها تربية دينية. تتحدث المرأة- الفم عن ظهورها أمام إحدى المحاكم، وعن تجوالها اليومي في الأسواق، وعن نزهة قديمة قامت بها عبر الحقول... وتلفظ عبارات غير مترابطة، تركز على قوة حضور الفم البشري منعكساً عبر جهاز إسقاط (فيديو بروجكتور). وتكمل مونودراما المرأة السورية في الحرب، التي أشارت لها مقاطع من جدار ذي أحجار متهالكة، إضافة إلى بعض الأتربة التي تتساقط بين فينة وأُخرى كدلالة على تداعي البيت الذي تسكنه هذه المرأة.

ظهر هذا جلياً في المقطع الثالث من العرض، الذي قدم مسرحية "روكابي" النص الذي كان بيكيت (نوبل الآداب-1969) قد كتبه في السنوات الأخيرة من حياته، وفيه يصور أيضاً قصة امرأة كبرت قبل أوانها، وهي تتدثر بثوبها المسائي جالسةً على كرسيها الهزاز، مستمعةً إلى صوتها يردد صدى كلامها، وإلى ذاكرتها البعيدة عن والدتها التي ماتت على الكرسي ذاته، وقبالة النافذة ذاتها.  

المزيد من ثقافة