Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ريم عبدالباقي تستدعي التاريخ العثماني في رواية "نجم الدين "

اعتمدت بنية سردية دائرية ترصد معالم المكان مع تنامي الزمن

المدينة المنورة برشة الرسام السعودي فؤاد مغربل (صفحة الرسام على فيسبوك)

من الواضح أن التاريخ، بخاصة الحديث المرتبط بما يسمى بدايات النهضة العربية، سيظل جاذباً للروائيين على اختلاف أقطارهم. وها هي الكاتبة السعودية ريم عبدالباقي تستعيد ما حدث للمدينة المنورة في تاريخها الحديث، بالإضافة إلى طوافها، بمدنٍ في بلدان أخرى، مثل سوريا وتركيا والهند وإيران، في روايتها "نجم الدين صانع العطور" (بك لاند للنشر والتوزيع). وهذه الرواية هي الثالثة للكاتبة بعد "كما لم يحدث من قبل"، و"زهرة الصباح". وتقع "نجم الدين..." في 350 صفحة من القطع المتوسط، وهي بذلك أقرب إلى السرد الملحمي الذي يتعقب سيرة البطل من طفولته إلى زواجه من "حورية" ابنة خاله، وسيرة سمية أمه الراحلة. سافر إلى إسطنبول مغامراً بحياته، ودون أن يخبر أحداً، وكان ذلك أثناء حصار القوات العثمانية للمدينة المنورة، ما ساهم في شتات أهلها، نتيجة ترحيلهم قسراً، لكن يظل الترحال تيمة أساسية في هذه الرواية، ربما لانفتاح الحدود بين الأقطار الإسلامية في هذه الفترة. نحن إذاً أمام رواية تاريخية تغلب عليها النزعة التسجيلية التى لا تخلّ بفنيتها المعتمدة على سلاسة الانتقال من حدث إلى آخر وامتلاك قدرة لغوية واضحة، وتوظيف المونولوغ والأساطير وأقوال المتصوفة واسترجاع مدونات الأب وإدخالها في المتن السردي، واستحضار الشعر في مواضع كثيرة.

الواقع والخيال

يتسع الترحال في الرواية ليتعدى الانتقال من مكان إلى آخر، حتى يشمل الموت. وهو ما حدث لأم "نجم الدين" أثناء ولادتها له. إن "نجم الدين" أشبه بالبطل الملحمي الذى فقد أمه منذ أول يوم له على الأرض ورحل أبوه للانضمام إلى عبدالقادر الجزائري الذي نفي إلى دمشق بعد نضاله ضد الفرنسيين وتغلبهم عليه وإجباره على الرحيل من الجزائر. هذه الوقائع التاريخية تجعل ريم عبدالباقي تصف روايتها بأنها "مبنية على الواقع، أما بطلها فهو الخيال". ويأتى الخيال من خلق شخصيات تعبر عن هذا الواقع. والرواية – في جانبها الأكبر – مروية على لسان "نجم الدين"، والمروي عليها هي الأم. يتخذ نجم الدين وضعية السارد الداخلي، وهو ما يذكره صراحة حين يقول، "أريد أن أحكي لكِ عن كل شيء، حتى تلك الأشياء المطمورة في أعماق ذاكرتي". وتتحول الأم – في وعي "نجم الدين" ولا وعيه – إلى الحقيقة الباقية في حياته، على الرغم من غيابها الجسدي، فلا يتردد في كشف سوءاته إزاءها في ما يشبه طقس الاعتراف.

الأم إذاً خارج السرد، لكنها مؤثرة فيه عن طريق تحكمها في حياة البطل. وهذا العبء النفسي الذى تحمَّله "نجم الدين" يجعله يشعر بالحسد تجاه "صالح" ابن عمته، الذي أصيب بالتخلف العقلي ولم يعد يدرك شيئاً مما يقع من أحداث مؤلمة. ويمثل "صالح" صوت الفطرة البريئة التي لا ترى إلا الجانب الخيّر من الحياة، بينما يمثل "نجم الدين" صوت العقل المدرك لتناقضات الحياة وصراعاتها. وآية ذلك أنه على الرغم من وضعية الراوي الداخلى فإنه يمتلك وعي الراوي الخارجي العليم، على أنه لا ينفرد بالسرد، بل يشاركه فيه بعض الشخصيات، مثل خاله الذي يروي عليه قصة سفر والده إلى عبدالقادر الجزائري. ومثل الفتاة "زمرد" الألبانية التي هربت إلى إسطنبول بعد اغتصابها، حيث تحكي لـ"نجم الدين" تفاصيل ما تعرّضت له.

تعايش وصراع

من خلال هذه السرديات المتعددة نكتشف طبيعة الأماكن التي تقع فيها الأحداث المروية، فتتضح طبيعة المدينة المنورة بتقاليدها وأغانيها وألعابها. ومن ذلك "التهويدة" الجزائرية التي انتشرت في الحجاز، والتي تقال للطفل، "ولدي يا زين الزين/ كُحْل الحاجِب والعين/ حبَّك ربي ورضَاك/ والقرآن دايم معاك". وكذلك "الكَبَت"، ذلك الكائن الخيالي المخيف. كما تتسرب بعض الدوال العامية داخل السرد مثل "الزفة"، والمقصود بها قِربة الماء. على أن أهم ما يشير إليه السرد هو تعامل الحجازيين – في هذه الفترة – مع طلاق النساء بوصفه وصمة عار. وهو ما حدث لعمة "نجم الدين"، التي تزوَّجت بعد طلاقها، برجل غريب. كما يشير إلى انتشار تجارة الرقيق من مختلف الأجناس. ويروي "نجم الدين" قصة حبه المحبط لـ"مريم" ابنة الهندي "مفلح"، ويصفها بأنها "مخلوق أسطوري، طفلة وُلدت من زواج زبد البحر بوهج الشمس". وتبرز تيمة التعايش بين الأجناس والديانات، فإنها تشير كذلك إلى الحروب والصراعات الدامية، مثل مذابح الأرمن أثناء خلافة عبدالحميد، وبيع البوسنة والهرسك لمملكة النمسا، والصراع بين المسلمين والدروز من ناحية، والمسيحيين من ناحية أخرى، بإيعاز من السلطة العثمانية.

إن الرواية عموماً تقول ما هو مسكوت عنه أو مهمّش في التاريخ الرسمي الذي هو في النهاية صراع وجهات نظر تتغلب فيه وجهة نظر المنتصر. يقول نجم الدين، "صدقيني يا أمي، إنه عندما يحكي التاريخ فهو لا يحكي كل شيء، فالتاريخ ما هو إلا تأويل مختلف لمواقف ووقائع ومعارك حدثت فيراها كل جانب بما يوافق تفكيره وتفسيره وهواه".

ومن هذه الوقائع فرض والي المدينة المنورة، من قبل السلطنة العثمانية، ضرائب باهظة على الأهالي، ما دفعهم إلى التمرد عليه بقيادة أنور عشقي. إلى جانب هذا التوجه التأريخي، نجد توظيفاً لتقنية الحلم، حين تصور الكاتبة حلم "نجم الدين" بـ"حورية"، وهي تمسح على رأسه وتبسمل وتقبل جبينه.

توظيف الأساطير

وكذلك توظيف الأمثال والأساطير حين تشبه "نجم الدين" بـ"سيزيف"، في انتظاره لأبيه دون جدوى، والإشارة إلى قدرة البعض على قراءة "الطالع"، مثل "عبدالهادي"، هذا المجذوب المحبوب من الجميع. وتصوير خيال "صالح" الذي يطارد "نجم الدين" منذ أن تركه في المدينة، وهاجر إلى إسطنبول، بالعنقاء التي تحترق، ثم سرعان ما تُبعَث من جديد. واستحضار الكوابيس في أوقات التأزم التي يتعرض لها "نجم الدين" كما يبدو في قوله مصوراً أحد هذه الكوابيس، "دخلتُ في دوّامة لا بداية لها ولا نهاية انتشلتني بها أيادٍ نارية ذات مخالب، وغرقتُ في لجج بحور مشتعلة لا منتهية، ولا قاع لها. بشر ومخلوقات أخرى لها وجوه بشرية وقرون وأنياب تحمل كلاليب لتعلقني بها". وتوظيف قول شمس الدين التبريزي، "كيف يمكن للبذرة أن تصدق أن هناك شجرة ضخمة مخبأة داخلها". وهو قول يؤكد – على الرغم من صيغته الاستفهامية – قدرة الإنسان على احتواء الكون كله، مستدعياً قول الشاعر: "وتحسب أنك جرم صغير/ وفيك انطوى العالم الأوسع".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبعد ترحال "نجم الدين" وزواجه، يعود إلى المدينة، ويلتقي عمته وعمه فيما يشبه انفراج الأزمة. وإذا كانت الرواية قد استعادت أشعار القاضي الفاضل وزهير بن أبي سلمى، وغيرهما، فإن أسلوبها امتاز بالشاعرية. ومن ذلك حين يستحضر "نجم الدين"، وهو في التسعين من عمره، طيف أمه قائلاً: "أمي... أكتب إليكِ وأنا أعلم أن كل كلمة أكتبها تقربني منكِ أكثر. وكل دقيقة تمضي هي خطوة أقرب إليك. ها أنا ذا في فراشي بعد أكثر من تسعين عاماً منذ ذلك اليوم الذي وضعتني فيه على أعتاب هذا العالم".

وعلى الرغم من خلو هذه السطور من المجازات البلاغية، فإنها تتسم بالشاعرية وحضور الذات والتوحد مع المخاطب. وأخيرا،ً يمكن القول إننا أمام بنية زمنية متنامية وبنية مكانية تتسم بالدائرية حين تتوحد البداية والنهاية – المدينة المنورة – بالإضافة إلى الانتقالات الداخلية من مكان إلى آخر.

المزيد من ثقافة