Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

شوقي بزيع يقدم المشهد الشعري الحديث ويجذره في الذاكرة

"مسارات الحداثة" مقاربة نقدية شاملة للشعر العربي المعاصر ومراحله ورواده

شعراء مجلة "شعر" في لقاء مع شعراء آخرين (صفحة المجلة عى فيسبوك)

يطرح الشاعر شوقي بزيع، في مستهل المقدمة النقدية الضافية التي ضمّنها كتابَه "مسارات الحداثة - قراءة في تجارب الشعراء المؤسسين" (دار الرافدين ودار مسكلياني 2021) قضية مهمة وسجالية ما برحت تشغل أهل الإبداع والنقد، وهي "ثنائية الشاعر الناقد" كما يسميها، ساعياً إلى تبرير الدور النقدي الذي يؤديه الشعراء، عندما يتصدون لأبرز المسائل الشعرية أو الأدبية، نظرياً وتطبيقياً، أو يتناولون بالنقد، أعمالاً شعرية وأدبية، مبدين فيها رأيهم انطلاقاً من دراسة الأعمال وتحليلها، بعيداً عن المقاربة الشخصية والانطباعية. فعلاً يستطيع الشاعر في هذا القبيل أن يكون ناقداً جاداً، ثاقب النظرة، صائباً، فهو يملك حدساً وذائقة غالباً ما يفتقدهما النقاد الأكاديميون، بل هو ملم تمام الإلمام بأسرار الإبداع الشعري وخفاياه، وقد يزيد من قدراته إذا كان صاحب اختصاص جامعي، أو مثقفاً وعارفاً بأصول النقد ومدارسه وآفاقه. وهذا فعلاً مما ينطبق على شوقي بزيع. حتى الشاعرغير الأكاديمي، ذو الخبرة الشخصية العميقة، يسعه أن يكون ناقداً، لا سيما إذا وظف دربته التي اكتسبها عبر القراءة الدؤوب والإطلاع الرحب.

الشعراء النقاد

ولا يحصى عدد الشعراء الذين كانوا نقاداً كباراً يوازون النقاد أنفسهم ويتخطونهم في أحيان، وأول مثلين يؤخذ بهما هنا، الشاعران البريطاني تي. أس. إليوت والفرنسي إيف بونفوا، وقد قاربت اعمالهما النقدية، حجما، اعمالهما الشعرية. ولا يمكن أن ننسى بودلير الذي قال عنه بونفوا نفسه "الشاعر الناقد بامتياز"، بودلير الذي كان يصر أن على كل شاعر حقيقي أن يضم في طويته ناقدا حقيقيا. ولا يُنسى الشاعران اوكتافيو باث وبول فاليري وسواهما، وعربيا الشاعر ادونيس الذي مارس التعليم الجامعي، والشاعرة نازك الملائكة التي فاق نقدها شعرها، على رغم الخطأ التاريخي الذي ارتكبته في الدمج بين الشعر التفعيلي والشعر الحر، وهما يختلفان مفهوما وتقنية.

شوقي بزيع من الشعراء الجدد الذين مارسوا النقد الجاد والصارم ولو في الصحافة، وقد اكتسبت مقالاته طابعا رصينا، يجمع بين المقاربة النقدية التي اكتسبتها خلال دراسته الجامعية وبين خبرته الشخصية وجهده المعرفي وغرقه في القراءة. وقد عرف عنه في مقالاته، عدم الانسياق الشخصي و"المسايرة" والمراعاة والمداهنة، ما كانت كلفته عداوات جمة.  

في العالم العربي تولى شعراء معروفون مهمة المتابعة النقدية للإبداعات الشعرية والدواوين والظواهر، مؤدين دور النقاد شبه الغائبين عن المعترك، بغية ملء الفراغ الكبير في هذا الصدد.  ومعروف أن الحركة الشعرية العربية الجديدة تفتقد حركة نقدية ترافقها وتواكب تحولاتها وتلقي أضواء على مساراتها، مرحلة تلو مرحلة، وتستنبط خصائصها وتساهم في تقديمها إلى القراء. والملاحظ أن نقاد الشعر باتوا قلة قليلة، سواء في القطاع الأكاديمي او الصحافي، وهذا، كما تمت الاشارة، ما حفز شعراء على ممارسة النقد، نظرا إلى حضورهم الثقافي واطلاعهم على التيارات الجديدة التي تشهدها الساحة الشعرية العربية والعالمية، على خلاف الكثير من النقاد المحترفين والاكاديميين الذي ينام معظمهم نومة اهل الكهف.

مقدمة نقدية

في كتاب "مسارات الحداثة" يثبت شوقي بزيع الشاعر جدارته ناقدا، ويرسخ صورته الثنائية، حتى ليند هذا الكتاب، لا سيما بمقدمته المهمة، عن شخص شغوف بالنقد مقدار شغفه بالشعر. النقد في ما يعني من عمق ثقافة وشمول اطلاع ورحابة رؤية. وإذا بدت مقالات الكتاب التي تناول فيها الشعراء المؤسسين حصيلة جهد في المتابعة النقدية الصحافية، فهو نجح في تحريرها من طابعها الكرونيكي وفي جمعها داخل سياق نقدي صرف، وتوجها بمقدمة بحثية شاملة، قائمة على المنهج التأريخي والتحليلي. (مع إضاءات شخصية على الشعراء وطبائعهم، بخاصة الذين عرفهم عن كثب وكانت له معهم علاقات ودّ وصداقة).

بدا خيار شوقي بزيع مقولة "مسارات الحداثة" موفقا وذا دلالة، فالحداثة الشعرية هي حداثة المسارات، والحداثة الشعرية العربية (كما العالمية) ليست حداثة واحدة بل حداثات، وشعراؤها يختلفون بعضا عن بعض ولو التقوا في حركات او تيارات ومجلات رائدة. ويكفي ذكر تيار قصيدة التفعيلة الذي انطلق في معهد المعلمين في بغداد مع السياب والملائكة والبياتي وسواهم، او تيار مجلة "شعر" الذي انطلق في بيروت أواخر الخمسينيات أو تيار مجلة "الاداب". وقد يوافق القارئ بزيع على خياراته وقد يختلف معه، فبعض الشعراء الذين ضمهم كتابه لا يمثلون مسارا شعريا حداثيا في المعنى التأسيسي والخلق المتفرد والاختلاف. ومنهم على سبيل المثل مظفر النواب وعصام محفوظ وحسب الشيخ جعفر وسواهم، ومثل هذا الرأي لا يلغي أهمية هؤلاء الشعراء ولا يغمطهم حقهم، فهم يمثلون تجارب خاصة على مستوى التحديث في الشكل او اللغة والرؤية، لكنهم لم يتمكنوا من حفر مسالك في ارض الحداثة الشعرية، او تأسيس مدارس. وقد ينطبق هذا الرأي على الشاعرة نازك الملائكة التي يميل ابداعها إلى الكلاسيكية والرومانطيقية، أكثر مما يميل إلى التحديث، ولو أنها في عداد رواد القصيدة التفعيلية. حتى قصيدتها "الكوليرا" التي رسختها رائدة الشعر التفعيلي ونافست فيها بدر شاكر السياب في قصيدته "هل كان حبا"، هي قصيدة عادية جدا وغلبت عليها الصنعة والإطالة، وقد قال ادونيس في هذا الصدد: "إن ابا نواس أو ابا تمام أكثر حداثة من نازك الملائكة، لا في قصيدة "الكوليرا" وحدها، النموذج المزعوم للحداثة، بل في شعرها كله".وقد تناولها بزيع أصلا بالنقد متوقفاً عند مظاهر إبداعها وإخفاقها.

في المقدمة يسعى بزيع أولا إلى ادراج الحداثة العربية في سياق المفهوم العالمي للحداثة الشعرية، في أبرز تجلياتها، الفرنسية والانجليزية، بغية ترسيخ شرعيتها التي انكرها نقاد وشعراء محافظون وتقليديون، فيقدم نظرة بانورامية شاملة إلى الحداثة الغربية عموما والحداثة الشعرية خصوصا، ويتوقف امام معطياتها النظرية والنصية. ثم يلجأ إلى تجذير الحداثة في ما يمكن تسميته التراث العربي، القديم والنهضوي، مؤكدا أن الحداثة ليست دخيلة على الشعرية العربية ولا غريبة عن مضارب الشعراء السابقين على اختلاف عصورهم.

مفاهيم الحداثة

في العتبة النقدية الاولى، جال بزيع على مفاهيم الحداثة كما تجلت في الغرب، متوقفا عند ابرز النظريات التي وضعها النقاد والفلاسفة والبحاثة، مؤكدا أن الحداثة لا تقتصر على الشعر والفن والفكر والفلسفة والعلم كما يخيل للبعض، بل هي تشمل السياسة والاقتصاد والمجتمع وكل مرافق الحياة. ومفهوم الحداثة كما يشير بزيع، "لم يكن واحدا بالنسبة إلى المجتمعات المختلفة التي شهدت هذه الظاهرة، لا بل أننا لا نكاد نعثر على تاريخ واحد متفق عليه لقيام الحداثة، ولا على مقاربة واحدة لفهمها والنظر اليها". يعتمد بزيع مراجع عالمية بارزة في مراجعته مفهوم الحداثة وهي مترجمة إلى أكثر من لغة ومنها العربية مثل كتاب "الطرق إلى الحداثة" للباحث غيرتود هميلفارب، "ما الحداثة؟" للباحث هنري لوفيفر، "الحداثة، 1890 - 1930" للباحثين مالكوم برادبيري وجيمس ماكفرلن وسواها، إضافة إلى كتب عربية مثل "الحداثة وما بعد الحداثة- كتاب جماعي" (جامعة فيلاديلفيا الاردنية)، "فلسفة الحداثة" لفتحي ورشيدة التريكي، "هايدغر وسؤال الحداثة" لمحمد الشيكر ناهيك عن المراجع التي تتناول الحداثة الشعرية العربية والعالمية.

يسعى شوقي بزيع من وجهة أخرى إلى تجذير الحداثة العربية في التراث الشعري، لكن هذا التجذير يغدو اقتراحا شخصيا أكثر مما تنطبق عليه مفاهيم الحداثة في معناها العصري. وهذا ما سعى اليه نقاد وشعراء عالميون في وسمهم شعراء قدامى، ينتمون إلى عصور سابقة، بالحداثة (هوميروس، أوفيد، سافو، شكسبير، جون دون، الهايكو...).

يركز بزيع إذاً على حركة التجديد التي احدثها شعراء في العصر العباسي سواء في بنية القصيدة الموزونة والمقفاة ام في  شؤون البيان والبلاغة أم في المضامين، متوقفا عند ثورة أبي نواس على التقاليد الاجتماعية والدينية وانتهاكه منظومة القيم التقليدية التي سادت، وعند جرأته في اختراق التابو الجنسي وتغنيه المعلن بالخمرة المحرمة. ولا يغفل بزيع ابن الرومي وثورته اللغوية والاسلوبية ومضيّه في التخفف من البلاغة التقليدية والفصاحة والاصطناع وتعمده الغموض الذي أخذه عليه خصومه. ويقف ايضا امام تجربة أبي العلاء المعري الفريدة والمتفردة، التي رفع من خلالها الشعر إلى مصاف التأمل الفلسفي غائصا على اعماق الروح، متسائلا ومشككا وطارحا اصعب الاسئلة الوجودية.

مراحل شعرية

كان لا بد للشاعر الناقد أن يعرّج ايضا، في سياق "التجذير"، على بعض شعراء النهضة المهجريين او المقيمين، مع أن بعضهم لم يجلّوا في حقل الشعر نفسه، لكنهم تركوا أثرا في الفكر الحداثي وفي مقدمهم أمين الريحاني الذي كان اول من اكتشف الشاعر الاميركي والت ويتمان الذي اعاد شعراء الحداثة اكتشافه وقراءته، لا سيما في شعره الحر. عطفا على جبران خليل جبران الذي كان شاعرا في نثره اكثر مما في منظومه.  ثم يسترجع "مدرسة الديوان" وشعراءها من مثل محمود عباس العقاد وعبد الرحمن شكري، و"مدرسة أبولو" وشعراءها ومنهم أحمد زكي أبو شادي. وكنت اود أن يتذكر بزيع في جريرة كلامه عن شعراء النهضة الثانية، بوجهتيها الرومانطيقية (الياس ابو شبكة)، والنيوكلاسيكية (الاخطل الصغير)، الشاعرين الكبيرين اللذين أسهما في وضع حجر الرمزية، صلاح لبكي ويوسف غصوب، وكانا يملكان ثقافة عميقة لا سيما في حقل الشعر الفرنسي الرمزي الذي ترجما منه وكتبا عنه. وإذا خص بزيع الشاعر سعيد عقل بمقال في متن كتابه، فإنما في سبيل تكريمه، بصفته شاعرا مجددا في صميم الصنعة الكلاسيكية، وصاحب دربة ومراس نادرين، جعلاه ينقي القصيدة من زوائدها سابكا اياها سكبا متينا.

وفي الانتقال إلى ثورة الشعر التفعيلي التي انطلقت في العراق يتناول بزيع "ثالوث" هذه الثورة كما يعبر، بدر شاكرالسياب ونازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي. علما أن بلند الحيدري كان من رواد هذه القصيدة التي اعادت النظر في البنية العروضية الكلاسيكية معتمدة لعبة الايقاع التفعيلي الحديث. وقد كتب الكثير عن الثورة التفعيلية و"التسابق" الزمني فيها، حتى فقدت جدواها وغدت خارج السجال الشعري الحقيقي. لا تكمن مكانة شاعر كبير مثل السياب في منحى التجديد العروضي فقط بل هو تعداه إلى خلق مناخ شعري شامل، مازجا النفس الرثائي بالبعد الوجودي والرومنطيقية الميتافيزيقية، ومنفتحا على مكابدات الروح والجسد ومعاناة الغربة في العالم والكون. ولا ينسى بزيع ما اكتنف تجديد نازك الملائكة التفعيلي من تردد وريبة، فهي توقعت "نهاية مبتذلة" للثورة الحداثية، مما انعكس سلبا على موقعها الشعري والنقدي، فتراجعت عن "ريادتها" عائدة إلى حضن النظم العمودي.

الحداثة الثانية

يركز بزيع من ثم على ما يسميه زمن الحداثة الثانية التي شهدتها بيروت مع مجلة "الآداب" التي أنشأها الروائي سهيل ادريس ومجلة "شعر" التي اسسها الشاعر يوسف الخال ومعه ادونيس وأنسي الحاج وشوقي ابي شقرا وفؤاد رفقة وعصام محفوظ وسواهم. ويذكر مجلة "مواقف" التي اصدرها ادونيس منفردا بعد انسحابه من مجلة "شعر". ويستفيض بزيع في استعادة المرحلة تلك، والمواجهات النظرية والنقدية التي شهدتها، والانقسام الذي حصل بين "الاداب" الملتزمة عروبيا و"تفعيليا"، ومجلة "شعر" المنفتحة على رياح التغيير والتحديث وعلى قصيدة النثر والشعر العالمي.

 وفي الدفة الثانية من كتابه يتناول بزيع معظم شعراء مجلة "شعر": يوسف الخال، ادونيس، أنسي الحاج رائد قصيدة النثر، محمد الماغوط، شوقي ابي شقرا وعصام محفوظ. لكن مقالاته شملت شعراء آخرين حفر بعضهم "مسالك" داخل الحداثة وبعضهم كانوا دون هذا المشروع، على رغم خصائصهم، وهم في كلتا الحالين وبحسب ورودهم في الكتاب: نزار قباني، بدر شاكر السياب، نازك الملائكة، عبد الوهاب البياتي، بلند الحيدري، ادونيس، خليل حاوي، صلاح عبد الصبور، سعدي يوسف، احمد عبد المعطي حجازي، محمد الفيتوري، محمد الماغوط، يوسف الخال، انسي الحاج، شوقي ابي شقرا، توفيق صايغ، محمد عفيفي مطر، أمل دنقل، سركون بولص. ولا ادري أن كان ممكنا ادراج شعراء مثل مظفر النواب وعصام محفوظ (الذي اعلن هجر الشعر باكرا لصالح المسرح) وحسب الشيخ جعفر، في سياق التأسيس. وقد برر بزيع نقدياً هذه الإختيارات، مبدياً إدراكه مكامن الضعف لدى هؤلاء الشعراء.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لعل كتاب شوقي بزيع من الكتب القليلة التي اعتمدت المقاربة البانورامية للمشهد الشعري العربي الحديث، في وجهاته كافة، ومسالكه وخصائصه واختلافاته، وفي ابرز اسمائه وعلاماته. كتاب يجمع بين الرأي النقدي الرصين الذي يخفي في تلافيفه وعيا اكاديميا، وبين الحدس والاستبطان والاستخلاص والتأويل، وبين ذائقة مرهفة تجيد تلمّس الشعر والاحساس به وكشف اغواره. ولعل ابرز الخصال هنا أن الكتاب يقرأ بمتعة حقيقية، نظرا إلى تمرس بزيع في فن الكتابة المتينة والسهلة في آن، الواضحة والبعيدة عن التعقيد والاستغلاق.

المزيد من ثقافة