Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الناقد صلاح فضل يعتمد الفن الروائي ليكتب سيرته

"عين النقد" يرسم مسارا معرفيا من الأزهر فإلى إسبانيا ثم المعترك الأكاديمي المصري والعربي

الناقد صلاح فضل يكتب سيرته الذاتية (صفحة الكاتب على فيسبوك)

في كتابه "عين النقد: سيرة فكرية" (دار بتانة،2021)، يفرج الناقد الأكاديمي صلاح فضل عن السارد والحكاء، ذلك الذي لم يرض عنه فقمعه في بداية مسيرته الفكرية، ثم عاد بعد نتاج نقدي كبير؛ أثرى به المكتبة العربية، ليحرره ويروي عبره جانباً من سيرته؛ يتماس فيه فكره مع محطات من رحلته الحياتية، فيبرز من خلاله كلاً من الناقد والإنسان.

وكما كان النقد بطل مساره الفكري، ظل يرفرف بجناحيه في سماء السرد. يوجهه الكاتب نحو حياته الأولى، تعليمه الأزهري، البيروقراطية الوظيفية، المناخ السياسي والاجتماعي والثقافي، الذي أحاطه طيلة عقود متوالية؛ شكلت الفضاء الزمني لسيرته الفكرية.

بدأ الكاتب سيرته مرتداً إلى طفولته، ويتمه في عمر أربع سنوات، بعد أن أفقده الموت أباه شاباً. وقام جده بتحويله، من الدراسة المدنية إلى الأزهرية، كوسيلة لاستعادة الأب الأزهري الغائب. وهذا ما أحبط الحفيد، الذي وجد الدراسة الأزهرية، تعتمد على التكرار البليد والاستذكار العنيد. لكن فضل لم يغفل فضائلها، في تشكيل قدراته اللغوية، وتنمية كفاءة الفهم لديه والتعبير. ولم يغفل كذلك مثالبها؛ كونها تصوغ عقول دارسيها ووجدانهم، على مقاس عصور قديمة، دون اختلاف. وهذا هو الخطر الذي نجا منه، عندما تحول إلى المعهد الثانوي بالقاهرة، صحبة عمه طالب الحقوق، لتكون كتب القانون بوابته ونقطة عبوره نحو العالم الفسيح.

إسبانيا رغماً عن حلمه

من المعهد الثانوي، ينتقل الكاتب إلى كلية دار العلوم، فيتحرر نهائياً من الجبة (العمامة) والقفطان. وتلتقط عينه الناقدة صراع القديم والحديث، التقليدي والطليعي. وينحاز إلى كوكبة الأساتذة، الذين يدرّسون النقد والأدب والفلسفة، وفق ما اكتسبوه من معارف من أعرق الجامعات الغربية.

تتسع الرؤية النقدية لديه، فتمتد إلى كافة نواحي الحياة، لتدرك كل متناقضاتها. تمر على الأيديولوجيات جميعها "اليمين واليسار"، لتنتهي باعتناق العلم، العدل والجمال.

يعرج الكاتب إلى محطته التالية، وانتقاله إلى إسبانيا، بعد أن أجهضت وزارة علي صبري عام 1965 حلمه، بإلغاء كافة البعثات، ومنها بعثة إلى فرنسا، كان هو أحد مرشحيها، وذلك لندرة العملة الصعبة حينذاك. ورغم ضيقه بالمكان واللغة وشعوره بالبقاء على هامش الحركة الفكرية، ما لم يستكمل تكوينه المعرفي في السوربون، فإنه سرعان ما تجاوز هذا الضيق، وتغلب على صعوبات اللغة، بل وظفر بموقع أكاديمي في الكلية الإسبانية، التي يدرس فيها. ثم دفعه الزخم والنشاط في حركة الترجمة إلى الإسبانية، من كل اللغات الحية؛ إلى الرضا عن اللغة، التي اعتبرها في البداية حاجزاً بينه وبين الفكر العالمي، ثم ما لبث أن أدرك أنها الطريق الأقرب إليه.

بين النقد والسرد

رغم اعتماده على مختلف تقنيات السرد، واستخدامه الأدوات والفضاءات الزمنية والمكانية والأحداث والشخوص، وهي عناصر أصيلة في فنون السير الأدبية؛ ظل لصوت الناقد الموقع الرئيس. فأشار إليه الكاتب مرة عبر إضاءات خاطفة حول منجزه النقدي. ثم أفرد له في مرحلة لاحقة من السرد مساحات أكثر اتساعاً. وخلاف حضوره الصريح منحه الكاتب حضوراً  ضمنياً، تجلى في ما أبرزه من ثنائيات متقابلة، اجتمعت في الواقع والشخوص. فبدت في تضاد بين ثقافة سمعية وبصرية ورقمية من جهة، وثقافة أصولية كلاسيكية جافة من جهة أخرى. وبدت في بعض أساتذة الأزهر الذين يدعون السماحة، في حين يضمرون التعصب. وبدت مرة أخرى في احترام الغرب للعلم والعلماء، ليجد أحمد زويل مثلاً احتفاء يستحقه في الولايات المتحدة الأميركية. وتجددت المفارقات والمقارنات، بين غرب يعلي قيمة الحب وثقافة التعبير عنه ولو في قبلة. وشرق يخجل من هذه القبلة ويستهجنها، في حين لا يتحرج من إظهار الكراهية، وربما يتفاخر بها.

استمرت التناقضات التي التقطتها عين النقد، لتحتويها لغة موسومة بوسم الناقد المؤسس، تجمع بين العمق والبلاغة والسلاسة، تنزف بعض الأسى والمرارة، لا سيما حين ينقل خيباته الصغيرة، التي حالت بينه وبين الحصول على ما يستحقه من جوائز. ابتداء من الجائزة التشجيعية، ومروراً بجائزة الكويت في النقد الأدبي، التي حجبت أيضاً، ليحيل الكاتب عبر ما ساقه من أمثلة، إلى فساد يعاني منه الوسط الثقافي العربي.

ومثلما كانت اللغة شديدة الحساسية في تجسيد مواطن الخيبة، لم تخل من طرافة وحس ساخر في غير موضع، وإن اختار لها الكاتب أشد المواضع مأساوية... "فوجئتُ بصاحب محل يسألني عن جنسيتي وأنا أطلب منه بعض المرطبات، عندما أجبته أنني مصري قال لي "ما كانش" أي لا توجد. سألت مدير  الكتب وهو من قدامى المحاربين عن السفينة التي تعبر البحر الأبيض كل يوم إثنين من وهران إلى مدينة إليكانتي بإسبانيا، أجابني أيضاً "ما كانش"، فسألته ما الذي لا يوجد: هل السفينة أم البحر الأبيض أم يوم الإثنين؟ رد بضيق: "ما كانش"" صـ 96.

الناقد الحديث

تتيح السيرة الفكرية لصلاح فضل، اكتشاف أدوار أبعد للنقد، من استكناه أسرار النصوص، وإبراز جمالياتها. إذ يلعب دوراً اجتماعياً وقيمياً وإنسانياً، وهو ما قام به فضل، حين  كتب عن إنتاج الدلالة في شعر أمل دنقل. فخلافاً على أن مقاله كان نموذجاً تطبيقياً لنظريته في البنائية، فإنه كسر من خلاله دائرة التحريم حول اسم دنقل، والتي أُلصقت به نتيجة معارضته نظام السادات. ولا يكشف الكاتب عبر سرده عن الأدوار القيمية للنقد وحسب، وإنما يوثق تاريخ الواقع الثقافي المأزوم، خلال حقبة الرئيس السادات. ويكشف عن استخدام السلطة للوازع الديني؛ استخداماً سياسياً، بهدف إقصاء أي معارضة. ويلفت في الوقت نفسه للخطاب المجتمعي خلال تلك الحقبة، وسيادة النبرة الأصولية التي أشاعتها بقايا جماعة "الإخوان" لمحاربة التنوير. وهو ما أصر فضل على مقاومته، عبر منبر وليد في تجربة نقدية فاصلة هي مجلة "فصول".

وتطرق الكاتب إلى واحدة من أهم المحطات، التي أسهمت إلى حد كبير في إثراء رحلته الفكرية؛ وهي المكسيك، التي انتقل للعمل فيها أستاذاً جامعياً، لتكون بمثابة نافذة جديدة، تطل على كنوز ثقافية خارج الحدود. تضرب مثالاً منقطع النظير، على تجاور الثقافات والأعراق وتحاورها. ورصد كذلك تميزها، بالعديد من الصناعات التقليدية. وفسر في الوقت نفسه، أسباب غياب مظاهر التأثير العربي، عن ذاك الثراء الثقافي الباذخ، في القارة الجديدة، في فنون العمارة والأدب والموسيقى والأزياء، ومختلف أشكال الحضارة. وأبرز أيضاً الانفجار الروائي المدوي لفورة الأدب في القارة الشابة، وتوظيفه السحر والأساطير، مدللاً على مرجعيتها في ثقافتهم وعاداتهم المختلفة، لا سيما في طقوسهم للاحتفال بالموتى.

الذات في ميزان النقد

لم يمارس صلاح فضل نقداً أدبياً، أو اجتماعياً وحسب. وإنما عمد إلى ذاته، ناقداً عزوفه عن الانتماء لأي تيار سياسي. ومفسراً ذلك بخشية السجن والقضبان. رغم ظنه حينذاك، أو إعلانه أن الأكاديمي يجب أن يقف موقف المحايد، على مسافة واحدة من كافة الاتجاهات. وربما قسى فضل على نفسه، وهو الذي عمد إلى كسر حصار السلطة على أمل دنقل، تحت شعار التحريم. وهو أيضاً الذي أعلن للإعلام أثناء وجوده في رحلته الثانية بإسبانيا، مستشاراً ثقافياً ومديراً للمعهد المصري للدراسات الإسلامية؛ أن التطبيع نكتة. وحمل جيهان السادات رسالة لزوجها، مفادها أنه لن يدخل التاريخ بعد عبد الناصر، إلا عبر الديمقراطية. وغير ذلك من مواقف صريحة، كانت تعبر عن ولعه بالديمقراطية. تلك العروس التي شاهد بهاءها في الغرب، وفتن بها، لينقل عبر صفحاته بعض تجاربه، لا سيما تجربة المكسيك، التي اتخذت عبارة "إعادة الانتخاب جريمة" شعاراً لها. فلم تبال شعوبها بأن تأتي الانتخابات بالأسوأ، مقابل أن تحمي ذوي السلطة؛ من إدمانها.

امتلاك السرد

تحلى قالب السيرة الفكرية بالعديد من جماليات السرد، التي جاءت موازية ومشتبكة مع الخطاب النقدي. فالناقد الذي يلفت لجمالية المكان والحضور البصري والسمعي في البناء السردي، يحكي عن إسبانيا سارداً... "أجمع نثار العطر من شوارع طليطلة الضيقة، المشحونة بعبق التاريخ وتحف الآثار المنحوتة في خشب الأبنوس والمطرَّزة على الحرير الدمشقي، وأصداء الأدعية والابتهالات في المساجد والكنائس.." صـ 80.

كذلك استحضر فضل الأصالة من التراث الشعري، ونثرها في طيات سرده. فتارة يستدعيه شاهداً لإثبات نظرياته النقدية. وتارة ليعزز من جمالية النص. تلك التي استدعى من أجلها المزيد من التقنيات؛ كالتناص مع الموروث الديني والفلكلور الشعبي. والتناظر بين ضبابية الحياة العامة قبل 1973، والحياة الشخصية للكاتب.  والومضات الحوارية. فضلاً عن الرمز والإحالات الضمنية، التي فسر عبرها  سمات مرحلة تاريخية فارقة، وهموم ساستها. ومثلما كان انتقال الكاتب إلى إسبانيا والمكسيك، نافذة له على الثقافات الإنسانية الأخرى، وما تتسم به من تنوع وثراء، نجحت سيرته في تجسيد ثراء تلك الثقافات، عبر خطاب معرفي، نقل صورة حية للثقافة الإسبانية، وشعوب أميركا اللاتينية.

أعلام وكتب

لم يكن فضل ليتمم سيرته الفكرية، دون العروج على لقاءاته بأهم أعلام الفكر والأدب، في مصر وإسبانيا والمكسيك. مثل: لويس عوض، والأهواني، وإحسان عبد القدوس، وتوفيق الحكيم، والمعماري حسن فتحي، والمفكر دون إميليو غارثيا غومث، وغيرهم من اسماء عربية وغربية. ولم يكن وهو يرى بعين النقد؛ إلا ليضيء منجزه النقدي، بما يتسق مع زخم سيرته الفكرية.

ومن كتبه التأسيسية "النظرية البنائية في النقد الأدبي"، الذي يحلو لفضل تسميته بالابن البكر. ذلك الذي أنجبه البحث الشاق، والطموح المنهجي. ليشرح عبره نظرية البنيوية بكل أبعادها التاريخية والمنهجية، ومبادئها النظرية، وتطبيقاتها على الأجناس الأدبية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أما كتاب "المنهجية الواقعية في الإبداع الأدبي" فقد سبق فيه بالبحث في الأسس الجمالية للواقعية، التي بشَّر بها لوكاش، وسوسيولوجيا الأدب، والواقعية السحرية في أدب أميركا اللاتينية. إذ كان فضل من اوائل الذين كتبوا عن غارثيا ماركيز ورائعته "مئة عام من العزلة"، قبل أن يحصل على نوبل.

الكتاب الثالث الذي تعرض له فضل، ضمن سيرته الفكرية؛ كان كتاب "تأثير الثقافة الإسلامية في الكوميديا الإلهية لدانتي". وهو أول بحث موثق، حول قضية شائكة في الأدب المقارن؛ كان شاهداً على خصوبة التراث العربي والإسلامي، وتأثيره في درة الإبداع الأوروبي، في العصور الوسيطة. ليتصدى فضل عبره، لإشكالية التشكيك في وثيقة المعراج، التي كانت دليلاً دامغاً، على تأثير التراث العربي والإسلامي، في أهم ملحمة أدبية؛ وضعت أصول اللغة والأدب في إيطاليا. أما كتاب "علم الأسلوب"، فكان حلماً لأستاذ الكاتب؛ الدكتور غنيمي هلال. وقد ورث فضل حلم أستاذه، دون أي تفصيلات أخرى. وسعى لتحويله إلى حقيقة، رغم العثرات والصعوبات.

وعلى خلاف أغلب الباحثين في الأدب الأندلسي، كتب فضل كتابه "ملحمة المغازي الموريسكية"، ملتزماً بالمنهج العلمي في التحليل المقارن، دون الانجراف في التيار العاطفي، الذي ينساق للتنديد والتهويل، في فظائع محاكم التفتيش. ولم يكتف الباحث النهم؛ بالإشارة إلى ما قام به من بحث وتأطير، واستخلاص نظرياته النقدية، وإنما تطرق إلى تطبيقها عبر مقالاته، التي تناولت نماذج إبداعية، من أعمال العديد من الكتاب والمبدعين.

المزيد من ثقافة