Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"المطبخ" عرض مصري يجسد مأساة امرأة بين جحيمين

الزوج يأتي الى البيت بعشيقته والزوجة المقموعة ترحب

من المسرحية: العشيقة على المقعد والزوجة تحتها (الخدمة الإعلامية للعرض)

من العروض اللافتة في مهرجان إيزيس الدولي لمسرح المرأة (الدورة التأسيسية 15-21 الشهرالجاري) عرض "المطبخ"، الذي ألفه وأخرجه محمد عادل وقدمته فرقة "حاضنة نهاد صليحة" على مسرح الجامعة الأميركية في القاهرة.

أهمية هذا العرض تكمن في أمرين اثنين، الأول الرؤية التي قدمها، والمتعلقة بقضية شائكة تخص المرأة، وكيفية تمريرها بطريقة هادئة، بعيداً عن الانفعالات أو المبالغات التي تفضي إليها الحماسة الزائدة. أما الثاني فهو الحلول السينوغرافية التي قدمها ببساطة شديدة ومن دون أي إسراف في عناصر السينوغرافيا كافة من ديكور وإضاءة وحركة وموسيقى.

قدم العرض قصة امرأة تبدو متجردة تماماً من أحاسيس الأنثى، غير مبالية بما يفعل بها زوجها، مستجيبة لكل ما يأمر به، حتى إنها تقبل اصطحابه إلى بيتها، عشيقة له، بل وتبارك العلاقة بينهما، وكأنها امرأة من حجر.

الزوجة ليست مختلة بالطبع، لكنها محملة بميراث ثقيل من الأسى والقسوة، يدفعها إلى كل هذا الانسحاق. فتاريخها الشخصي، الذي حرص المؤلف والمخرج، على بثه بين ثنايا المسرحية، هو المقدمة التي تؤدي إلى ما نشاهده من نتائج، وكأنها صرخة ناعمة جداً، ومن دون صوت، يطلقها العرض، طارحاً عديد الأسئلة حول مآسي المرأة في عالم لا يحفل بمشاعرها، وينظر إليها باعتبارها جسداً لا أكثر ولا أقل.

أزمة الزوجة

علاقة فاترة تماماً بين زوجين، على رغم أن الزوجة سيدة جميلة ومثقفة، وعلى قدر عال من الوعي، تفصح عنه كتاباتها السرية التي تحتفظ بها لنفسها. وتبدو من خلالها كطائر يحلق وحيداً في الفضاء، ولا يستطيع الاقتراب من سطح الماء، بينما زوجها كائن مائي، لا يستطيع مغادرة عالمه، ولذا فهما لا يلتقيان أبداً.

ومن خلال هذه الكتابات تتبدى أزمتها، فقد تربت في بيت لا دفء فيه، بل قسوة وتحرش من الأب، في مقابل حرية تامة لأخيها. تقبل بالزواج من شخص يكبرها، وبعيد تماماً عن اهتماماتها وأحلامها، شخص أناني لا يرى سوى ذاته. تكتشف أنها هربت من جحيم إلى جحيم آخر، إلى زوج متعدد العلاقات، لا يحفل بها وباحتياجاتها، ولا يشغله سوى أن تلبي هي احتياجاته الجسدية وقتما يريد من دون أي مقدمات، وكأنها آلة اقتناها للاستعمال الشخصي، وعليها أن تكون تحت الطلب دائماً.

تشغل الزوجة نفسها بالمطبخ ليصبح مكانها الأثير الذي تحاول أن تحقق فيه ذاتها بإعداد الطعام الذي يحبه الزوج ولا تحبه هي، ساعية إلى إرضائه، مدركة أن بقاءها في هذا العالم الضيق المنقبض، أفضل لها من العودة إلى بيت أبيها.

أزمة الشخصية هنا تكمن في أنها تم كسرها وانتهاك آدميتها في بيت الأب، فلم يكن من السهل جبر هذا الكسر في بيت الزوج، الذي لم يكن أقل عنفاً وقسوة من العنف والقسوة واللاإنسانية لدى الأب، ولم يتفهم احتياجاتها كأنثى منكسرة ومحطمة.

عقدة الجسد

الفتاة لديها عقدة أساساً من جسدها، حتى إنها لم تحرص يوماً على ارتداء ملابس منزلية تظهر مفاتنها، لديها رعب من اللقاء الزوجي، ودائماً ما تختلق أعذاراً للهروب منه. وعندما يأتي الزوج بفتاة ليل إلى منزلها لا تبدي أي اعتراض، بل ترحب بالعلاقة، وكأنها تزيح عن كاهلها عبء لقائها بزوجها.

هناك حديث متكرر وممل بين الزوج وزوجته، وعلى رغم ذلك فإن الملل لا يتسرب إلى المشاهدين. فالأمر هنا مقصود لذاته، ليعمق أكثر من مأساة الزوجة، بل إنه في بعض الأحيان يكتسب ملمحاً كوميدياً يثير الضحك، لكنه ضحك كالبكاء بحسب أبي الطيب المتنبي.

تضج الزوجة بحياتها، وبخاصة بعد أن توطدت علاقتها بعشيقة زوجها، التي كشفت لها عن جوانب خفية في الحياة عموماً لم تكن على دراية بها. ويغلق العرض على الزوجة وقد حملت حقيبة ملابسها، راحلة إلى المجهول، وكأنه القدر الذي كتب عليها في عالم لا يحفل كثيراً بمشاعر الأنثى واحتياجاتها ولا يرى فيها سوى جسد تحت الطلب دائماً.

تمثيل لافت

الأداء التمثيلي في هذا العرض كان لافتاً بشكل كبير، لعبت لبنى المنسي دور الزوجة من منطقة هادئة ومحايدة تماماً. وكانت واضحة قراءاتها الواعية للشخصية، وطبيعة أزمتها، فقدمتها بنعومة، وانفعالات امرأة تبدو لا مبالية بما يحدث لها، في حين أن داخلها يمور بالثورة والرفض من دون أن يظهر ذلك على خارجها، متدرجة في أدائها لتصل إلى ذروته في النهاية، التي تمثلت في حمل حقيبتها ومغادرة البيت في هدوء تام، يشبه هدوءها المنزلي وعاديته.

الزوج الذي قام بدوره أحمد شكري، كان على النقيض من الزوجة، سريع الانفعال، عصبياً، متوتراً، مرتفع الصوت، وهي طريقة أداء مقصودة هنا، لإبراز التناقض الواضح بين الشخصيتين، والاختلاف بين العالمين، وإبراز مدى القسوة التي تمارس على الزوجة.

ولعبت مارينا مجدي دور فتاة الليل بطريقة واعية بطبيعة تلك الشخصية ومن دون مبالغة، ولم تخل من ملمح إنساني نبيل في إظهارها التعاطف مع الزوجة في محنتها، فهي الأخرى ضحية لمجتمع فاسد وقاس.

لا ديكورات في العرض، لجأت المصممة سلمى أبو الفضل إلى حل بسيط، مجرد مقعد مستطيل في منتصف الخشبة، مسلطة عليه بؤرة إضاءة في معظم مشاهد العرض، ولا شيء غير ذلك، تدور على المقعد أو حوله معظم الأحداث. وعلى رغم ذلك يشعر المشاهد أنه داخل بيت وفيه مطبخ وحمام وحجرة للنوم، وكل ما يلزم البيت من تفاصيل، وربما عبّر ذلك المقعد الوحيد عن مدى الخواء والبرودة والقسوة التي تغلف أجواء البيت، مع موسيقى أسيانة لمعتز الأدهم، عمقت هي الأخرى حالة الانقباض والتوتر التي تعتري العلاقات داخل هذا البيت.

ثراء العناصر

عرض المطبخ، على بساطته وتقشفه، وخفوت صوته، عرض ثري بمفرداته وعناصره، وكما يناقش قضية شائكة وساخنة، فهو يقدم أيضاً درساً في البساطة، ويؤكد أن صناعة مسرح جيد وجاد، ليست في حاجة إلى كلفة مادية كبيرة، بقدر احتياجها إلى مهارة في استعمال المتاح من الأدوات وتوظيفها بشكل جيد. وكأننا بالفعل داخل مطبخ تقدم سيدته طعاماً شهياً بمكونات بسيطة وغير مكلفة مادياً.

ويحسب للعرض كذلك اعتماده على نص محلي يلامس واقعه، بعيداً عن النصوص المترجمة، التي قد تبدو في بعض الأحيان بعيدة عن ما يشغلنا من قضايا.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أما "مهرجان إيزيس الدولي لمسرح المرأة"، الذي أقيم في القاهرة بهدف دعم جهود تمكين المرأة وإقامة جسور ثقافية بين النساء في مختلف أنحاء العالم، وتحفيز النساء على التعبير عن ذواتهن فى إطار فني فكري، وتعزيز قيم قبول الآخر، فقد نجح بالفعل في تحقيق أغراضه، واجتذب عدداً من العروض من مصر والأردن وروسيا واليابان ورومانيا وبولندا. ولم تقتصر فعالياته على العروض فحسب، بل تضمن أيضاً ندوة فكرية حول صورة المرأة في المسرح المعاصر، وورشات تدريبية، وأفلاماً تسجيلية عن رائدات المسرح في مصر.

وحملت الدورة اسم الكاتبة المسرحية الراحلة فتحية العسال، كما تم تكريم الفنانة الراحلة شويكار باعتبارها من أهم النجمات اللاتي حققن نجاحاً كبيراً على خشبة المسرح. وكذلك المخرجة والممثلة اللبنانية الكبيرة نضال الأشقر، مؤسسة مسرح المدينة، والدكتورة هدى وصفي المؤسسة السابقة لمركز الهناجر للفنون، والمخرجة عفت يحيى مؤسسة فرقة القافلة للمسرح المستقل، وأستاذة الإلقاء والممثلة القديرة نجاة على، والملحنة والمخرجة الراحلة إيمان صلاح الدين.

المزيد من ثقافة