Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حصار لشبونة كما رواه سارماغو يتجسد في مسرحية مصرية

الاقتباس اعتمد بنية الرواية ورؤيتها وأضاف أحداثاً عالمية راهنة

 من المسرحية المصرية المقتبسة عن رواية ساراماغو (الخدمة الإعلامية للفرقة)

في رواية" قصة حصار لشبونة" للكاتب البرتغالي جوزيه سارماغو، ثمة تداخل عجيب بين الأزمنة والأمكنة، وانتقالات من هنا إلى هناك، قد تبدو للقارئ غير المنتبه، انتقالات عشوائية، فضلاً عن تعدد الأصوات، والتداخل بين السرد والحوار والوصف والمونولوغ وغيرها من التقنيات التي لجأ إليها الكاتب الفائز بجائزة نوبل.

 الرواية تتناول الحصار الذي فرضه البرتغاليون (عام 1147) على لشبونة المسلمة، وانتهى بسقوطها في أيديهم، لكنها تطوف بأحداث وقضايا معاصرة، ومن خلالها يطرح الكاتب موقفه من قضايا إنسانية تتعلق بالمظلومين والمهمشين في أي مكان على سطح الأرض، وينادي بالحرية والمساواة والعدل. كما يطرح أفكاره وتأملاته الفلسفية حول الحياة والموت والفن والأدب والمعتقدات والسلوكيات البشرية.

هذه الرواية حولها الكاتبان محمد هلال ومحمد السباعي، إلى نص مسرحي، بعنوان "أوبسيدو"، قدمته فرقة الجيزة المسرحية التابعة لهيئة قصور الثقافة المصرية، وأخرجه السعيد منسي. المؤكد أن تحويل رواية مربكة ومتعددة التأويلات كهذه، إلى نص مسرحي، أمر صعب للغاية، غير أن المؤلفين لم يعملا على تفاصيل الرواية كاملة، بقدر ما اعتمدا على طريقة بنائها في صياغة نصهما المسرحي، الذي انطلق من قصة المدقق اللغوي التي تسردها الرواية، حيث كان يراجع كتاب " قصة حصار لشبونة"، وعندما لم يقتنع ببعض الوقائع التاريخية التي رآها منافية للعقل، قام بتغيير كلمة في إحدى جمل النص الأصلي، ووضع كلمة "لا" مكان كلمة "نعم"، حولت الجملة من الإثبات إلى النفي ليصبح مؤداها أن الصليبيين لم يساعدوا البرتغاليين في حصار لشبونة والاستيلاء عليها.

أحداث مختلفة

في النص المسرحي أضاف المؤلفان أحداثاً جديدة ومختلفة، منها مايتعلق بالعالم العربي، مثل الحرب السورية، وتشريد الملايين من أبناء الشعب السوري، وغرق الطفل إيلان، أو الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، واستشهاد الطفل محمد الدرة، ومنها مايتعلق بأحداث عالمية مثل تفجير برجي التجارة في الولايات المتحدة الأميركية... وكلها أحداث لم تتعرض لها الرواية التي صدرت في عام 1989، أي قبل وقوع هذه الأحداث، وهو أمر مقبول، مادام ذلك يتسق مع رؤية الكاتب الأصلي ولاينحرف بها في اتجاه آخر لم يقصد إليه، فكلها أحداث تصب في دعم تلك الرؤية.

وفضلاً عن هذه الأحداث فإن مدقق اللغة اكتسب في النص المسرحي بعداً جديداً،أكثر دينامية، إذ جاء عابراً للأزمنة والأمكنة، متدخلاً في الأحداث، ليس عبر تغيير كلمة (كما فعل في الرواية الأصل)، ولكن عبر المشاركة في الأحداث ومحاولة تغيير مصير شخوص النص، وإن لم تسفر جهوده عن شيء باعتبارأن مصيرهم  معروف مسبقاً.

يمكن القول إن النص المسرحي اتخذ الرواية متكأً لتأكيد الرؤية المتعلقة برفض تلك الخطايا التي يرتكبها البشر منذ الأزل، مثل القتل والكذب والطمع والسرقة والتمييز واغتصاب حق الغير، ما يؤدي في النهاية إلى الوقوف على حافة الهاوية، صارخاً بأعلى صوته (أي النص) طلباً للهدوء والسكينة والسلام قبل أن ينهار كل شيء. والسبب تلك البذرة، بذرة الخطيئة التي زرعها البشر وسقوها من نزقهم وأطماعهم، فأنبتت ذلك العالم الخراب، وتلك المسوخ البشرية التي تلهث خلف نهاية وشيكة، من دون أن تتوقف لحظة وتسأل نفسها لماذا نفعل مانفعل؟

هيمنة البناء الروائي

لم يغب عالم الرواية وطريقة بنائها، عن الرؤية الإخراجية، بل كان مهيمناً على بناء العرض في تشظيه وتداخلاته ولامنطقيته. فالديكور الذي صممه أحمد جمال، جاء في منظر واحد ثابت، مائلاً إلى الرمزية. فلا مكان أو زمان محددين، وربما عبرت الملابس أو أشارت إلى أزمنة بعينها، لكن الأماكن بدت كأطياف فيها من التشوه والتداعي والالتباس مايشير إلى وضعية العالم في ظل الصراعات الدائرة عبر التاريخ، وكأننا بصدد أنقاض، وهو مايعمق من الشحنة التي أراد العرض بثها في نفوس مشاهديه.

وعلى الرغم من تعدد الشخصيات والأحداث وتداخل الأمكنة والأزمنة، فقد استطاع المخرج باحترافية، قيادة أكثر من عشرين ممثلة وممثلاً من الهواة، لعب كل منهم أكثر من دور. ونجح في تنظيم كل هذه الفوضى بسلاسة ومن دون الوقوع في أخطاء الدخول والخروج والتسليم والتسلم، التي يقع فيها الهواة عادة إذا لم يتوافر لهم مخرج محترف قادر على إدارة الأمور بحسابات دقيقة ووفق رؤية واضحة في موضوع شائك وملتبس أصلاً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لم يسع المخرج إلى فرض رؤية بذاتها، ولم يكن حريصاً على طرح مقولة ما، بل اكتفى بهذه الشذرات التي جاء بها عبر تاريخ البشرية، والتي تدعو كل واحدة منها إلى التأمل والسؤال، تاركاً مساحة واسعة لخيال المشاهد، لينتج هو الآخر مغزى جديداً، لم يقدم شرحاً تفصيلياً لموضوعه، فعادة ماتلجأ أغلب فرق قصور الثقافة تحديداً، إلى الاستعانة بأغان واستعراضات تفسر أو توضح أكثر، ما يمكن أن يستغلق على المشاهد، لكنه كان أكثر ثقة في أن رسالته ستصل من دون الاستعانة بعوامل مساعدة، ربما تكون عبئاً على العرض، أوتحرم المشاهد لذة التفكير والسؤال والبحث والتأمل.

موسيقى العرض وضعها صادق ربيع، وجاءت متضافرة مع الحالات التي يقدمها العرض، ولحظاته المحتدمة المشوبة بالخوف والرعب. ولعبت إضاءة عز حلمي هي الأخرى دوراً مهماً، سواء في توضيح النقلات المكانية والزمنية، أوفي التعبير عن أجواء العرض، بخاصة في التعامل مع أكثر من مكان في لحظة واحدة، والإضاءة عليه بقدر ماتتطلبه وظيفته في العرض.

مشكلة العنوان

بقي شيء جدير بالملاحظة، فعنوان العرض "أوبيسدو"، وهي كلمة لاتينية وردت في بعض الترجمات على أنها "هاجس"، وفي البعض الآخر "يسقط" أو "يقتل"، فإذا كان الالتباس في النص (وهو التباس فني إيجابي) مقبولاً، فإن الالتباس في العنوان الذي يجب أن يكون جزءاً من بنية العمل وعتبة من عتباته، غير مقبول وغير مبرر. ثم ما الذي يضطر مؤلفاً أو مخرجاً إلى الاستعانة بعنوان غير واضح وغيرمتفق عليه أساساً. نعم هو كتب أسفل كلمة" أوبسيدو" كلمة " يقتل"، وأياً كانت الترجمة الصحيحة للكلمة اللاتينية، فلماذا لم يضع عنواناً واضحاً للعرض؟ ربما يقول أحدهم إن العرض نفسه غير واضح، فلا بأس أن يكون العنوان كذلك. لكن هناك فرقاً بين عدم الوضوح وبين تعمد الإلغاز غير المبرر، الذي لايضيف إلى العرض بقدر مايجعله عرضة للنقد. هل سينهار العالم لو أن القائمين على هذا العرض المصنوع بشكل جيد ومدهش، تواضعوا قليلاً واختاروا عنواناً آخرمتفقاً على معناه، بدلاً من هذا العنوان الذي (والحال هكذا) يثير لبساً لاعلاقة له بالفن؟

على أية حال فإن العمل إجمالاً، وأغلب صناعه من الشباب، أفصح عن مواهب تمثيلية جيدة، امتلكت الجرأة على تقديم عرض صعب،  بلغة فصيحة ندرت أخطاؤها. وقدموا حالة مسرحية مشحونة بالتوتر والبهجة الفنية، توتر يقلق المشاهد في مقعده ويجعله مشاركاً في الحدث، وساعياً إلى فك شفراته وفض مغاليقه.  

المزيد من ثقافة