Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تقرير أممي يشيد بانضمام البشر إلى الحجر في ملف التنمية بمصر

يغطي فترة غير مسبوقة في تاريخ البلاد من عام 2011 حتى 2021

ميدان التحرير وسط العاصمة المصرية  (أ ف ب)

عقود طويلة في مصر وأحداث كثيرة وحوادث أكثر ومطالبات عتيدة من قبل الجميع، معارضين ومؤيدين، لأنظمة انتهت وأخرى سقطت وثالثة بدأت، و"الاستثمار في البني آدمين" (البشر) هي العبارة الأكثر تداولاً وتناولاً وتباحثاً.

البحث والتقصي في أحوال مصر على مدار عقد كامل مضى يصل إلى محطة واحدة لا ثانية لها: تنمية البشر. فمنذ تفجرت أحداث يناير (كانون الثاني) عام 2011 وما جرى للمصريين على مدار عقود طويلة سمّاها البعض تجريفاً واعتبرها آخرون إفقاراً وفريق ثالث رآها إهداراً وإبطالاً، أصبحت غاية تنمية البشر مطلباً يتردد على ألسنة الجميع وأملاً يداعب مخيلاتهم على اعتبار أن التنمية حق للجميع.

فترة "غير مسبوقة"

"التنمية حق للجميع" عنوان باغت المصريين قبل ساعات ضمن العنوان الرئيس لتقرير التنمية البشرية في البلاد لعام 2021، وهو التقرير الذي يأتي بعد عقد كامل من توقف صدوره خلال فترة يصفها مصدرو التقرير بأنها "غير مسبوقة في التاريخ المصري".

برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالتعاون مع وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية المصرية، قالا في مقدمة التقرير إنه "يغطي فترة غير مسبوقة في التاريخ المصري من عام 2011 حتى عام 2021، التي شهدت ثورتي يناير 2011 ويونيو (حزيران) 2013، والتي أدت إلى تغيير في مسار عملية التنمية في البلاد".

جماعات المتشككين والمتشككات رأت في عنوان التقرير "التنمية حق للجميع: مصر المسار والمسيرة"، تحيّزاً إيجابياً لمصر. ومنهم من اعتبر محتوى التقرير الذي يشير بوضوح إلى أنه "خلال الأعوام العشرة الماضية (2011-2020) تقدمت مصر نحو إصلاح شامل، أعطى أولوية للنهوض بالاقتصاد كقاطرة أساسية للتنمية، وحرص في الوقت ذاته على وضع الإنسان المصري في قلب عملية التنمية، وهو ما حفظ مكتسبات التنمية للمصريين جميعاً في عقد شهد تغييرات مهمة في البلاد".

وبلسان مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي آخيم شتاينر، فإن "التقرير يأتي في منعطف مهم يواجه مجتمعنا الدولي، حيث تحديات جسيمة جراء جائحة كوفيد-19 التي ارتفعت بسببها معدلات الفقر وزادت أوجه عدم المساواة، ما أدى إلى تراجع التنمية البشرية عالمياً للمرة الأولى منذ عام 1990"، وإن "هذه الحقائق القاسية تواجهها مصر مثلها مثل بقية العالم. ولكن يجدر بالذكر أن مصر نجحت على الرغم من تلك الظروف، في الحفاظ على نمو اقتصادي إيجابي بسبب تبنّيها إصلاحات اقتصادية جريئة."

جرأة مصر الاقتصادية

جرأة مصر الاقتصادية في ملفات تحرير سعر الصرف وتخفيض الدين العام وتحسين مناخ الأعمال والاستثمارات وزيادة فرص العمل، لا سيما للنساء والشباب، وتقليص الدعم وتحديده للفئات الأولى بالرعاية فقط ورفعه عن المواد البترولية والكهرباء، مثار شد وجذب شديدين منذ بدء تطبيقها في بداية عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي.

الشد والجذب حول هذه الإصلاحات على مدار الأعوام الماضية عارمان. فبين مؤيد لحتمية الإصلاحات التي تأخرت كثيراً، ومعارض إما لانتماءت سياسية وأيديولوجية أو لضرر وقع عليه نتيجتها، وبين بين حيث فريق من المسَلِّمين بحتمية الإصلاح لكن وقع عليهم ضرر جسيم بسببها، ينتهي المطاف بالجميع عند سؤال يبدو استفسارياً لكنه في حقيقة الأمر استنكارياً، ألا وهو "ما أثر الإصلاحات المتزامنة وحركة بناء وتشييد خرساني ممثلة بملايين الوحدات السكنية وآلاف الطرق ومئات الجسور في الإنسان المصري؟".

الإنسان المصري المحتفي بتنميته في تقرير التنمية البشرية، يجد نفسه في القلب من نهضة التعليم وتحسن الصحة وآدمية السكن وتطوير منظومة الحماية المجتمعية، مع مزيد من التمكين للمرأة وتعزيز استدامة البيئة والحوكمة.

مؤلفو التقرير رصدوا تحسناً في مؤشرات إتاحة التعليم ما قبل الجامعي. معدلات قيد الطلاب في كل مراحل التعليم ارتفعت. تلاشت الفجوة النوعية بين الجنسين في مراحل التعليم ما قبل الجامعي. انخفضت معدّلات التسرب. زادت الطاقة الاستيعابية لمنظومة التعليم العالي مع افتتاح عدد من الجامعات الأهلية الجديدة وجامعات حديثة متخصصة في التكنولوجيا.

تحسن صحة المصريين

ورصد التقرير كذلك تحسناً في صحة المصريين. متوسط العمر المتوقع عند الميلاد في البلاد زاد من 70.3 سنة في 2010 إلى 71.8 سنة في 2018. انخفض معدل وفيات الأطفال دون سن الخامسة من 28.8 طفل إلى نحو 20.3 طفل لكل ألف مولود حي بين الأعوام 2010 و2019.

وواجهت مصر التي كانت ضمن الأعلى انتشاراً لفيروس الالتهاب الكبدي الوبائي (فيروس سي)، عدوها اللدود، فنجحت في خفض تكلفة العلاج وتقصير مدته عبر "الحملة القومية للقضاء على فيروس سي". وكانت النتيجة تجاوز نسبة الشفاء 98 في المئة. ووفر هذا تكلفة العلاج المقدرة بثمانية مليارات جنيه مصري (نحو 509 ملايين دولار أميركي).

ورأى التقرير أن مصر فعلت ما نص عليه دستورها من "الحق في السكن". فتم تدشين برامج موسعة لدعم الإسكان الاجتماعي والتطوير العمراني. وتم توفير سكن لائق للفئات محدودة الدخل. وجرى تطوير المناطق غير المخططة والتي تفتقر إلى الخدمات. وزادت نسب التغطية بخدمات مياه الشرب والصرف الصحي.

مسيرة اقتصادية واجتماعية

ويمضي التقرير قدماً في سرد "المسيرة" الاقتصادية، فيذكر نجاح برنامج الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي في تحسين مؤشرات الاقتصاد الكلي وخفض معدلات الدين العام، وسد فجوة ميزان المدفوعات، وإعادة تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر. ورأى مؤلفو التقرير أن هذه الإصلاحات ساعدت في تهيئة الاقتصاد المصري لمواجهة فيروس كورونا، فحققت معدلات نمو إيجابية على الرغم من الجائحة.

وفي ملف الحماية الاجتماعية، خففت مصر من أثر الإصلاحات الاقتصادية في الفئات الأكثر احتياجاً، من خلال زيادة مخصصات برامج الحماية الاجتماعية، والتوسع في برامج الدعم النقدي المشروط، وتحسين استهداف منظومة دعم السلع التموينية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعلى الرغم من إشادة التقرير بتراجع معدلات الفقر إلى 29.7 في المئة خلال 2019-2020 مقارنة بـ32.5 في المئة خلال 2017-2018، وهي المرة الأولى التي تنخفض فيها معدلات الفقر منذ 20 عاماً، إلا أنه أشار إلى حاجة مصر إلى مزيد من البرامج الداعمة لاستمرار هذا الاتجاه النزولي في معدلات الفقر.

لكن يعود التقرير إلى الإشادة الواضحة بفلسفة العدالة الاجتماعية التي اعتنقتها مصر أخيراً، حيث تحقيق العدالة الاجتماعية وتعزيز أمن الإنسان من الحماية إلى التمكين، تزامناً مع الإصلاحات الاقتصادية التي تطال أكثر من 102 مليون مصري ومصرية هم تعداد البلاد.

التعداد وعرقلة التنمية

تعداد مصر هو أكبر تحديات مسيرة التنمية. فارتفاع معدل نمو السكان يُشكِّل ضغطاً على الموارد، ويؤثر سلباً في الخدمات الصحية والتعليمية والموارد المتاحة للاستثمار في البنية التحتية والبحث العلمي وتحسين الخدمات وتوزيعها الجغرافي.

وتمضي إشادات التقرير بمسار مصر في مسيرة تنمية الإنسان، لتتطرق إلى تعزيز استدامة البيئة في البلاد من ترشيد لاستخدام المياه وإصلاحات منظومة الطاقة وزيادة الاعتماد على الطاقة المتجددة. كما تناول الجهود المصرية لتحقيق قدر أكبر من المساواة بين الجنسين في أماكن العمل ومجالاته، إضافة إلى صدور تشريعات وقوانين من شأنها أن توفر الحماية للنساء والفتيات من التنمر وتغليظ عقوبتَي التحرش وختان الإناث.

وتضمن التقرير كذلك إشادة بالخطوات التي اتبعتها مصر لتعزيز الحوكمة وتطوير الجهاز الإداري للدولة وإصلاحه، لرفع كفاءة أدائه وفاعليته في تقديم الخدمات الأساسية، إضافة إلى مكافحة الفساد وتأهيل الشباب للعمل السياسي والإداري والمجتمعي. كما لاقت خطوات التحول الرقمي والشمول المالي وتعميم التكنولوجيات المالية استحسان واضعي التقرير وتقديرهم.

تقرير مثير

التقرير المثير بكمّ الإشادات والاستحسانات الموجودة فيه، أثلج صدور الكثيرين ممن بُحّت أصواتهم من أجل أن يلحق البشر بالحجر في عملية التنمية.

ولأن عملية التنمية في مصر أرض خصبة للعراك الفكري والسياسي، تحوّل تقرير التنمية البشرية بالغ الإيجابية منذ صدر، إلى حلبة صراع وتناقض. فبين محتفين مبتهجين به على الصعيد المحلي ومعهم مستبشرين بمسيرة تنمية الإنسان في القلب من المسار، وغاضبين حانقين على التقرير الذي رأوا فيه تغييباً لحقائق وتمويهاً لوقائع، ظهر التناقض واضحاً جلياً في احتفاء محلي وعربي كبيرين وتجاهل دولي كبير أيضاً.

احتفاء محلي وتجاهل أجنبي

احتلت أخبار التقرير وحفل إطلاقه وحلقته النقاشية وكلمة الرئيس السيسي وكواليس الإطلاق الصدارة في المنصات الإعلامية المصرية كلها وبعض من العربية. ووصل الأمر إلى درجة أن أحد رجال الدين من أصحاب الظهور الإعلامي المكثف قال إن تقرير التنمية البشرية يكشف عن حجم "المعجزات" التنموية البشرية التي جرت في مصر، وتفرّد الإنجازات بشكل غير مسبوق.

وفي تفرّد غير مسبوق، شهد حفل إطلاق التقرير الذي حضره الرئيس المصري، طلباً من الممثلة المقيمة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في مصر راندة أبو الحسن، التي قالت للرئيس: "والدتي جاءت من لبنان خصيصاً لتشهد هذا الإطلاق، ولديها أمنية أن تتصور معك إن أمكن". ووافق الرئيس المصري، وصعدت والدة أبو الحسن إلى المسرح والتقطت صورة تذكارية وقالت للرئيس: "شرف كبير. ومصر تبذل جهوداً جبارة. ويسعدني أن أشكرك على جهودك الجبارة على الإصلاح والتنمية والاستثمار، وشرف كبير أن أكون معكم اليوم، وكل التهنئة للشعب المصري. أتمنى أن تكون قدوة للرؤساء في العالم العربي. كل التهئنة وأشكرك".

تنمية بشرية ومساعدات عسكرية

وفي الوقت ذاته، اختفى التقرير بشكل شبه كامل من المنصات الإعلامية الأجنبية. ليس هذا فقط، بل وجدت الأخيرة في إعلان إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن تعليق تسليم مصر ما قيمته 130 مليون دولار من المساعدات العسكرية إلى أن "تتخذ القاهرة خطوات محددة تتعلق بحقوق الإنسان"، الخبر الوحيد المستحق للاهتمام والتركيز والتحليل.

التحليل الذي خرجت به الممثلة المقيمة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في مصر راندة أبو الحسن، هو أن التقرير عكس التزام مصر النهج التنموي الذي يضع البشر في قلب عمليات التنمية، ويركز على الإنسان كمحرك لعجلة التنمية والمستفيد الأول من إنجازاتها، وهو ما يشكل نهج التنمية البشرية الذي أسّس له تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية على مدار 30 عاماً". ويشار إلى أن التقرير الصادر أمس هو التقرير الـ12 في سلسلة تقارير التنمية البشرية الوطنية التي تصدرها مصر منذ عام 1994، علماً أن أحدثها صدر عام 2010 قبل أن تتوقف بسبب الأحداث.