Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

رباب هلال تواجه مآسي السوريين اليومية في أحيائهم

" قومي يا مريم" متوالية قصصية تستحضر معالم الحرب ومفاجآتها

لوحة للرسام السوري وليد نظمي (صفحة الرسام على فيسبوك)

يبدو أن القصة القصيرة بدأت تنتعش بعد تهميش تفاقم وطغا خلال عقود الفورة الروائية. ويبدو أن الالتباس القديم بين المتوالية القصصية والمجموعة القصصية لايزال بصحة وعافية.

تترابط القصص وتستقل في آن واحد، في المتوالية القصصية التي يؤثلها بعضهم في المتوالية السيمفونية، وثمة من يقول، المتتالية، والمتتابعة، أو في "ألف ليلة وليلة". وبهذا النسب العتيد يتعانق السرد في الرواية وفي المتوالية عبر الحكاية الإطارية أو الشخصيات أو الفضاء أو الحدث المركزي.

في "قومي يا مريم" لرباب هلال يقوم بيان كل ذلك. وهذه الكاتبة السورية، من الندرة التي أخلصت للقصة القصيرة، فلم تنزح منها للرواية. وكانت مجموعتها الأولى "دوائر الماء والأسماء" قد صدرت عام 1992، وتلتها مجموعات "ترانيم بلا إيقاع" 1995، و"أجراس الوقت" 2000، و"تلك المرأة تلك النار" 2008. وها هي بعد صمت سنوات الزلزلة السورية تقدم "قومي يا مريم" (دار التكوين بدعم من الصندوق العربي للثقافة والفنون 2021)، وتثبت على الغلاف "قصص قصيرة" فيما أراها متوالية قصصية بامتياز.

أما الحكاية الإطارية لهذه المتوالية فهي الحرب في دمشق بخاصة من الفضاء السوري، حيث نأت الكاتبة عن الصخب والجلجلة والتمترس والشعارية مما آذى كثيراً مما كُتب عن الحرب. وفي المقابل، آثرت رباب هلال الرهافة بما تعنيه من الحساسية وما تكاد تلامس من الصمت.

تنفتح المتوالية بقصة "إنهم هنا" حيث الضحايا الذين "يسكنوننا". إنهم الرعب الذي يجعل العجوز تأمر ابنتها، "أخرجيهم من هنا"، والرعب الذي يجعلهم يتدافعون في الدخول إذ تنفتح النافذة، ومنهم من حاول الهجرة وأكله البحر، وهذا شاب بملابس الهلال الأحمر وقد ظهر فيه مكان القلب "ثقب وسيع مثل رغيف صغير محروق".

لعنة الحرب

تلعن الراوية هذه الحرب، وتلعن الكهرباء المقطوعة، وستظل تلعن في القصص التالية. وابتداءً من القصة التالية "غاردينيا بين الأصابع" لا تبقى الحرب حدثاً، بل تتكثف أيضاً في "قولة". فالحرب هنا هي الإحساس بالموت إذ يذبل بالتقادم، وبالاطراد مع ديمومة الموت وتضخمه. والحرب تعجز التفاسير وتربك الفهم مثلما هي ظلال لا ترحل مع أصحابها الراحلين، وقد ختمت الحرب هذه القصة بغارة يختفي معها الهواء وشجرة الغاردينيا تحت أنقاض المبنى.

في قصة "الحاجز" تبدد الحرب الوقت وتغتاله بيومياتها القاهرة ومآلاتها القذرة التي تُفقِد حتى الحمير صبرها، لذلك يكون من الأفضل للراوية أن "أصيّرني نعامة". وتقوم الشخصيات في هذه القصة ملوحة للشخصيات الروائية. فعدا عن الراوية التي تظل بلا اسم في القصص جميعاً، وإن تكن لا تفتأ تلوح للكاتبة بالسيرية، هي ذي المسافرة عبير التي لها "شأنها السري المحظور الخطير"، وهو ما يتبين في ختام القصة حين يأمر عسكري على الحاجز عبير بالنزول من الحافلة، ما يعني الاعتقال و/أو الاختفاء.

تتجسد الحرب في هذه القصة في الحاجز الذي يعترض السيارات والمسافرين قبيل دمشق كما في أرجاء البلاد. وعلى الحاجز – تصف الراوية – كشكاً مما ظهر في الحرب التي جعلت الأكشاك سوقاً صغيرة طارئة، يكون أصحابها عادة "أمنيين أو مدعومين". وتتساءل الراوية عما إذا كانت الأكشاك ستختفي بعد الحرب أم ستحولها مشاريع الإعمار متعددة الجنسيات إلى مولات ضخمة. لكن الأهم على الحاجز هو الغرفة الإسمنتية الأمنية التي بنيت على عجل. وبسخرية السؤال السابق تتساءل الراوية عما إذا كانت هذه الغرفة ستُدك بعد الحرب لتقوم مقامها استراحة للمسافرين مثلاً.

ليست الغرفة الأمنية في هذا العبث الجهنمي كما تصف الرواية الحاجز، سوى نقطة لتوقيف المشتبه فيه/ فيها، - وهو ما يُعرف بـ "التفييش" – ومنها ينقل إلى الفرع الذي تتبعه من بين مختلف الفروع الأمنية العديدة. وتتعجب الراوية من عدد هذه الفروع المزروعة في كيلومتر مربع واحد، وفيها تدور الأسئلة والإهانات ذاتها، والعنف الجسدي. وقد ابتلع الحاجز صديق الراوية (رامي) وأنكرته الفروع جميعاً، أي اختفى.

قصة الحاجز

إذا كان الحاجز في حكاية له قد ابتلع (اليوم) شابين وصبية، وإذا كان في حكاية أخرى قد نسي أن يعيد لعجوز هويته فراح يدور في المحطة الأخيرة كالمجنون ويصرخ "يا الله تعبنا"، فللغرفة حكاياتها أيضاً، ومنها "حكاية وسام" حفيد جار الراوية العجوز أبي سعيد. فوسام الذي ذاق حنظل الاعتقال هو المعيل لجديه بعد نزوحهم إلى الحارة التي سيتوالى حضورها وهي تلوح من المتوالية إلى الرواية. وكما ستلوح الجارة أم فارس والجار أبو فارس في قصص عديدة، أولاها قصة "سكر بنات"، حيث تأججت الحرب "ودخلها من هب ودب من عرب وأجانب للمشاركة في هذا الخراب وتضخيمه". والحرب في هذه القصة تدمر كثيراً من الأمور، وأولها الهشاشة في النفوس والعلاقات بين البشر، كتدمير الزواج في "سكر بنات".

يسمي الناس سراً أم فارس إذاعة الحارة، في قصة "موعد غرامي" التي تنكد فيها الأم على سامية العانس. وفي قصة "صباح يختلف قليلاً" تتجسد الحرب بالنزوح، نجاة النازحة من الغوطة، التي تعمل بالدروس الخصوصية وتمقتها، يعزيها أنها لم تضطر إلى مغادرة البلاد. لكنها تتساءل برعب عن المبادئ التي تحولها الحرب إلى وجهات نظر.

تعود أم فارس في قصة "عند الفجر" وقد باتت الحارة تلقبها هي وأبو فارس بوكالة الأنباء. والحرب هذه المرة هي الأب الذي يبيع البضائع المستعملة من مواد الإغاثة أو من التعفيش (النهب بيوت المهجرين والنازحين). والحرب هي ندى ابنة الاثنتي عشرة سنة، وأخوها المحشش نزيه، وأخوها ديب ذو الست عشرة سنة، الذي سيذبح ندى كرمى للشكوك بما كان بينها وبين نمر الذي احتضن هوايتها، الغناء، واختفى.

لأم فارس الحضور الأكبر في قصة "دعاء سعد". ويتجدد حضور الجدة في هذه القصة التي تتمحور حول الطفل سعد في الحرب. ولعل الكاتبة رمت إلى الترميز عندما جعلت لهجة الجدة مطعمة بلهجات المناطق السورية جميعاً. وثمة في القصة أيضاً أبو العز أخطر رجل أمن ممن يزورون الجدة. وفي مشهد تراجيدي يسقط سعد من الشرفة في غياب الجدة، وقد تحول صوت بكائه ودعائه إلى صوت يجر الناس من خلف النوافذ، فلا يرون أحداً.

لمرة واحدة تشغل الرواية ضمير المخاطب في قصة "لو تمسك بي يدك"، وفيها تخاطب الحبيب الذي كان متوتراً قبل اختفائه منذ عام، لتملأ الحرب صفحات الـ"فيسبوك" بأسماء الشهداء والمختفين، وصورهم، ولتصعب الكتابة وتتقزم وسط أتون متأجج. وتهدي الكاتبة قصة "قرصة برد" إلى كفاح علي ديب الفنانة التشكيلية السورية والكاتبة والناشطة التي اعتقلت قبل أن تهاجر إلى ألمانيا. وترخي الكاتبة على القصة، كما في سائر القصص بتفاوت، رهافة التعبير والصور واللغة والمشاعر، على الرغم من وحشية كل ما تتجلى به الحرب، بدءاً من المظاهرات السلمية في البداية، مما يتجسد في هذه الشخصية الروائية.

تنقسم أسرة وفا بين الأب الثري التاجر الذي يشتم الحشود الثائرة، ومن هو غير آبه، ووفا "الخائفة بعذوبة". ومع صديقتها الـ"فيسبوكية" وأصدقاء الصديقة تهتف مع تجمع نسائي لمحجبات وسافرات بالكلمة "الجديدة المهيبة العالية الحارة الصلبة البيضاء المقهورة المأمولة العظيمة الحية، حرية". وتشقق وفا شعار "ارحل" ليعني أيضاً ثروة أبيها الفاسدة وتفاهة إخوتها وببغاوية أمها المنصاعة.

وعد العودة

تبلغ الحكاية الإطارية "الحرب" ذروة جديدة في قصة "الضيوف"، حيث تعود الراوية مع أخيها إلى البيت بعدما "قيل رسمياً إن باستطاعتنا العودة إلى مدينة حرستا. كنا قد هجرناها منذ سبع سنوات". إنها حرستا إذاً بهذه المشهدية الجارحة، "أمامنا كلب يعبر الشارع، قطة مدهوسة، جرذان سمان تتقافز بأمان على الركام، قوافل من حشرات تطير في الشمس، سيارات ودراجات نارية، دكاكين ومحلات متنوعة رممت على عجل، أشجار متفحمة، أخرى يطمسها الغبار، أزقة، مفارق عشش فيها الخواء، شقق متهالكة، ملابس معلقة على حبال الغسيل، يتمهل أخي ويتوقف. رجل يجتاز الشارع يحمل قساطل وكابلات، يتبعه آخر يحمل عبوة ماء كبيرة. يرفعان يديهما لتحيتنا. أبنية تقف في انهيارها، كأنما تنتظر عودة أهلها. العودة، والحلم بها، أمر صاعق لم نحسب له حساباً".

وأخيراً تأتي القصة التي حملت المتوالية عنوانها "قومي يا مريم". ويعود الجد أبو سعيد والحفيد وسام والجدة التي أصابها الألزهايمر. لكن الإهاب الجديد يجدد العودة، ليس انتهاءً بفقدان الثمانيني أبي سعيد للفك والعثور عليه، ولا بما يلقى النازحون من العنت في المدينة، وليس ابتداءً برهافة الحب التي تلون مخاطبة أبي سعيد لمريم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي "قومي يا مريم" يتواصل حضور الإيقاع الذي لا يغيب عن قصة. وهو هنا مرة بتهنئة أبي سعيد لمريم في غياب عقلها، ومرة بمناداتها "يا مريم"، ومرة بأحوال الفك أو لوبان السؤال، أين أنت يا وسام. وقد كان الإيقاع في القصة السابقة هو فرن الغاز، بينما كان صوت الرصاص في قصة "صباح يختلف قليلاً"، ومعه هذه المفردة المتفردة "يلعن". وفي قصة "الحاجز" يبرز التوقيع بعبارة "يا الله تعبنا". وقد جاءت حركة الجماعة في قصة "دعاء سعيد" على إيقاع حركات الطفل. وكانت رائحة الغاردينيا التي يحبها الصحافي جهاد صديق الراوية الذي تمت تصفيته في المعتقل، هي الإيقاع في قصة "غاردينيا بين الأصابع". وكما هو الإيقاع والتوقيع علامة فنية بارزة، هو أيضاً توشيح اللغة بالمفردات والعبارات العامية أو المترجحة بين العامية والفصحى "أنكش، طرطشي، فرفط، يشربكني، يخربط، زلمة واصل، سيطرقها صفعة تطوشها...".

تلك هي المتوالية القصصية التي أضافتها رباب هلال بامتياز إلى غُرر المتواليات، من "حجرتان وصالة" لإبراهيم أصلان الذي جنّسها بـ"متوالية سردية"، إلى "أمواج الليالي" لإدوار الخراط الذي جنّسها بـ"متتالية قصصية"، بينما جنّست رباب هلال متواليتها بـ"قصص"، وفي هذا غبن للمتوالية، ربما سترفعه ذات غد، فيتأكد تصنيف روبرت شولر لها كجنس مستقل عن الرواية والقصة.  

 

المزيد من ثقافة