Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"نابليون الأفغاني" هو ما تحتاجه بنجشير في ذكرى اغتياله

عشرون عاما مضت على مقتل القائد العسكري أحمد شاه مسعود في عملية انتحارية

أمير حرب دينية، بملامح أفغانية محلية، فرانكفوني اللغة والتعليم، هذه هي مواصفات من أطلق عليه الفرنسيون "نابليون أفغانستان" وهو أكثر أمراء الحرب الأفغانية قرباً من الإليزيه، والذي تحل اليوم 9 من سبتمبر (أيلول) ذكرى اغتياله في واديه "بنجشير".

هذا الوادي الذي باتت جغرافيته محطاً للأخبار في الأيام الأخيرة بعد أن برزت كمقاومة وحيدة في وجه الأعداء القدامى العائدين المتهمين بالتورط في اغتياله "طالبان"، إذ شهد الإقليم بزوغ اسم أحمد شاه مسعود الذي قاد جبهة الحرب الشمالية في وجه أولى "الحروب المقدسة" ضد الاتحاد السوفياتي ومن ثم "طالبان"، إلى حين مقتله في عملية انتحارية  قبل عشرين عاماً وتحديداً في مثل هذا اليوم من عام 2001.

من أحمد شاه؟

ولد أحمد شاه وهو اسمه عند الولادة في الثاني من يناير (كانون الأول)  في عام 1953 بقرية بازارك بوادي بنجشير لعائلة من أصول طاجيكية وتعمل في السلك العسكري، فوالده دوست محمد خان كان عقيداً في الجيش الأفغاني وعمه عبد الرزاق خان كان ضابطاً في الاستخبارات.

وعاش مسعود طفولته وشبابه في العاصمة كابول، بعد أن انتقلت عائلته لها عقب ولادته ودرس في مدارس الاستقلال التي كانت تتبع النظام الفرنسي فأتقن اللغة الفرنسية، بجانب اللغة الدرية (الفارسية الأفغانية) وهي لغته الأم واللغة البشتوية، والتحق بكلية الهندسة في جامعة كابول.

وعلى الرغم من اختياره تخصصاً بعيداً عن السياسة والسلك العسكري، فإنه انضم إلى "منظمة الشباب المسلم" أثناء دراسته الجامعية، وهناك غير اسمه إلى أحمد شاه مسعود كاسم حركي، لا سيما وأن المنظمة كانت تهدف إلى مقاومة التدخل السوفياتي في أفغانستان بعد انقلاب الأمير محمد داوود خان، المدعوم من الحزب الشيوعي الأفغاني وموسكو، ضد الملك محمد ظاهر شاه. إلا أنه بدأ حياته السياسية بشكل رسمي بعد انضمامه كعضو إلى الجمعية الإسلامية، التي أسسها عبد الرحيم نيازي في عام 1969، وكان رئيسها برهان الدين رباني الرئيس الأفغاني السابق.

 

وانتقل أحمد شاه إلى صفوف "الانتفاضة الإسلامية" في عام 1975 وهي مقاومة مسلحة ضد نظام داوود خان بعد انقلاب الحزب الديمقراطي الشعبي الأفغاني وتأسيسه نظاماً تابعاً للاتحاد السوفياتي في عام 1978، لتبدأ بعدها أفغانستان حرباً دامت 10 سنوات شارك فيها ولعب دوراً كبيراً في إخراجهم، بعدما تحصن في وادي بنجشير بقوة قادته إلى عقد معاهدة لوقف إطلاق النار لمدة سنة. ولكن مسعود استغل الاتفاقية في الوادي للتوجه إلى محافظات أخرى في شمال أفغانستان وهي ولاية بدخشان وتخار وبغلان وفتح جبهات جديدة للقتال ضد القوات القادمة من موسكو، بعدما كان يقاتل على جبهة واحدة في إقليمه، أسهم بعدها في دخول كابول مع بقية القوات الشعبية والسيطرة عليها بشكل نهائي قبل وقوع الخلاف بين القوات المحلية.

ونال مسعود عدداً من الألقاب بعد تلك الحرب منها "أسد بنجشير" و"فاتح كابول"، كما لقبه الفرنسيون بـ"نابليون الأفغاني" أثناء زيارته لباريس في مارس (آذار) عام 2001، والتي التقى فيها رئيسة البرلمان الأوروبي نيكول فونتين، وأجرى مسعود خلال الزيارة محادثات مع وزير الخارجية الفرنسي آنذاك هوبير فيدرين، ورئيس مجلس الشيوخ كريستيان بونسوليه.

لقب "نابليون الأفغاني" لازم القائد العسكري حتى اليوم، إذ اختاره الكاتب الفرنسي ساندي غال لكتابه الجديد والمتوقع صدوره خلال هذا العام، والذي يتناول سيرة مسعود وحربه ضد السوفيات و"طالبان" في أواخر القرن الماضي.

الاتحاد الإسلامي

وبالعودة لواقع الحرب مع السوفيات في الثمانينيات، فإن الهدنة التي وقعها مسعود معهم لم تشمل سوى الإقليم الشمالي الواقع تحت سيطرته، إذ استمرت المعارك بين قوات الاتحاد السوفياتي، والاتحاد الإسلامي الذي ضم جميع الأحزاب والفصائل السبعة تحت قيادة واحدة في كل الولايات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبعد انسحاب القوات الغازية من البلاد كافة وسقوط حكومة نجيب الله في كابول، أبرمت الفصائل اتفاقاً لتنظيم المستقبل السياسي للبلاد، عرف بـ"اتفاق بيشاور" الذي وقع في 24 أبريل (نيسان) 1992 من قبل الأحزاب السبعة المشتركة في الاتحاد الإسلامي لقوات الحرب الأفغانية مع حزب الوحدة الشيعي والحركة الإسلامية.

الشاه وزير دفاع

وبعد توقيع اتفاقية بيشاور بدأ تشكيل أول حكومة مؤقتة لمدة شهرين برئاسة صبغة الله مجددي، وبحسب الاتفاقية انتقلت رئاسة الحكومة لبرهان الدين رباني، كما نصت على أن تكون وزارة الدفاع للجمعية الإسلامية، ومعها تولى أحمد شاه مسعود منصب وزير الدفاع، وأصبح نائباً للرئيس فيما بعد.

الاتفاقية لم تصمد طويلاً، إذ سرعان ما انقلب الحزب الإسلامي بقيادة قلب الدين حكمتيار، رغم توقيعه على بنودها مع بقية الفصائل، وقام بالهجوم على كابول بعد أن مد رباني فترة رئاسته، ودخلت العاصمة مرحلة جديدة من الحرب الأهلية بين الأحزاب الموقعة على الاتفاقية، وفشلت كل الجهود المحلية والدولية في رأب الصدع بين الجمعية الإسلامية والحزب الإسلامي، واستمرت المواجهات والمعارك العسكرية بينها في ظل الاقتتال المتواصل وتصاعد الانقسامات القبلية والعرقية والطائفية في البلاد، وهو ما أسهم في ظهور ما يعرف اليوم بحركة "طالبان" في عام 1994، واستطاعت الحركة أن تحكم البلاد تحت مسمى "إمارة أفغانستان الإسلامية" إثر استيلائها على العاصمة في سبتمبر عام 1996.

تحالف الشمال

وبعد أن سيطرت الحركة المتشددة على العاصمة بزعامة الملا عمر، ترك مسعود الوزارة، وعاد إلى مسقط رأسه، وادي بنجشير، ليؤسس ما يعرف بتحالف الشمال الذي ضم أحزاباً معارضة لحكم "طالبان"، وهي الجمعية الإسلامية، ومجلس شورى النزار اللذان يسيطر عليهما الطاجيك، ويقودهما برهان الدين رباني وأحمد شاه مسعود، إضافة إلى حزب جنبش ملي ذات الأغلبية الأوزبكية والتركمانية، بقيادة عبد الرشيد دوستم، كما ضم تحالف الشمال الشورى الشرقية ذا العرقية البشتونية بقيادة حاجي عبد القدير، والحركة الإسلامية التي شملت عرقيات من الطاجيك والهزارة، بقيادة آصف محسني وحزب الوحدة الذي ينتمي أعضاؤه للهزارة بقيادة محمد محقق وكريم خليلي.

 

ومنذ تأسيس التحالف أصبح مسعود القائد العسكري لها، ومع توسع سيطرة "طالبان" على معظم المناطق الأفغانية، اضطرت قوات التحالف للتقهقر بشكل متزايد داخل المناطق الجبلية في الشمال وسيطروا على حوالى 10 في المئة من مساحة البلاد التي لم تكن تابعة لحكم الحركة الأول في التسعينيات.

اغتياله بكاميرا

ظل مسعود يعيش في مناطق نفوذه كقائد عسكري لتحالف الشمال، حتى التاسع من سبتمبر (أيلول) 2001 حين تم اغتياله على يد انتحاريَين تظاهرا بأنهما صحافيان في منزله الخاضع لحراسة مشددة في منطقة خواجة بهاء الدين، قبل تنفيذ عملية تفجير مركزي التجارة في مدينة نيويورك الأميركية بيومين، وتمت عملية الاغتيال بواسطة كاميرا مفخخة انفجرت أثناء إجراء اللقاء الصحافي، وقُتل الانتحاريان على الفور وأصيب مسعود بجروح، ولكنه توفي أثناء نقله للعلاج من مقره إلى عاصمة طاجيكستان، ودُفن مسعود في مسقط رأسه بقرية بازارك.

وفي أبريل (نيسان) لعام 2003، شكلت إدارة الرئيس الأفغاني السابق حامد كرزاي لجنة للتحقيق في اغتياله. وفي العام ذاته، تمكن المحققون الفرنسيون من تتبع مصدر الكاميرا المستخدمة في الاغتيال والتي سرقت في وقت سابق من فرنسا.

وفي عام 2005 أدانت محكمة فرنسية في باريس أربعة أشخاص بتهمة توفير "الدعم اللوجيستي" لقتلة مسعود حيث حكمت عليهم بالسجن لفترات تتراوح بين عامين وسبعة أعوام.

وكان المتهمون قد تم اعتقالهم من قبل الشرطة الفرنسية بعد ربط أوراق عثرت مع قتلة مسعود بخلية متطرفة في العاصمة البلجيكية بروكسل.

أسد بنجشير لم يخلف شبلاً

ويحمل نجل أحمد شاه مسعود الذي يبلغ من العمر 32 عاماً نفس اسم والده، وهو الذي برز اسمه خلال الأسابيع الماضية بعد إعلان الانتفاضة ضد حكم "طالبان" مع نائب الرئيس الأفغاني الفار أمر الله صالح اللذين استقرا في إقليم "بنجشير"، وأسس حزباً سياسياً يطلق عليه "جبهة المقاومة الوطنية".

وبعد سقوط كابول بيد الحركة القادمة من الجبال بأربعة أيام، وتحديداً في 19 من أغسطس (آب) نشر مسعود الابن مقالاً في صحيفة "واشنطن بوست" قال فيه "أكتب اليوم من وادي بنجشير، وأنا على استعداد لاتباع خطى والدي، مع المجاهدين المقاتلين المستعدين لمواجهة طالبان مرة أخرى. لدينا مخازن ذخيرة وأسلحة جمعناها بصبر منذ عهد والدي، لأننا علمنا أن هذا اليوم قد يأتي".

 

وبعد ثلاثة أيام من نشر المقال قالت "طالبان" في تصريحات صحافية "إن الحركة فتحت قنوات اتصال مع أحمد مسعود، لتسليم بنجشير سلمياً، وإن المفاوضات ما تزال مستمرة، مؤكدة أن الحركة سترسل قريباً وفداً لبحث الأمر عن قرب وتقديم الضمانات اللازمة التي طلبها".

إلا أن المفاوضات فشلت لتتجه الحركة إلى غزو الشمال عسكرياً، حققت بفضلها تفوقاً كبيراً على الأرض، إذ لا يبدو الشاب الذي يرتدي ملامح والده وطريقة لبسه للقبعة قادراً على ارتداء خبرته العسكرية، وقدرته على قيادة التحالفات القبلية بالكفاءة ذاتها، على الرغم من ارتياده أكاديمية "ساندهيرست" العسكرية الملكية البريطانية. كما حصل على درجة علمية في دراسات الحرب من جامعة "كينغز كوليج" البريطانية ودرجة الماجستير في السياسة الدولية من جامعة "سيتي" في لندن، إلا أن ما تعلمه فصول لندن الدراسية لا يشبه ما تعلمه كمائن الجبال وحروبها.

المزيد من تقارير