Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"مسابقة رسمية" يبدل نظرة جمهور البندقية الى نزاهة الممثلين

 فيلم يدخل كواليس التصوير وينقل بسخرية لاذعة جو التمثيل الحافل بالتوتر والكراهية  

من الفيلم الأرجتيني "مسابقة رسمية" الذي يدور في كواليس الممثلين (الخدمة الإعلامية للفيلم)

يثير عنوان الفيلم بعض الالتباس، "مسابقة رسمية"، وهو معروض في المسابقة الرسمية لمهرجان البندقية السينمائي الـ 78 المقام من الأول وحتى 11 سبتمبر (أيلول). عندما قرأته للمرة الأولى فور إعلان البرنامج قبل بضعة أسابيع اعتقدته خطأ مطبعياً، لكن هذا فعلاً العنوان الذي أُطلق عليه، وهو واحد من أكثر الأفلام سخرية وظرافة في دورة تلقي الجدية ظلالها على معظم الأعمال السينمائية، لتعكس عالماً خانقاً يصعب العيش فيه.

"مسابقة رسمية" أرجنتيني الصنع، من إخراج غاستون دوبرات وماريانو كون، وقبل خمس سنوات عرض هذا الثنائي في البندقية فيلماً بديعاً في عنوان "المواطن الفخري"، وها هما يعودان هذا العام مع عمل يدخلنا في كواليس تصوير فيلم سينمائي.

استخدم المخرجان الأسلوب نفسه في معالجة الفكرة، السخرية الهدامة، الضرب من تحت الحزام، كشف تفاصيل من عالم الفن لا يراها عادة الجمهور العريض، فضح أخلاقيات يمارسها ناس يحاضرون بالعفّة ولكنهم لا يطبقونها في حياتهم. فيلمهما السابق حاول وبنجاح منقطع النظير أن يعري الأدب من خلال شخصية دانيال مانتوفاني، وهو كاتب أرجنتيني مشهور عالمياً تخيله المخرجان، يبدأ الفيلم بلقطة نراه فيها وهو ينتظر في ردهة الأكاديمية السويدية لتسلم "نوبل"، قبل أن ننتقل بعد خمس سنوات من تلك اللحظة إلى مسقطه الذي يُدعى سالاس، على أثر تلقيه دعوة من عمدتها. يعود إلى المكان الذي أمضى حياته محاولاً الهرب منه، مع أنه كتب روايات تدور حوادثها هناك. طوال ثلاثة أيام وثلاث ليال يدخل دانيال في معمعة طويلة مع ناس صلته الوحيدة بهم جغرافية لا أكثر، معظمهم سوقي وذكوري بشكل لا يُطاق. يقارب الفيلم بنقد لاذع ظاهرة الشهرة كقيمة في ذاتها، ولكنه يتأمل أيضاً في مواضيع عدة، منها مكانة الثقافة في مجتمع نام حيث تتحول في يد أمثال عمدة سالاس إلى واجب ومسؤولية. 

فيلم الممثل

الفيلم الجديد هو بطريقة أو أخرى إعادة تدوير للفيلم السابق، مع استبدال الأدب بالسينما والكاتب بالممثل. ربما لم يتوفق المخرجان كما كانت الحال في تجربتهما الماضية، ولكن يبقى الفيلم مقبولاً ومشغولاً بحرفية ويطمح إلى التميز، فهو يتناول شأناً جانبياً وتفصيلاً لا يهم كل الناس، في عالم يتحمس للقضايا الكبرى أكثر من أي شيء آخر. الاختلاف الأكبر مع الفيلم السابق هو أن الإمكانات المادية أصبحت أكبر، وبات للمخرجين ما يكفي من صيت جيد ومكانة مرموقة، للحصول على نجمين كبيرين هما أنتونيو بانديراس وبينيلوبي كروز اللذان يتشاركان التمثيل في دورين بارزين ووجهاً لوجه للمرة الأولى، وهو الأمر الذي سيسهل انتشار الفيلم عالمياً وعرضه في الصالات التجارية.

تبدأ الحكاية مع إصرار رجل أعمال ملياردير (خوسيه لويس غوميز) على إعطاء معنى لحياته في مناسبة بلوغه الـ 80، هذا الذي صنع ثروته جراء التجارة بالأدوية ينظر من شباك مكتبه ويتساءل ما الذي يجب أن يفعله رجل في مثل سنه للفوز ببعض البريستيج الاجتماعي، فهو لا يريد أن يتذكره الناس بماله فحسب. فجأة تخطر في باله فكرة تمويل فيلم، فيلم كبير بممثلين كبار يجعله صاحب شأن، وطبعاً رجلنا شبه أميّ لا يفقه أي شيء، لا في السينما ولا في الرواية الفائزة بـ "نوبل" التي سيهرع لشراء حقوق نقلها إلى الشاشة، ثم يسلمها لمخرجة غريبة الأطوار تُدعى لولا كويفاس (بينيلوبي كروز) قيل له بأنها الأفضل في مجالها.

هذا الفصل الذي يتجسد في ثيمة "شخص جاهل يحشر أنفه في ما لا يفقهه"، لا يتوقف الفيلم عنده مطولاً، ففكرته الأم لا تقتصر على إدانة أو فضح مصادر التمويل التي تأتي من ناس يجهلون كل شيء عن السينما، وبسرعة يتبين أن المخرجين لا يهتمان بهذا الشأن، بل هناك شيء آخر يقحماننا فيه وهو النحو الذي يعمل فيه الممثلون خلال التصوير.

أزمات مهنية

الجمهور يرى العمل النهائي، ولكن ليس لديه أدنى فكرة عن الطريق المحفوف بالمخاطر والأزمات الوجودية والمهنية والنفسية الذي يسلكه الصناع، ومن بينهم الممثلون لبلوغ هذه النتيجة.  لذلك فور اختيار المخرجة للممثلين فيليكس ريفيرو (بانديراس) وإيفان توريس (أوسكار مارتينيز) للعب دور شقيقين متناحرين على خلفية حادثة سيارة تسبب به أحدهما وأودت بمقتل والديهما، تبدأ عملية شد حبال طويلة ومضنية بين الممثلين اللذين ينتمي كل منهما إلى مدرسة مختلفة، سواء في كيفية التعامل مع الدور أو في النظر إلى العالم والجمهور والمهنة.

فيليكس عاش وعمل في هوليوود، وبالتالي له نمطه الخاص الذي يتعارض بالشكل والمضمون مع نمط عمل إيفان الذي يملك مقاربة راديكالية لكونه تعلم التمثيل على خشبة المسرح، إلا أن كليهما ممتلئان بدرجة عالية من الإيغو والأنا المتضخمة وانعدام الثقة في الذات، الأمر الذي سيجعل التمارين تتراوح بين المعاناة النفسية الصعبة أحياناً والمهزلة الكاريكاتورية في أحايين كثيرة، وهذا كله يحدث خلال الاستعدادات للتصوير، وتجري فصوله المختلفة في المقر ذي الطابع المستقبلي الذي يملكه المنتج المليونير، وهو مفترض أنه مقر مؤسسة، لكنه في الحقيقة مبنى زجاجي وأسمنتي فارغ لا يفيد لشيء.    

هل الفيلم تحية إلى مهنة الممثل على الرغم من أنه يمرغ الأخير في الوحل؟ لا يمكن الجزم بذلك. صحيح أن النقد اللاذع في الثقافة الغربية لا يتعارض مع رد الاعتبار للشخص المنقود، كما أن السخرية قد تحمل في داخلها حباً واحتراماً، إلا أن الفيلم يذهب بعيداً جداً في تصوير الخصومة بين الممثلين اللذين يتحاربان أشبه بثورين في حلبة صراع.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

المشهد قاس جداً في بعض الأحيان ويحض على كراهية هؤلاء الممثلين الذين من المفترض أنهم يبيعون الأحلام للجمهور، ولكنهم في الحقيقة يتعاملون بإسفاف بعضهم مع بعض، ومع أنفسهم أيضاً. 

في واحد من أفظع مشاهد الفيلم تقدم المخرجة على تلف كل الجوائز التي نالها فيليكس وإيفان، ومن بينها جائزة التمثيل التي نالها أوسكار مارتينيز (إيفان) عن "المواطن الفخري" في البندقية. هذا التلف خطوة جريئة من جانب فيلم يُعرض في البندقية وهو نفسه مرشح للجوائز، وتبقى مشكلة الفيلم الأساس أنه لا يقول أمراً جديداً في شأن سلوك المشاهير المريب ونزعتهم إلى الغرور، لا بل يتظاهر بأنه صاحب اكتشاف غير مسبوق، وتضاف إلى هذه المشكلة مشكلة أكبر وهي أن المنخرط في مجال المهرجانات لن يصدق بأن شخصية المخرجة حازت "سعفة ذهبية" في مهرجان "كان"، وتفاصيل أخرى كهذه فيها زيف كبير.

القريبون جداً من هذا العالم لن يصدقوا عالماً مزيفاً يحاول الفيلم إقناعنا بوجوده، وفي النهاية فعلى الرغم من طموحه الفضفاض يقدم الفيلم شيئاً أشبه بسلسلة "سكيتشات" مسلية وربما طريفة أحياناً، لكنه يخلو من الحنكة التي تميز بها "المواطن الفخري". 

 

المزيد من سينما