ملخص
بعد عرضه في مسابقة مهرجان كان قبل أشهر حيث نال استحسان النقاد من دون أن يستطيع الوصول إلى لائحة الجوائز، آن الآوان لـفيلم "موجة جديدة"، إخراج الأميركي ريتشارد لينكلايتر ليضرب موعده المنتظر مع الجمهور الذي يعد الاختبار الأهم لأي عمل فني.
في فرنسا، بلد هواة السينما الأهم، التي فيها نشأت وتطورت الموجة الفرنسية الجديدة، كان الإقبال على فيلم "موجة جديدة" ضعيفاً فلم يحقق في غضون شهرين أكثر من 130 ألف متفرج، على رغم إعجاب كبريات الصحف به وتخصيص مجلة "كاييه دو سينما" غلافها لشهر أكتوبر (تشرين الأول)، يبقى الرهان على منصات العرض التدفقي التي تضمن للفيلم حياة أطول.
"موجة جديدة" أكثر من عنوان جذاب يلقي تحية على التيار الجمالي الشهير الذي أحدث انقلاباً في المفاهيم، إنه فيلم فني كامل متكامل يؤكد من خلاله لينكلايتر أنه صانع كبير يتقن الحرفة، فاللعبة هنا غير محصورة بإنجاز فيلم جيد إنما التماهي مع زمن، الستينيات، وهذا بنفسه تحد غير قليل، لكن لينكلايتر يدخل الحدث وهو يدرك إرث هذا التيار والرمزية التي يحملها.
بدلاً من التعامل مع الموجة الفرنسية الجديدة كقطعة فنية في متحف، يتعاطى معها لينكلايتر ككائن لا يزال يتنفس. هذه الحركة الفنية التي صاغها كلود شابرول وفرنسوا تروفو وجان لوك غودار ورفاقهم في أواخر الخمسينيات، بعد فترة أمضوها وهم يكتبون النقد، تتحول في الفيلم إلى مادة تُستعاد بروح معاصرة، بل كتحقيق استقصائي في لحظة فنية ولدت من رغبة في هدم القواعد التي كانت تحاصر السينما داخلها.
بعيداً من أي توثيق بليد، يقارب لينكلايتر المرحلة كما لو كان يعثر عليها من جديد، وهذا كله من خلال نقطة محددة: عملية تصوير "على آخر نفس" لغودار، الفيلم الأيقوني الذي كأنما يختزل كل تاريخ "الموجة".
غودار الذي صور الفيلم في 20 يوماً وبدعم من جورج دو بورغار (المنتج الذي راهن على موهبة شاب صاخب الأفكار)، مقتبساً سيناريو كان كتبه تروفو الذي كان لفت الأنظار في مهرجان كان بفيلمه الأول، غير أن هذا السيناريو، كما يوضح الفيلم، بروح مرحة أحياناً وقاسية أحياناً أخرى، لم يكن بالنسبة إلى غودار سوى نقطة انطلاق لخلق مدرسة سينمائية جديدة مهدت الطريق في الأعوام اللاحقة أمام الآخرين لينجزوا أفلامهم بحرية أكبر، حتى إن أصداءها وصلت إلى خلف الأطلسي، فولد ما عُرف بـ"هوليوود الجديدة"، وإذا كان ثمة درس، فلا بد أن نستلخصه من داخل عملية تصوير "على آخر نفس"، ففريق غودار يجد نفسه أمام مخرج لا يعتمد نصاً ثابتاً، ويغيّر قراراته فجأةً، دافعاً الممثلين، وفي مقدمهم جان سيبيرغ، إلى منطقة ضبابية بين الارتباك والثقة، يتابع الفيلم هذه الفوضى الخلاقة، لا ليحوّلها إلى أسطورة، إنما ليكشف عن أن ما يبدو اليوم ثورياً كان آنذاك… مغامرة!
البحث عن الذات
يحرص لينكلايتر على تقديم غودار لا كأسطورة منتهية، إنما كفنان يبحث عن ذاته على البلاتو، يسرق القليل من المال من صندوق المجلة التي يعمل فيها كي يسافر إلى كان، يكتب على عجل، ويقترح حلولاً مرتجلة، ويعيد صوغ العلاقة بين الكاميرا والواقع، بينما يحمل دفتره الصغير وسيجارته التي لا تنطفئ أينما حلّ، الإنسان هنا لا يلغي العبقري، بل يحاول معرفة مصادره.
في عدد من المقابلات الصحافية التي أجراها في فرنسا، تحدّث لينكلايتر عن اكتشافه "على آخر نفس" في شبابه، علماً أنه من مواليد 1960، العام الذي خرج فيه الفيلم، وعلى رغم بلوغه الـ65 اليوم، فلا يزال هذا العمل يمسّه إلى حد كبير.
"شاهدته للمرة الأولى عام 1982، برفقة والدي، أحببته، مع أنني لم أفهم كل شيء في البداية، بعد شهر عدتُ لمشاهدته، وحينذاك حدثت الصدمة الجمالية، ما أدهشني هو تلك الحرية الهائلة: التصوير في الشارع، بلا سيناريو حقيقي، التقاط اللحظة، الارتجال، وهذه بالضبط هي تلك الابتكارية التي كانت تهمّني، تعيدنا القصة إلى عام 1959، تلك الفترة الاستثنائية حين لم يكن السينمائيون يخشون شيئاً، بل يجربون ويحطّمون القواعد، وهذه الطاقة الجديدة هي ما رغبتُ في تكريمها مع فيلمي".
كشف لينكلايتر في جولته الفرنسية خلال الحملة الترويجية للفيلم أنه حين كان طفلاً، كانت الأفلام تروي في شكل أساس البطولات والملاحم، في ظلّ تجاهل تام للإنسان العادي، لم يكن يخطر في باله، في أول تماس له مع الموجة الجديدة، أن السينما قد تكتفي باستحضار حياة إنسان ليس بطلاً كما حال جان بول بلموندو في الفيلم.
يقول: "الأفلام الهوليوودية، مثل تلك التي أنجزها هيتشكوك، لم تكن مستمدة من تجارب المخرجين الشخصية، على رغم أنهم كانوا يضعون أحياناً لمسات خاصة فيها.
فعل حب
سرد الطفولة أو القصة المعيشة، كان ذلك شبه غائب عن الشاشة، جاءت الموجة الجديدة وغيّرت ذلك: فهمنا أن الفيلم قادر على أن يتناول أي شيء، تروفو، مثلاً، ألهمني برؤيته للسينما بوصفها "فعل حب"، كان اكتشاف هؤلاء السينمائيين بمثابة وحي نزل عليّ، فهمتُ أن الحياة، في لحظاتها العادية، يمكن أن تشكّل مادة سينمائية".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
علاقة لينكلايتر بغودار لها امتدادات عميقة، هذا الذي يُلقَّب بـ"أكثر المخرجين الأميركيين ميلاً إلى السينما الفرنسية"، كان لديه نادٍ، عرض فيه ذات عام 17 فيلماً لغودار طوال ثلاثة أشهر.
عن غودار يقول إنه كان يمتلك لغته الخاصة، مما جعل أعماله صعبة أحياناً، لكنه ظل دائماً وفياً لنفسه، "سيبقى قدوة لي ما حييت، لكن لا أحد يمكنه تقليد غودار، لم يتمكّن أحد من إنجاز يلم على طريقة غودار، فهذا مستحيل! وأعتقد أن ما دفعني إلى إنجاز هذا الفيلم هو كل الطاقة والانتباه اللذين حظي بهما رحيله، أراه سينمائياً متجذّراً في الحاضر، ربما أكثر من أيّ فنان آخر، كانت أفكاره تُولد في لحظتها، ولا تحتمل تأجيلاً في التعبير عنها، غودار فريد إلى حد مذهل بطريقته في صناعة الأشياء! إنه الأكثر راديكالية على الإطلاق".
أحد أهم هواجس لينكلايتر في "موجة جديدة" إظهار حماسة الشباب والمكانة التي كانت تحتلها السينما في وجدانهم، حماسة انعكست عليه أيضاً، هو الذي بدأ العمل في السينما حين كان في الـ24، شعر خلال التصوير وكأنه يبلغ العشرينيات من جديد، حاول أن يمحو من ذاكرته تاريخه السينمائي الشخصي، وهذا ما سمح له بالوصول إلى حالة ذهنية تشبه حالة المبتدئ، "كان الأمر جداً ممتعاً، السينما تتيح استعادة شبابك، أقارنها بلحظة سحرية قصيرة، كما لو أن مَن أصوّرهم تجمّعوا حولي فعلاً، بينما هم في الواقع غادروا الحياة، التصوير أتاح لهم أن يلتمّوا من جديد، وكانوا سعداء بوجودهم معاً".